تقارير وتحقيقات | 1 01 2026
داليا عبد الكريم
في قرية بحمرة الصغيرة، الواقعة في ريف القرداحة على الساحل السوري، لم يعد الخبز يُشترى نقدًا. هنا، تُدوَّن الأسماء والتواريخ والمبالغ في دفتر لدى معتمد الخبز، في ممارسة باتت تعكس واقعًا اقتصاديًا متدهورًا تعيشه القرية منذ أشهر.
خلال عام واحد، تجاوزت ديون الخبز في بحمرة 80 مليون ليرة سورية، وفق معتمد الخبز المحلي، موزعة على نحو 150 شخصًا لم يعودوا قادرين على دفع ثمن أكثر السلع الأساسية في البلاد. أرقام تعكس أزمة معيشية تتجاوز حدود القرية، لكنها تتجلّى فيها بوضوح.
منذ موجة الحرائق الواسعة التي اجتاحت المنطقة عام 2020، مرورًا بالأحداث الأمنية التي شهدها ريف اللاذقية في آذار الماضي، وصولًا إلى التغييرات التي طالت أوضاع الجنود المسرحين والعاملين في مؤسسات الدولة، فقد أهالي بحمرة مصادر دخلهم الواحد تلو الآخر. بعضهم ينتظر رواتب متأخرة منذ أشهر، فيما لم يعد لدى آخرين سوى العمل الموسمي أو الانتظار.

الدَّين أثقل من الرقم
أحمد، 31 عامًا، متزوج وأب لطفلة في شهرها السادس، يقول بصوت منخفض إن ديونه للخبز بلغت قبل شهرين نحو مليون و800 ألف ليرة، «واليوم بالتأكيد أكثر». يطلب عدم استخدام اسمه الحقيقي، لا خوفًا، بل خجلًا، كما يقول.
يعمل أحمد في أي فرصة متاحة: قطاف الحمضيات، أعمال زراعية موسمية، أو عتالة متفرقة. زوجته لا تعمل، ولا دخل ثابت للأسرة. «حليب البنت أولًا، والباقي ينتظر»، يضيف.
قبل سنوات، كانت بقرة واحدة تشكّل مصدر رزق العائلة. خلال أحداث أمنية شهدتها المنطقة في آذار الماضي، اضطرت الأسرة لمغادرة المنزل، وعند عودتها وجدت البقرة نافقة. لا يعرف أحمد كيف حدث ذلك، ولا يريد الخوض في التفاصيل. اليوم، يملك بقرة صغيرة أهداها له أحد أقاربه، لا تدرّ الحليب بعد، لكنها تمثل أملًا مؤجلًا.
شهد الساحل السوري بين 6 و10 آذار/مارس الماضي موجة عنف وُصفت بأنها من بين الأسوأ منذ سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024. ووفق توثيق الشبكة السورية لحقوق الإنسان، قُتل ما لا يقل عن 803 أشخاص خلال تلك الفترة، بينهم 39 طفلًا و49 امرأة، إضافة إلى مقتل 172 عنصرًا من قوات الأمن والشرطة والجيش على يد جماعات مسلحة غير حكومية.
رواتب لا تكفي الخبز
فائز، 54 عامًا، موظف في مديرية الزراعة منذ أكثر من 25 عامًا، لا يزال على رأس عمله، لكن راتبه الشهري البالغ نحو 900 ألف ليرة لم يعد يغطي الاحتياجات الأساسية. «عندي ثلاثة شبّان في البيت بلا عمل ثابت»، يقول.
تجاوز دينه لدى معتمد الخبز مليون ليرة، فيما ينتظر أبناؤه استكمال إجراءات إدارية تمنحهم وثائق مدنية، ما يقيّد حركتهم وفرصهم خارج القرية.
ومعتمد الخبز هو تاجر محلي يجلب الخبز للمنطقة من مراكز التوزيع الرئيسية في المدن.
عسكري سابق… ودَين متراكم
محمود، عسكري سابق في جيش النظام السوري، يعيل أسرة من سبعة أفراد. توقفت رواتبه منذ أشهر، وارتفع دين الخبز منذ آذار إلى أكثر من 2.5 مليون ليرة، إضافة إلى ديون أخرى لدى البقال.
"نحتاج يوميًا ثلاث أو أربع ربطات خبز"، يقول. ابنه الأكبر ترك الجامعة بسبب كلفة المواصلات، وابنته لم تتقدم لامتحان الثانوية، فيما تعيش الأسرة على أعمال زراعية متقطعة ومساعدة أقارب استُنزفت مدخراتهم.
حرائق، تأخير رواتب، وزراعة خاسرة
أيهم، 39 عامًا، موظف في مؤسسة زراعية حكومية، لم يتقاضَ راتبه منذ أربعة أشهر. يقول إن كلفة الوصول إلى العمل باتت أعلى من العائد. أراضيه الزراعية، المزروعة بالزيتون على مساحة تقارب 25 دونمًا، احترقت في حرائق عام 2020.
تقدم بطلب تعويض، لكنه لم يحصل على شيء. يقول "اليوم لم تعد الزراعة مجدية مع ارتفاع أسعار الأسمدة وتراجع العائد".

حرائق ريف اللاذقية الشمالي - 2025
دفتر الخبز… مرآة الأزمة
أيمن نصور، معتمد الخبز في بحمرة، يقول إن مجموع الديون المتراكمة منذ عام تجاوز 80 مليون ليرة. «ما فيني رد الناس لما تطلب خبز لأولادها»، يقول.
مع ارتفاع سعر ربطة الخبز من 400 إلى 4000 ليرة خلال فترة قصيرة، بات الشراء بالدَّين القاعدة لا الاستثناء. المفارقة أن المعتمد نفسه بات يشتري الخبز بالدَّين من الأفران المجاورة، مع ديون تتجاوز 10 ملايين ليرة.
نشر أيمن منشورًا على وسائل التواصل الاجتماعي شرح فيه وضع القرية، فتلقّى تبرعات محدودة من سوريين في محافظات أخرى، لم تتجاوز أربعة ملايين ليرة. «ما بتغطّي شي»، يقول.
تواصل مع لجان محلية وبلديات، وقدّم قوائم بأسماء المديونين والمبالغ المستحقة، لكن المساعدة لم تصل حتى الآن.
يقول معتمد الخبز في القرية إنه لم يعد يرى أمامه أي حل سوى انتظار الفرج، في ظل فقدان مئات الأهالي رواتبهم ومصادر عيشهم الأساسية. ويوضح أن السكان باعوا ما يملكونه واحدًا تلو الآخر لتأمين احتياجاتهم اليومية، ولم يعد لديهم ما يمكن الاستغناء عنه.
"يابدي أعطي خبز واتدين، أو ما حدا بياكل"
ويضيف: «نعيش على هذا الحال منذ نحو عام، استنفدتُ كل الوسائل الممكنة، وأجد نفسي أمام خيارين كلاهما قاسٍ: إما أن أرفض إعطاء الخبز لمن لا يملكون ثمنه، أو أن أواصل البيع بالدين رغم تراكم الديون عليّ».
ويختم بالقول إن ما يدفعه للاستمرار هو شعوره بالمسؤولية الإنسانية تجاه الأهالي، على أمل أن تُصرف الرواتب المتوقفة، أو أن تصل مساعدات تخفف من حدة الأزمة التي يعيشونها.
مصادر في بلدية مرج معيربان، التي تتبع لها بحمرة إداريًا، قالت إنها لم تتلقَّ قوائم رسمية تتعلق بديون الخبز، وأقرت في الوقت نفسه بأن الوضع الاقتصادي في القرية «سيئ جدًا»، دون وجود خطة دعم واضحة حاليًا.

ما وراء بحمرة
ما تعيشه بحمرة يعكس نمطًا يتكرر في مناطق سورية عديدة، حيث تتقاطع عوامل تأخير الرواتب، تراجع الزراعة، وارتفاع أسعار الغذاء، مع غياب مشاريع إنتاجية قادرة على توفير دخل مستقر. في هذا السياق، يتحول الدَّين إلى وسيلة للبقاء، لا خيارًا مؤقتًا.
في بحمرة، يواصل الأهالي حياتهم بين دفتر الخبز وانتظار أي تغيير قد يخفف من حدّة الأزمة المعيشية، في ظل غياب حلول ملموسة حتى الآن.