تقارير وتحقيقات | 1 12 2025
جلنار العلي
بعد مرور ما يقارب عاماً على سقوط نظام الأسد في الثامن من كانون الأول / ديسمبر 2024، تكشف الشهادات المتقاطعة للنساء حقيقة مرّة، وهي أن الحريات الشخصية والسياسية للنساء لم تتقدم كما وُعِدن، بل تراجعت تحت أشكال جديدة من السيطرة.
انتقل القمع من يد الأجهزة الأمنية إلى يد المجتمع والعناصر المسيطرة على الفضاء العام. وبينما يحتفي الخطاب الرسمي بمرحلة انتقالية منفتحة، تواجه النساء على أرض الواقع وصاية متجددة، وتشهيراً ممنهجاً، وتهديدات متواصلة، وتقييداً صارماً لحرياتهن في التعبير والتنقل والعلاقات الاجتماعية.
هذا التناقض الصارخ بين ما يُقال وما يُمارس يدفعنا لإعادة طرح سؤال جوهري: هل التغيير الذي شهدته سوريا طال فعلاً بنية السلطة وحدود حريات النساء، أم بقي حبيساً للخطابات السياسية الفارغة؟
من الجامعة إلى الشارع: حين يصبح الوجود جريمة
لاتوجد قواعد واضحة أو رسمية تحدد شكل الضوابط التي على النساء أن تتبعها، كما في إيران بخصوص الحجاب، أو في دول أخرى، لكن هناك مساقات فردية يتساؤل السوريون والسوريات عن ارتباطها برؤية الدولة؟.
"ليان" (اسم مستعار) طالبة في جامعة دمشق، تختصر تجربتها بجملة بسيطة ومرعبة في آن: "كنت أجلس مع صديقي أمام الكلية، فجاء شخصان من الأمن الجامعي وأخبرانا أن هذا 'لا يجوز'".
لم يكن الأمر مجرد تنبيه عابر. بل تهديد صريح بتحويل صديقها إلى فرع أمني، واستدعاءهما إلى مكتب الأمن، وادّعاء وجود "قانون" يمنع جلوس طالب وطالبة بمفردهما داخل الحرم الجامعي. رغم أنهما أكدا أنهما طلاب، ورغم أن جدول المحاضرات لم ينته، لم يتغير شيء. القرار كان واضحاً: وجودكما معاً "مخالفة".
هذه القصة ليست استثناءً. سوسن زكزك، الناشطة النسوية، تؤكد في حديثها لـ"روزنة" أن الممارسات على الأرض تفرض قيوداً واسعة على النساء، رغم عدم صدور أي قرار رسمي يمنع الاختلاط. التقييدات تُفرض بحسب "طبائع المتحكمين في الشارع"، وتختلف حدتها من منطقة لأخرى.
وتشير زكزك إلى حوادث صادمة: الناشط عبد الرحمن كحيلة كان برفقة خطيبته في سيارته الخاصة بمحافظة حمص، عندما طلب منهما أحد العناصر وثيقة تثبت علاقتهما — دون أي سند قانوني. حالات مماثلة تتكرر: مجموعات من الشبان والفتيات يُطلب منهم تقديم أوراق تثبت علاقاتهم.
الأخطر من ذلك؟ الحكومة لم تتخذ أي إجراء لمحاسبة مرتكبي هذه الانتهاكات. ما يعني، بحسب زكزك، وجود رضا ضمني عن تقييد حريات النساء وعلاقاتهن الاجتماعية.
وشهدت الشوارع السورية بعض الملصفات التي تدعوا النساء إلى ارتداء الحجاب والتقيد بلباس قالوا أنه شرعي.
الفضاء الرقمي: ساحة جديدة لحروب معنوية قديمة
إذا كان الشارع يخنق أنفاس النساء، فإن الفضاء الرقمي لا يقل قسوة. بتول الشيخ، الكاتبة السورية، تروي كيف تحوّلت آمالها بعد سقوط النظام إلى خيبة مريرة.
قبل الثامن من كانون الأول / ديسمبر 2024، كانت تمتنع عن الحديث عن رأيها السياسي وحياتها الشخصية، خوفاً من أجهزة المخابرات. مع سقوط النظام السوري، أملت أن يرتفع سقف الحريات. لكن الأمل لم يدم طويلاً.
بدأت بتول بمشاركة آرائها على فيسبوك، خاصة حول مجازر الساحل في آدار / مارس الماضي. سرعان ما وجدت نفسها ضحية لحملة تشهير. الأسوأ جاء عندما انتقدت منشوراً مسيئاً للنساء اللواتي لجأن إلى قاعدة حميميم هرباً من العنف، فانهالت عليها شتائم تحمل طابعاً جنسية واستهداف على أساس الجندر، وإشاعات، وتهديدات مرتبطة بعائلتها.
بعدها كانت الحملة الثانية، وكانت الأعنف — بسبب انتقادها لحملة "منا وفينا" للمساهمة في اعمار مدينة السويداء بعد الأحداث الدامية التي شهدتها المدينة، وهنا كان قرار بتول الانكفاء والصمت.
كا ما حصل يدفعنا إلى الخلاصة المرّة، "التضييق الذي كان يُفرض قبل سقوط النظام من قبل الأجهزة الأمنية، انتقل اليوم إلى المجتمع والذباب الإلكتروني وحملات الاغتيال المعنوي لأي رأي مختلف، حتى لو لم يكن ضد الحكومة".
وترى بتول أن هذا العنف يستهدف النساء بشكل خاص عبر طبقات متعددة: الطبقة السياسية، ثم الذكورية، ثم طبقة الشرف والسمعة.
العنف الرقمي لم يعد مجرد ظاهرة سياسية. أصبح أداة رئيسية لإعادة رسم حدود حريات النساء وإسكات أصواتهن، حتى بعد سقوط النظام.
لم تتخد بتول أي اجراء قانوني ضد المعتدين عليها، لاأها لا ترى فيه جدوى.
تمثيل شكلي وفرص معدومة: النساء خارج صنع القرار
قصة "ليان" في الجامعة ليست منفصلة عن الصورة الأكبر. إنها انعكاس لواقع ممنهج: تهميش النساء داخل المؤسسات الرسمية ومراكز اتخاذ القرار.
براء صليبي، عضو شبكة المرأة السورية، تكشف الأرقام الصادمة في حديثها لـ"روزنة": أن مشاركة النساء في المؤسسات الانتقالية لا تتجاوز 7–10%، وفي التشكيلة الوزارية هناك وزيرة واحدة فقط من أصل 23 وزيراً، مع غياب 67% من النساء في مؤتمر الحوار الوطني، ويكاد التواجد النسائي في لجان العدالة الانتقالية والمفقودين أن يكون محدود للغاية، بينما لجنة السلم الأهلي بلا أي عضوة.
بحسب صليبي، هذا التمثيل شكلي إعلامي، ولا يعكس تمكيناً حقيقياً. بينما يكمن الخطر في غياب أي برامج أو سياسات رسمية لدعم النساء في الاقتصاد والسياسة، ما يجعل أي تقدم هشاً وقابلاً للانهيار.
التغيير في الوجوه، القمع في الجوهر
براء صليبي تختصر الواقع بجملة واحدة: "التعبير عن الرأي محاط بالمخاطر، والنساء المقيمات خارج سوريا أكثر قدرة على ممارسة حرياتهن.. حريات النساء في الداخل لم تتغير بعد سقوط النظام. تغيّر الأشخاص، لكن بقيت العقلية نفسها".
سوسن زكزك تؤكد: "القيود الاجتماعية والسياسية تتداخل مع قيود المؤسسات، وتضع النساء تحت ضغط يومي مستمر".
السؤال الذي يفرض نفسه: هل سقط النظام فعلاً، أم سقط رأسه فقط؟ هل تحررت سوريا، أم أن القيود انتقلت من المخابرات إلى الشارع، ومن الفروع الأمنية إلى لوحات المفاتيح؟ وأين النساء السوريات في كل هذا؟ ما زلن يدفعن الثمن. ما زلن يواجهن الوصاية. ما زلن يُمنعن من الكلام، والجلوس، والوجود.