تقارير وتحقيقات | 3 12 2025
حبيب شحادة
في حي شعبي يجمع وليد، الرجل الخمسيني من سكان قطنا بريف العاصمة، ما تبقى من أغصان الشجر في بستانه الصغير، محاولاً تأمين بعض الدفء لعائلته. "ما جمعته لا يكفي لعشرة أيام"، يقول، مضيفاً أن سعر كيلو الحطب وصل إلى 3500 ليرة سورية، وهو خارج قدرته الشرائية تماماً.
مثل وليد، يواجه ملايين السوريين صعوبة كبيرة في تأمين وسائل التدفئة لهذا الشتاء، رغم خفض أسعار المحروقات، بما فيها مادة المازوت. فالأثر العملي للتخفيض يبقى محدوداً أمام واقع اقتصادي قاتم، حيث يعيش أكثر من 90% من السوريين تحت خط الفقر وفق تقديرات أممية.
يواجه السوريون في كل عام شتاءً بلا تدفئة، إذ يشكل تأمين ثمن التدفئة عبء يضاف إلى أعباء أخرى من قبيل تأمين الدواء والغذاء وغيرها من مستلزمات الحياة.
ويأتي شتاء 2025 مع مرور ما يقارب العام على سقوط النظام السوري السابق، وإلغاء وزارة الطاقة الدعم عن أسعار المحروقات المتوفرة في السوق، لكنها في المقابل ليست في متناول السكان الذين يعيش أغلبهم وفق متوسط دخل شهري لا يتجاوز الـ 100 دولار أمريكي.
المازوت خارج الخيارات
تختصر حال وليد الرجل الخمسيني مأساة آلاف العائلات السورية، إذ فضّل البحث عن بدائل أخرى ومنها الحطب الذي يجمعه من الشجر المتبقي في بستان يملكه حيث يقطن، "ما جمعته لا يكفي لعشرة أيام"، قال الرجل لـ "روزنة"، موضحاً أن سعر كيلو الحطب يبلغ 3500 ليرة سورية، وهو غير قادر على شرائه أيضاً.
وكذلك الأمر بالنسبة إلى صباح وهي سيدة تعيش بمفردها في حي باب سريجة الدمشقي. تقول لـ "روزنة" "كنت ادفى على الكهرباء رغم قلتها في الشتاء الفائت"، موضحةً أنها هذا العام لن تجرأ على تشغيل مدفأة الكهرباء بعد رفع وزارة الطاقة أسعارها بنسبة كبيرة جداً.
الحطب: ثمنه مرتفع
أما سامر وهو من سكان ريف اللاذقية فقرر الاعتماد على الكهرباء والمازوت والحطب. ويقول: "آمنت بعض الحطب واشتريت قسم آخر"، إضافةً إلى محاولته شراء مادة المازوت باللتر أو اللترين لتشغيل مدفأة الكهرباء في حال عدم توفر الكهرباء وانقطاعه من الحطب.
وتتراوح أسعار الحطب في مختلف الأرياف السورية بين 2500 ليرة و 3500 ليرة للكيلو الواحد.
تكاليف مرتفعة للدفء
يقول بشار وهو من سكان ريف اللاذقية ويعمل في تجارة الحطب: إن سعر طن الحطب يبلغ 3.5 مليون ليرة للنوع الجيد، على أن هناك أنواع تُباع بـ 2.5 مليون ليرة لكنه سيء الاشتعال.
ويوضح في حديثه لـ "روزنة" أن العائلة تحتاج ما يقارب الثلاث أطنان من الحطب للتدفئة في الشتاء على أقل تقدير، ما يعني أن تكلفة التدفئة على الحطب تكلف الأسرة أكثر من 10 مليون ليرة سورية خلال فصل الشتاء.
بينما في حال قررت الأسر التدفئة على المازوت، فهي تحتاج يومياً حوالي 5 لتر من المادة، وشهرياً مليون ونصف المليون ليرة سورية، وفق رصد "روزنة" لتكاليف المادة وحاجة الأسرة منها للحصول على التدفئة المناسبة.
راتب الموظف: 5 جالونات مازوت
تعليقاً على ذلك يوضح الخبير الاقتصادي عمار يوسف بأن التدفئة بمختلف بدائلها تشكل عبئاً كبيراً على الأسر حتى بعد تخفيض أسعار المحروقات بسبب انخفاض الدخل وسوء المستوى المعيشي.
ويقول في حديثه لـ "روزنة": إن توفير المادة يعد مهماً ويسهل على المواطن الحصول عليها"، لكن هناك معضلة أخرى، وفق يوسف، وهي أن تكلفة شراء 20 لتر من المازوت تبلغ 200 ألف ليرة سورية، وهذا المبلغ مرتفع مقارنة بدخل الموظف السوري الذي يشتري حالياً 5 جالونات من المازوت لا تكفيه لشهر واحد.
وبحسب يوسف، يحتاج المواطن خلال موسم الشتاء إلى ما لا يقل عن ألف لتر سعرها 10 مليون ليرة سورية، وفي المناطق غير الباردة كثيراً تحتاج الأسرة إلى 700 لتر، ما يعني أن التدفئة على المازوت ليست في متناول السوريين، كما قال الخبير الاقتصادي.
إلى ذلك، هناك خيارات بديلة للتدفئة سواء على الغاز أو مدافئ الكاز التي عادت للانتشار في الأسواق السورية، وهي رخيصة مقارنة بغيرها من الخيارات الأخرى المرتفعة الثمن.
وهذا الواقع الصعب للأسر السورية يعكس مدى عمق أزمة التدفئة للشتاء الحالي في ظل تآكل القدرة الشرائية للسوريين نتيجة تقلبات سعر صرف الليرة أمام الدولار الأمريكي وعدم ثبات سعر المازوت الذي يخضع لتقلبات سعر الصرف وكذلك الحطب وغيرهما من وسائل التدفئة.
ويبقى المشترك الوحيد بين السوريين لشتاء 2025 هو عدم قدرتهم على استخدام الكهرباء للتدفئة نتيجة ارتفاع سعرها بما يفوق قدرتهم على التحمل.

