تقارير وتحقيقات | 21 12 2025
رغم الاحتفالات بإلغاء قانون قيصر، ثمة عقبة كبيرة لا يزال الكثيرون يتجاهلونها: سوريا لا تزال على قائمة الدول الراعية للإرهاب منذ عام 1979.
في تقرير صادر عن صحيفة "just securtiy" في 19 كانون الأول/ ديسمبر، وهي تتبع المجلة لمركز رايس للقانون والأمن (Reiss Center on Law and Security) في كلية الحقوق بجامعة نيويورك، يقول الباحثان راشيل ألبرت وغاريت سالزمان، أن القيود على سوريا لازلت صعبة.
إرث حافظ الأسد الذي لا يزال حياً
في عام 1979، وضعت الولايات المتحدة سوريا على القائمة الأولى للدول الراعية للإرهاب في عهد حافظ الأسد. ورغم مرور أكثر من أربعة عقود، والتعير السياسي بسقوط النظام السوري ممثلاً ب بشار الأسد، وتشكل حكومة انتقالية، وأُلغاء قانون قيصر. لكن الاسم سوريا لا يزال على القائمة.
يعتقد الباحثان أن هذا الأمر ليس مجرد رمز سياسي. ما. يعني أن وجود سوريا على هذه القائمة يعني قيوداً حقيقية وملموسة تحد من قدرة البلاد على الاستفادة الكاملة من إلغاء العقوبات.
وطالما سوريا على قائمة الدول الراعية للإرهاب، تبقى سلسلة من القيود سارية المفعول:
في مجال التصدير والاستيراد:
تخضع سوريا لضوابط تصدير صارمة بموجب قانون التفويض الدفاعي لعام 2019، وقانون تصدير الأسلحة، وقانون المساعدات الخارجية لعام 1961. هذا يعني أن الحصول على آلات صناعية، قطع غيار، تقنيات، وحتى بعض المواد الاستهلاكية لا يزال معقداً ومقيداً.
في الساحة القانونية:
سوريا محرومة من الحصانة السيادية أمام المحاكم الأمريكية. أي شخص أو جهة يمكنها مقاضاة الدولة السورية في أمريكا والمطالبة بتعويضات. وإذا تم شطب سوريا من القائمة يوماً ما، سيكون أمام ضحايا ما يُسمى "الإرهاب السوري" ستة أشهر كاملة لرفع دعاوى قضائية والمطالبة بتعويضات عن أضرار حدثت خلال فترة التصنيف.
الطريق إلى الشطب: خطوتان حاسمتان
القرار ليس بيد الرئيس الأمريكي وحده. العملية معقدة وتتطلب خطوتين:
الخطوة الأولى - وزارة الخارجية:
يجب على وزير الخارجية الأمريكي أن يتخذ قراراً رسمياً بشطب سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب. هذا يتطلب تقييماً سياسياً وأمنياً، وموافقة الإدارة الأمريكية على أن سوريا لم تعد تستوفي معايير التصنيف.
الخطوة الثانية - مكتب الصناعة والأمن (BIS):
بمجرد أن تشطب وزارة الخارجية اسم سوريا، تنتقل الكرة إلى مكتب الصناعة والأمن الذي يجب عليه تحديث لوائح التصدير الأمريكية لتعكس الوضع الجديد. بدون هذا التحديث، لن يتغير شيء على أرض الواقع.
ماذا سيتغير عند الشطب؟
لو نظرنا إلى سابقة السودان، التي شُطبت من قائمة الدول الراعية للإرهاب، يمكننا تصور ما ينتظر سوريا:
التغيير الأول - المجموعة القطرية:
ستُزال سوريا من "المجموعة القطرية E:1"، وهي التصنيف الأكثر تقييداً في لوائح التصدير الأمريكية. هذا التصنيف يضع سوريا في خانة واحدة مع دول يُنظر إليها كتهديدات أمنية.
التغيير الثاني - عتبة المحتوى الأمريكي:
حالياً، أي منتج يحتوي على 10% فقط من مكونات أمريكية يخضع لضوابط التصدير إذا كان متجهاً لسوريا. بعد الشطب، سترتفع هذه النسبة إلى 25%، مما يعني أن عدداً أقل من المنتجات سيخضع للرقابة الأمريكية.
التغيير الثالث - استثناءات الترخيص:
ستصبح سوريا مؤهلة للحصول على استثناءات ترخيص إضافية، مما يسهل على الشركات والمستثمرين استيراد المعدات والتقنيات دون المرور بإجراءات بيروقراطية معقدة.
التغيير الرابع - الضوابط المتعلقة بمكافحة الإرهاب:
ستُزال الضوابط الأشد صرامة المرتبطة بمكافحة الإرهاب، وهي القيود التي تجعل حتى الصفقات التجارية البسيطة معقدة ومحفوفة بالمخاطر القانونية.
الأثر على إعادة الإعمار
حسب تقرير البنك الدولي، سوريا تحتاج إلى أكثر من 216 مليار دولار لإعادة الإعمار. هذا يعني آلاف المشاريع، من بناء الجسور والطرق إلى إعادة تشغيل المصانع والمستشفيات.
كل مشروع يحتاج إلى آلات، معدات، قطع غيار، تقنيات. وطالما سوريا على قائمة الدول الراعية للإرهاب، فإن الحصول على هذه المتطلبات من الولايات المتحدة أو حتى من دول أخرى تستخدم تقنيات أمريكية سيبقى صعباً ومكلفاً.
مطور عقاري يريد استيراد رافعات بناء؟ مستشفى يحتاج أجهزة طبية حديثة؟ مصنع نسيج يريد آلات حديثة؟ كلهم سيصطدمون بجدار القيود المرتبطة بقائمة الإرهاب.
التوقيت: متى يمكن أن يحدث هذا؟
لا أحد يعرف. الأمر الإداري 14312 الذي أصدره الرئيس ترامب يوجّه وزارة الخارجية بـ"مراجعة" تصنيف سوريا، لكن هذا لا يعني الشطب التلقائي.
المراجعة قد تستغرق أشهراً. وحتى لو قررت وزارة الخارجية الشطب، سيحتاج مكتب الصناعة والأمن لوقت إضافي لتحديث اللوائح ونشرها رسمياً.
في أفضل السيناريوهات، قد نشهد شطب سوريا من القائمة خلال النصف الأول من عام 2025. في أسوأها، قد يتأخر الأمر لسنة أو أكثر إذا رأت الإدارة الأمريكية أن الوضع في سوريا لا يزال غير مستقر.
الخلاصة: نصف الطريق فقط
إلغاء قانون قيصر كان خطوة مهمة، لكنها نصف الطريق فقط. الخطوة التالية، والأهم ربما، هي شطب سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب.
بدون هذا الشطب، ستبقى سوريا في منطقة رمادية: مفتوحة نظرياً للاستثمار، لكن مقيدة عملياً في قدرتها على الحصول على ما تحتاجه لإعادة البناء.
المستثمرون ينتظرون. الشركات تراقب. والحكومة الانتقالية عليها أن تثبت للعالم أن سوريا الجديدة تستحق هذه الفرصة الثانية.