نقل وظيفي عبر "واتساب": مئات الموظفين من المرافئ البحرية إلى المعابر الحدودية

نقل وظيفي عبر

تحقيقات | 3 12 2025

أدم علي

في صباح الجمعة 28 نوفمبر 2025—يوم عطلة رسمية في سوريا—استيقظ نحو مئة موظف في مرفأي اللاذقية وطرطوس على رسائل واتساب تُغيّر مسار حياتهم بجملة واحدة:

"السلام عليكم، بناءً على مقتضيات المصلحة العامة، تم نقل مكان عملك إلى معبر البوكمال ابتداءً من يوم الأحد الموافق 30-11-2025. يرجى الالتحاق بمكان العمل يوم الأحد. ملاحظة: هذا الرقم مخصص للإبلاغ فقط وغير مخصص للرد."

لا كتاب رسمي. لا قرار مطبوع. لا إمكانية للرد أو الاستفسار. فقط رسالة نصية تُنهي عقوداً من الخدمة في مدينتهم، وتُجبرهم على الانتقال مئات الكيلومترات إلى معابر حدودية نائية—البوكمال، الحمّام، الراعي، جنديرس—بعد 48 ساعة فقط.

لم تكن رسائل الواتساب بداية القصة، بل ذروتها. فمنذ منتصف شباط/فبراير 2025، والموظفون يخوضون معركة للبقاء في وظائفهم.

الفصل التعسفي: "إجازات" بلا أوراق رسمية

في شباط 2025، نظّمت تنسيقيات الحراك العمالي تظاهرة احتجاجاً على قرارات الفصل التعسفي والإجازات القسرية التي طالت مئات العمال—بعضهم مثبّت منذ أكثر من 20 عاماً، وآخرون بعقود سنوية—دون أي أوراق رسمية تُثبت "الإجازة".

في تموز 2025، تصاعدت الأزمة: 40 موظفاً من أصل 73 في دائرة الإرشاد البحري التابعة لمديرية الاستثمار في مرفأ اللاذقية مُنعوا من دخول المرفأ بقرار رسمي، وطُلب منهم تسليم بطاقاتهم الوظيفية. القرار؟ صادر عن مدير الاستثمار الجديد محمد الطرابلسي، دون توضيح أو تبرير.

قرار العودة: وهم قصير الأجل

في 27 آب/أغسطس 2025، أصدرت الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية قراراً بـإنهاء الإجازات المأجورة وإعادة الموظفين إلى العمل اعتباراً من 1 أيلول/سبتمبر. بدا الأمر وكأنه انتصار للعمال.

لكن عند محاولة العودة، مُنع الموظفون من الدخول. الحجة؟ "القرار لم يصل بالبريد بعد."

لاحقاً، سُمح لهم بالعودة—بشرط واحد: التوقيع على تعهد يُتيح نقلهم إلى أي محافظة أخرى في أي وقت. وقّع المئات تحت ضغط الحاجة للعمل والخوف من فقدان مصدر رزقهم.

كان ذلك التعهد بمثابة ورقة بيضاء موقّعة، تُستخدم لاحقاً لتبرير ما لا يُبرّر.

التوقيت: ثلاثة أيام بعد التظاهرات

جاءت رسائل النقل بعد ثلاثة أيام فقط من أكبر موجة تظاهرات شهدها الساحل السوري بعد سقوط الأسد في 25 تشرين الثاني /نوفمبر 2025.

تقارير تحدثت عن مراجعة جهاز الأمن العام لكاميرات المراقبة ودفاتر الدوام لمعرفة أسماء الموظفين الغائبين يوم المظاهرات. وبحسب الباحث الاقتصادي السياسي علي عيسى، فإن حوالي 88% من المنقولين قسراً ينتمون إلى الطائفة العلوية، لكن ليس الجميع—بين الأسماء 12 إلى 14 اسماً من الطائفة السنية.

هل هو انتقام سياسي مُقنّع بإجراءات إدارية؟ السؤال يُطرح بإلحاح، خاصة أن القرارات جاءت سريعة، جماعية، وعبر رسائل واتساب—وسيلة غير رسمية لا تُستخدم في القرارات الإدارية الجادة.

تقول الناشطة هنادي زحلوط المنحدرة من الطائفة العلوية إن اثنين من عائلتها تلقيا قرار النقل إلى البوكمال عبر رسالة نصية. تُذكّرها الحادثة بوالدها الذي أُخبرته مؤسسة التأمينات الاجتماعية في عهد الأسد أن "ملفه ضاع"، ليخرج من الوظيفة دون راتب تقاعدي. التاريخ يُعيد نفسه، لكن بأدوات رقمية.

شهادات الموظفين: خبرات عقود تُستبدل برسالة واتساب

تمام (اسم مستعار)، مهندس في النقل البحري، لديه 25 عاماً من الخدمة في مرفأ اللاذقية. عمل 10 سنوات مع الشركة الفرنسية العملاقة CMA CGM كمدير عمليات.

يقول لروزنة: "بعد سقوط الأسد وقدوم الإدارة الجديدة، قدّمنا ما لدينا من مشاريع لتطوير العمل وتحسين الأداء. وضعنا تحت تصرفهم ما لدينا من خبرات... لكن التعاطي معنا كان سيئاً..قدّمنا خبراتنا... فعاملونا بسوء"

خضع تمام ومئات زملائه لـمقابلات أجراها أشخاص لا يملكون أي خبرة أو معرفة في العمل المرفئي. ثم جاء قرار الفصل. ثم العودة بتعهد. ثم النقل عبر واتساب.

"نعم، هناك عمالة زائدة في المرفأ، هذا معروف،" يعترف تمام، "لكن الحل ليس بفصل الجميع، بل بإجراء مسابقات واختبارات يقوم بها أصحاب الاختصاص، لانتقاء الأكفأ."

"استُبدلت خبرات عقود بعمالة جديدة لا تملك أي معرفة بالعمل البحري".

مصطفى (اسم مستعار)، موظف سابق في المرفأ، فضّل عدم ذكر اسمه الحقيقي خوفاً من الملاحقة. يروي لروزنة:

"تم استبدال عمال تجاوزت خبراتهم 30 عاماً—وهم من العمال المؤسسين للموانئ ضمن الإنشاءات البحرية—ومجموعة كبيرة من الخبرات الإدارية والهندسية تفوق خدمتهم 15 عاماً... بموظفين قدموا مع السلطة الجديدة، لا يملكون خبرة في العمل البحري، وقد بلغ عددهم حوالي 200 موظف."

 "للبحر والموانئ قوانينها الخاصة. لا يستطيع خريج الاقتصاد أو الحقوق الذي عمل على معبر بري أن يعمل في القطاع البحري..."

ويكشف مصطفى عن تجاوزات إدارية صارخة: تم نقل جميع موظفي شعبة التحليل المخبري إلى مديرية الزراعة—"حتى أغراضهم الشخصية لم يُسمح لهم بأخذها." واستُبدلوا بطاقم جديد برواتب عالية جداً، دون مؤهلات حقيقية. الهدف؟ "استيفاء رسوم المخبر، دون إجراء التحاليل فعلياً."

العمالة ليست "زائدة" إذاً—إنها مُستبدَلة.

رسالة واتس أب أطاحت بـ 24 عاماً

انتباه، موظفة لديها 24 عاماً من الخدمة في المرفأ، كانت تنوي إكمال العام المتبقي والخروج إلى التقاعد براتب يضمن لها حياة كريمة.

تقول لروزنة: "اليوم يأتي قرار نقلي إلى معبر 'الراعي' (ريف حلب الشمالي). إذا لم يتم التراجع عن القرار، سأضطر للاستقالة... وخسارة وظيفتي بعد 24 عاماً، دون راتب تقاعدي."

عدد كبير من "رسائل النقل" وصلت إلى نساء—عازبات ومتزوجات، أمهات لأطفال. فُرض عليهن الانتقال مئات الكيلومترات إلى معابر حدودية نائية، في ظل ظروف أمنية متوترة ومعيشية خانقة.


 11 يوماً تأخير... و4 أيام للاعتراض

في 17 تشرين الثاني / نوفمبر 2025، تسلّمت موظفتان متزوجتان ولديهما أطفال في المنطقة الحرة التابعة لمرفأ اللاذقية قرار نقلهما إلى معبر البوكمال الحدودي مع العراق.

صدر القرار في الـ 6 تشرين الثاني / نوفمبر. تاريخ التسليم: 17 تشرين الثاني / نوفمبر—أي بعد 11 يوماً. أما المهلة القانونية للاعتراض؟ 15 يوماً من تاريخ الإصدار. المتبقي؟ 4 أيام فقط، بينهم جمعة وسبت (عطلة رسمية).

تلاعب واضح بالمواعيد لمنع الموظفات من الاعتراض.

الموظفتان، إلى جانب 4 موظفين ذكور تلقوا قرار نقلهم إلى جنديرس، قدّموا استقالاتهم. تمت الموافقة عليها فوراً—على عكس طلبات العودة التي تأخرت شهوراً. تقول أمل ( اسم مستعار ) الرسالة واضحة: إما الرضوخ، أو الاستقالة. لا مجال للاعتراض.

تخالف القرارات قانون العاملين الأساسي رقم 17 لعام 2010 في عدة نقاط:

المادة 31: النقل يتطلب موافقة

تنص المادة على أنه "إذا كان نقل العامل سيتم إلى خارج الجهة العامة التي يعمل لديها، أو إلى خارج حدود المحافظة، فإنه يشترط—إذا لم يكن بناء على طلب العامل—الحصول على موافقة لجنة تُشكّل من أجل ذلك."

لم تُشكّل أي لجنة. لم يُطلب رأي الموظفين. لم يُستشر وزير مختص.

المادة 2: تغيير طبيعة العمل

رسالة واتساب أقوى من عقود الخدمة

رسالة واتساب أصبحت كافية لإنهاء عقود من الخدمة. لا حاجة لكتب رسمية، أو قرارات موقعة، أو حتى إمكانية للرد والاستفسار.

وإذا كانت رسالة واتساب كافية لتدمير حياة مئات العائلات، فما الذي يضمن أن هذا لن يتكرر، في قطاعات أخرى، ومع أشخاص آخرين؟

تواصلت "روزنة" مع إدارة الموانئ عبر معرفاتها الرسمية ولكن لم نحصل على تعليق حتى تاريخ نشر التقرير حول الأسباب الموجبة للنشر.

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض