المشهد الاقتصادي السوري بعد رفع عقوبات قيصر.. تحديات وفرص

المشهد الاقتصادي السوري بعد رفع عقوبات قيصر.. تحديات وفرص

تقارير وتحقيقات | 21 12 2025

حبيب شحادة

بعد سقوط نظام الأسد وتشكيل حكومة انتقالية في سوريا، جاء قرار إلغاء قانون قيصر الأمريكي ليفتح صفحة جديدة من الآمال الاقتصادية، بعد سنوات من العزلة والعقوبات. ورحّبت الحكومة السورية الانتقالية بهذه الخطوة، معتبرةً إياها بداية محتملة لتعافي الاقتصاد وعودة الاستثمارات والمساعدات الخارجية، وصولًا إلى تحسين مستوى المعيشة.

لكن هذا التفاؤل يصطدم بتحديات عملية معقدة، إذ يتطلب التعافي الاقتصادي آليات تطبيق فعّالة، واستجابة فعلية من المجتمع الدولي والمستثمرين، إضافة إلى قدرة الاقتصاد المحلي على الالتزام بالمعايير الدولية، في ظل بنية تحتية مدمّرة وواقع أمني هش.

في هذا السياق، تحاول هذه المادة الإجابة عن تساؤلات محورية: ماذا بعد رفع عقوبات قيصر؟ ما المطلوب تشريعيًا في ظل غياب سلطة تشريعية فاعلة؟ ما مصير الاستثمارات في بيئة أمنية غير مستقرة؟ وهل سينعكس رفع العقوبات تحسنًا ملموسًا على حياة المواطنين، لا سيما في ما يتعلق بالتحويلات المالية والتعامل مع النظام المالي العالمي؟

يشير تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن تسعة من كل عشرة أشخاص في سوريا يعيشون تحت خط الفقر، فيما يعاني واحد من كل أربعة من البطالة، في وقت تستعد فيه دول غربية وعربية لإعادة ملايين اللاجئين السوريين إلى البلاد، على رأسها ألمانيا والدنمارك.

خلفية قانون قيصر

أُقرّ قانون قيصر في كانون الأول/ ديسمبر 2019، بهدف محاسبة النظام السوري السابق على جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة بحق المدنيين، من خلال فرض عقوبات اقتصادية ومالية واسعة استهدفت أفرادًا ومؤسسات مرتبطة به.

وفي كانون الأول/ ديسمبر الجاري، وقّعت الإدارة الأمريكية قرار الإلغاء الكامل للقانون ضمن قانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2026، بعد إقراره في الكونغرس بأغلبية كبيرة. غير أن هذا الإلغاء لم يكن مطلقًا، إذ أُرفق بآلية رقابية تُلزم الإدارة الأمريكية بتقديم تقارير دورية كل 180 يومًا ولمدة أربع سنوات، لتقييم التزام الحكومة السورية الانتقالية بمعايير محددة.

وتشمل هذه المعايير مكافحة تنظيم الدولة الإسلامية، وإبعاد المقاتلين الأجانب عن المناصب الحكومية، وحماية حقوق الأقليات الدينية والعرقية.وفي حال إخفاق دمشق في الالتزام بهذه المعايير لفترتين متتاليتين، يحق للرئيس الأمريكي فرض عقوبات محددة على أفراد بعينهم، دون إعادة تفعيل قانون قيصر كاملًا.

ويُضاف إلى ذلك استمرار وجود سوريا على قوائم بعض الدول كدولة راعية للإرهاب، ما يفرض قيودًا إضافية على مسار التعافي.

سوريا على قائمة الإرهاب: العقبة المخفية بعد إلغاء قيصر

سوريا على قائمة الإرهاب: العقبة المخفية بعد إلغاء قيصر

آثار اقتصادية متوقعة

خلال سنوات العقوبات، عانى الاقتصاد السوري من عزلة شبه كاملة عن النظام المالي والتجاري العالمي. اليوم، يفتح إلغاء قانون قيصر الباب أمام تحولات قد تمس حياة المواطن اليومية، من أسعار السلع في الأسواق إلى إمكانية تحويل الأموال من الخارج.

"لن يستعيد الاقتصاد السوري مستواه قبل الصراع من الناتج المحلي الإجمالي قبل عام 2080"

لكن تقريرًا أمميًا صدر في شباط/فبراير الماضي قدّم صورة صادمة عن عمق الأزمة، إذ أكد أنه وفق معدلات النمو الحالية، لن يستعيد الاقتصاد السوري مستواه من الناتج المحلي الإجمالي قبل الصراع إلا بحلول عام 2080.

ويشير التقرير إلى أن تسريع التعافي إلى عشر سنوات يتطلب رفع معدلات النمو السنوي إلى ستة أضعاف، فيما يحتاج الوصول إلى مستوى الاقتصاد المفترض في حال عدم اندلاع الصراع إلى نمو يفوق المعدلات الحالية بعشرة أضعاف على مدى 15 عامًا.موضحاً أنه لابد أن يرتفع النمو الاقتصادي السنوي 6 أضعاف لتقصير فترة التعافي إلى 10 سنوات، وسوف تكون هناك حاجة إلى ارتفاع طموح بمقدار 10 أضعاف على مدى 15 عاما لإعادة الاقتصاد إلى ما كان ينبغي أن يصبح عليه لولا الصراع.

من الطرق الملتوية إلى التجارة المباشرة

بعد سنوات من لجوء التجار إلى طرق التفاف مكلفة ومحفوفة بالمخاطر، يؤكد الخبير المصرفي علي محمد أن رفع العقوبات سيسمح للشركات والدول بالتعامل المباشر مع سوريا، ما يخفّض تكاليف النقل ويزيد من مرونة السوق المحلية.

وفي حديثه لـ"روزنة"، يتوقع محمد أن تنخفض تكاليف النقل والشحن، التي تصل حاليًا إلى نحو 30% من قيمة البضائع، الأمر الذي سينعكس سلعًا أقل كلفة على المستهلك السوري. كما يشير إلى أن مذكرات التفاهم المجمّدة منذ سنوات في قطاعات حيوية، مثل الكهرباء والطاقة والنفط والغاز، والتي تقدّر قيمتها بنحو 28 مليار دولار، باتت اليوم أقرب إلى التحول من أوراق معلّقة إلى اتفاقيات تنفيذية.

ويضيف: "المستثمرون كانوا يخشون العقوبات الثانوية. اليوم، هذا الخوف تراجع"، مرجّحًا دخول مستثمرين جدد إلى السوق السورية.

بدوره، أوضح الخبير الاقتصادي كرم الشعار في دراسة بحثية أن مراجعة 40 مذكرة تفاهم أظهرت أن قيمتها المعلنة تبلغ نحو 25.9 مليار دولار، وهو رقم قريب من تقديرات رسمية سابقة، مع الإشارة إلى أن الفارق يعود إلى عدم الكشف عن قيمة بعض المذكرات.

عودة إلى النظام المالي العالمي

من أبرز التحولات المتوقعة أيضًا عودة المصارف السورية تدريجيًا إلى نظام "سويفت" للتحويلات المالية الدولية. فطوال سنوات العقوبات، اضطر السوريون في الخارج إلى إرسال الأموال عبر قنوات غير رسمية، عالية المخاطر ومرتفعة التكاليف.

اليوم، يفتح رفع العقوبات الباب أمام تحويلات قانونية أكثر أمانًا، إلا أن الخبير محمد يحذّر من الإفراط في التفاؤل، مؤكدًا أن النتائج لن تكون فورية، وأن الأثر الحقيقي على معيشة المواطنين سيبقى مرتبطًا بوتيرة تنفيذ المشاريع والاستثمارات خلال عام 2025.

التحديات: عقبات في طريق التعافي

رغم اتساع نافذة الفرص، يبقى الطريق إلى التعافي محفوفًا بعقبات كبرى، تتراوح بين فراغ تشريعي وبنية تحتية مدمّرة، وصولًا إلى تحديات السياسة النقدية واستقرار العملة.

يقدّر الخبير المصرفي علي محمد أن إعداد البيئة التشريعية الملائمة يتطلب ما لا يقل عن ستة أشهر، في وقت تواجه فيه الحكومة الانتقالية مهمة مزدوجة: تحديث القوانين بما يتوافق مع المعايير الدولية، ووضع سياسة نقدية قادرة على حماية الليرة السورية.

أما الخبير الاقتصادي والعقاري عمار يوسف، فيرى أن التحدي لا يقتصر على سنّ قوانين جديدة، بل يتعداه إلى تفكيك إرث النظام السابق. ويقول لـ"روزنة": "القوانين القديمة صُممت لخدمة فئة محدودة، لا لبناء اقتصاد حقيقي".

ويضيف: "نحن أمام فراغ تشريعي واضح. لا توجد خريطة استثمارية، ولا آليات فعالة لمكافحة الفساد، ولا ضمانات كافية للشفافية. المستثمر يحتاج إلى أجوبة واضحة حول حماية أمواله وحقوقه القانونية".

حتى مع رفع العقوبات وتحديث التشريعات، يبقى الوضع الأمني عنصرًا حاسمًا في قرار أي مستثمر. فغياب سلطة موحدة على كامل الجغرافيا السورية، واستمرار الهشاشة الأمنية، يقللان من جاذبية البلاد للاستثمارات طويلة الأمد.

ويحذر يوسف من خطر إضافي يتمثل في تدفق المستوردات الرخيصة، التي قد تقضي على ما تبقى من الإنتاج المحلي. فالمصانع السورية توقفت لسنوات، وعمالها هاجروا، وآلاتها تضررت، ما يطرح تساؤلات جدية حول قدرتها على المنافسة أمام منتجات دول مثل تركيا أو الصين.

الإطار الزمني الحرج

الستة أشهر القادمة ستحدد ما إذا كانت سوريا قادرة على تحويل الفرصة إلى واقع. أي تأخير قد يعني خسارة المستثمرين لصبرهم، وتلاشي الزخم الدولي.

أرقام التقارير الدولية صادمة: أكثر من 216 مليار دولار. هذا ما تحتاجه سوريا لإعادة بناء ما دمرته الحرب، وفقاً لتقديرات البنك الدولي. لكن من أين ستأتي هذه الأموال؟

إيهاب اسمندر، الباحث الاقتصادي والمدير السابق لهيئة تنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة في مصر، يقول: "التعافي الاقتصادي ليس مجرد رفع عقوبات. نحن نتحدث عن إصلاحات هيكلية عميقة، عن بنية تحتية حديثة، عن إعادة بناء دولة بأكملها".

لكن اسمندر يحذر من خطأ استراتيجي قد تقع فيه سوريا: "الجميع يتحدث عن المشاريع الكبرى والاستثمارات الضخمة. لكن المشاريع الصغيرة والمتناهية الصغر تشكل 80% من الاقتصاد السوري".

ويضيف في حديثه لـ"روزنة": "هذه المشاريع هي الأقدر على خلق فرص عمل سريعة وتحسين معيشة المواطنين بشكل مباشر. إذا تجاهلناها، سنكون بنينا قصوراً على رمال متحركة".

العقوبات الأميركية على سوريا… القصة من البداية

العقوبات الأميركية على سوريا… القصة من البداية

ماذا عن الوضع الأمني؟

يمكن إلغاء كل العقوبات، ووضع أفضل القوانين، وتوفير كل التسهيلات، لكن يبقى السؤال المحوري: هل سيأتي المستثمرون إلى بلد لا تزال فيه السلطة مجزأة جغرافياً والوضع الأمني هشاً؟

"هذا هو السؤال الأعقد الذي لا أحد يريد الحديث عنه"، يقول عمار يوسف بصراحة. غياب سلطة واحدة تحكم كامل الجغرافيا السورية يعني غياب الضمانات الأمنية والقانونية التي يطلبها أي مستثمر عاقل قبل ضخ أمواله في بلد خارج من حرب طويلة.

ويحذر يوسف من تحدٍ إضافي: "حتى لو جاءت الاستثمارات، هناك خطر حقيقي من طوفان المستوردات الرخيصة التي ستقضي على ما تبقى من الإنتاج المحلي. المصانع السورية توقفت لسنوات، وعمالها هاجروا، وآلاتها صدئت. كيف ستنافس منتجات تركيا أو الصين؟"

محاولات البنك المركزي

وسط كل هذه التحديات، يحاول مصرف سوريا المركزي بث رسائل طمأنة. عبد القادر الحصرية، حاكم المصرف، وصف إلغاء العقوبات بأنه "محطة مفصلية" في طريق تعافي الاقتصاد، مؤكداً في تصريح لوكالة "سانا" أن الخطوة ستنعكس إيجاباً على الاستقرار النقدي.

"سنتخذ جميع الإجراءات الكفيلة باستثمار هذه الفرصة"، يقول الحصرية، مشيراً إلى ثلاثة محاور رئيسية: توسيع حركة التحويلات المالية، وزيادة انسيابية التجارة، واستعادة جزء مهم من الثقة بالقطاع المصرفي السوري.

لكن السؤال يبقى: هل الإجراءات والنوايا الحسنة كافية أمام حجم التحديات؟

نافذة فرص ضيقة وتحديات واسعة

باتت سوريا اليوم أمام مفترق طرق حاسم. إلغاء قانون قيصر فتح الباب، لكن الدخول من هذا الباب يتطلب أكثر بكثير من مجرد قرار سياسي.

الحكومة الانتقالية تتحدث عن فرص واعدة. الخبراء الذين قابلناهم يردون: الفرص موجودة، لكنها مشروطة بعمل سريع ومنظم على جبهات متعددة:

ما يجب أن يحدث في الستة أشهر القادمة:

بناء بيئة تشريعية واستثمارية حديثة تواكب المعايير الدولية

تحقيق الاستقرار الأمني وتوحيد السيطرة الجغرافية

إصلاح القطاع المصرفي واستعادة ثقة المواطنين والمستثمرين

وضع خطة واقعية لإعادة بناء البنية التحتية بأكثر من 216 مليار دولار

محاربة الفساد وضمان الشفافية في كل المعاملات

حماية الإنتاج المحلي من طوفان المستوردات

رفع جميع العقوبات

المعادلة بسيطة ومعقدة في آن: الفرصة متاحة، لكن استثمارها يتطلب عملاً شاقاً وإرادة سياسية قوية وتعاوناً دولياً فعّالاً. الوقت ليس في صالح سوريا. كل شهر يمر دون إنجازات ملموسة يعني خسارة جزء من الزخم الدولي وتلاشي أمل المستثمرين.

السؤال الذي سيحدد مستقبل سوريا الاقتصادي: هل ستتمكن الحكومة الانتقالية من تحويل هذه النافذة الضيقة من الفرص إلى نقطة انطلاق حقيقية؟ أم ستكون محطة أخرى في سلسلة طويلة من الآمال المؤجلة؟ إضافة إلى الدور السياسي اللازم لاستكمال مسار رفع كامل العقوبات عن سوريا.

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض