طلقة واحدة… وحياة كاملة تُطفأ: فوضى السلاح تلاحق السوريين في زمن التغيير

طلقة واحدة… وحياة كاملة تُطفأ: فوضى السلاح تلاحق السوريين في زمن التغيير

تقارير وتحقيقات | 7 12 2025

بتول الشيخ - جلنار العلي

لم يمنح سقوطُ الأسد السوريين فرصة لالتقاط أنفاسهم. فبينما استعدّت البلاد ليومٍ يشبه الخلاص، خرج الرصاص ليحتل المشهد من جديد… كأن الموت كان ينتظر أول لحظة فرح ليعود ويفرض حضوره، بلا مقدمات ولا مبرراتذن والخوف ان يتكرر المشهد مع الاحتفال بذكرى فرار بشار الأسد من البلاد الأولى ليلة الثامن من كانون الأول 2024.

في ذلك الصباح الذي تجرّأ كثيرون على تسميته "فجر الحياة"، لم تصمد الفكرة طويلًا. ففي درعا، سقطت طفلة — لم تتجاوز سنواتها القليلة — بضربة رصاص طائش، رصاصة قيل إنها "احتفال". اسمها هناء رياض الناصر، آخر ضحايا لحظةٍ كان يُفترض أن تكون بدايةً جديدة.

أمّها تقول لـ"روزنة": "حمّمتها… لبّستها… وقفت تطلّ من الشرفة تستقبل عمّها، اللي كنا ننتظر خروجه من صيدنايا… وما قدرت تكمّل. رصاصة… وانتهت."

هذه ليست قصة عائلة واحدة، ولا حادثة عابرة في مدينة تحتفل أو تتشاجر أو تتنفّس التغيير. هذه البلاد — من دمشق إلى حمص إلى الرقة — تعيش اليوم تحت تهديد موتٍ مجانيّ يتجوّل في الهواء بلا رقيب… موتٌ لا يحتاج سوى لطلقةٍ واحدة، أو لنزوة شاب، أو لفرحٍ عابر يتحوّل إلى عزاء.

هذه الحكاية، بكل بساطتها وقسوتها، ليست حدثًا معزولًا. إنها المثال الأكثر عريًا عمّا يحدث حين يتجوّل السلاح في البلاد.

خمسون مصاب خلال ساعات

فالمشهد الذي شهدته درعا تكرّر، في اليوم ذاته، داخل أقسام الإسعاف بدمشق، حيث يصف الدكتور عبد الرحمن حمادية من قسم الإسعاف في مشفى المواساة الجامعي لـ"روزنة" استقبال المشفى لأكبر عدد من إصابات الرصاص الطائش منذ تأسيسه: خمسون مصابًا خلال ساعات، سبعة منهم فقدوا حياتهم، بينهم أطفال ورضّع، وأكثر من ثلاثين عملية جراحية في نهارٍ واحد.

مشهدٌ طبيّ يتقاطع تمامًا مع قصة هناء: لحظة فرح تتحوّل إلى غرفة عمليات… أو إلى نعش.

ويضيف حمادية أن الإصابات الناجمة عن الرصاص العشوائي قد تكون مباشرة أو نتيجة سقوط الطلقة، ويُعدّ النوع الثاني أقل خطورة غالبًا، لكن "النسبة القاتلة لإصابات البطن تصل من 15 ل 20 بالمئة، أما إصابات الدماغ والصدر فنسب الوفاة فيها أعلى بكثير". ويشير إلى أن جزءًا من هذه الإصابات يُنقذ بإجراءات طبية عاجلة، لكن كثيرًا منها يخلّف عاهات دائمة: شلل، فقدان حركة، فقدان رؤية… مصائر تُشبه مصير هناء بطريقة أو بأخرى.

لكن الرصاص العشوائي لا يتحرك فقط تحت ستار الاحتفال. ففي السادس والعشرين من تموز، خرجت الطفلة نايا محمود العطّار لشراء معجناتٍ تشتهيها… اشتعل خلافٌ بين شبّان في حارة الدحاديل بدمشق، طلقة واحدة اخترقت بطن نايا، وأطفأت حياتها في ثوانٍ. مشهدٌ آخر، يضاف بلا توقف إلى سلسلة موتٍ مجانيّ لم يعد السوريون قادرين على عدّ حلقاته.

الدكتور حمادية يفسّر هذا الاتساع اليومي للإصابات: طلقاتٌ في الأفراح، في الشجارات، عند صدور نتائج الامتحانات، وحتى في مباريات كرة القدم. "مشكلة مجتمعية" كما يقول، تُحوِّل الاحتفال في بيت إلى عزاء في بيتٍ آخر. وبحسبه، فإن إصابات الطلق العشوائي في سوريا "مرتفعة جدًا مقارنة ببلدان أخرى".

وتكشف الأرقام القادمة من مشافٍ أخرى عمق الظاهرة. ففي حمص، استقبل مشفى الوليد 341 إصابة بطلق ناري منذ بداية العام حتى نهاية تشرين الأول؛ بمعدل 34 إصابة شهريًا. وفي تقرير للمرصد السوري لحقوق الإنسان، جرى توثيق مقتل 236 شخصًا بالرصاص الطائش خلال شهر نوفمبر، بينهم 84 طفلًا و20 امرأة. وكانت مناطق الحكومة الانتقالية الأعلى في عدد الوفيات: 160 ضحية، إضافة إلى 127 إصابة متفاوتة.

هذه الظاهرة تبلغ ذروتها في اللحظات المفصلية. يوم توقيع الاتفاقية بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، سجّل مشفى منبج 5 وفيات و27 إصابة. وفي الرقة، أكثر من 13 إصابة في اليوم نفسه. ومع صدور نتائج الثانوية، سقط قتلى في درعا ودير الزور، وأصيبت طفلة في الرقة.

ضبط الظاهرة مسؤولية من؟

على المستوى القانوني، يقدّم الناشط زيد العظم تفسيرًا لجذور هذه الفوضى. فانتشار السلاح المنفلت يعود ـ كما يقول لـ"روزنة" ـ إلى أكثر من عقد، حين تمدّدت الفصائل والمليشيات العابر للحدود، وتدفّق المقاتلون الأجانب، ما خلق بيئةً خصبة للسلاح خارج أي سلطة حاكمة.

ويرى العظم أن سلطة دمشق الحالية غير قادرة على ضبطه: "فالجيش الجديد والأمن العام ما زالا في مراحل التشكّل الأولى، ولم يكتسب بعد القدرات المهنية أو اللوجستية للسيطرة". ويضيف: "بعض القادة المندمجين شكليًا ضمن الجيش متورّطون أصلًا بالاتجار بالسلاح، ما يعمّق الأزمة".

ولمواجهة هذه الفوضى، يشدد العظم على ضرورة إنشاء صندوق وطني لتعويض المصابين وضمان حقوقهم، باعتبار السلطة القائمة مسؤولة أمام الناس في هذه المرحلة الانتقالية.أما الحل الجذري، فيبدأ بتشكيل جيش وطني حقيقي "يمثل السوريين جميعًا، ويمنحهم الثقة بأنه حارس السلم الأهلي". عندها فقط، كما يقول، تستعيد الدولة تدريجيًا سلطتها، وتبدأ لجان متخصصة بنزع السلاح وضبطه.

لا يختلف السوريون اليوم على شيء كما يختلفون على شكل المستقبل، لكنهم يتفقون على حقيقة واحدة: أن الموت لم يعد يأتي من الجبهات، بل من السماء… من رصاصة لا تعرف وجهتها، ولا تسأل عن عمر من تصيبه، ولا تنتظر سببًا لتخترق حياة كاملة.

في بلادٍ أنهكتها الحروب والانقسامات، يبدو الرصاص العشوائي كأنه آخر ما تبقّى من الفوضى، وأكثرها قسوة. طلقاتٌ تُطلق في الفرح، في الغضب، في الفراغ… لكنها لا تصل إلا إلى قلوب العائلات التي تُطفأ بيوتها فجأة، وتتحوّل لحظاتها العادية إلى جنازات صغيرة.

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض