تقارير وتحقيقات | 27 11 2025
محمد الحاج
لم يغب الملف السوري، ولا ما يعرف بـ"أسلحة الأسد الكيميائية"، عن أي كلمة أو نقاش خلال اجتماعات الدورة الثلاثين للدول الأطراف في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية بمدينة لاهاي الهولندية، حيث واكب موفد "روزنة" مجريات اليوم الافتتاحي عن كثب.
في هذا التقرير، ترصد "روزنة" أبرز الملاحظات والتصريحات من اليوم الأول لمؤتمر لاهاي، وزيارة موفدنا محمد الحاج للمقر الرئيسي مع وفد من الصحافيين.

كيماوي دوما والغوطة: الحدث الفارق
حتى قبل بدء أعمال المؤتمر، بدا أن الملف السوري يفرض حضوره بقوة. خلال جولة لصحفيين داخل مقر المنظمة، برزت مجزرة دوما والغوطة عام 2013 في صلب أي حديث، بينما لم تحظَ الهجمات الأخرى مثل خان شيخون 2018 بنفس القدر من التركيز.
وسأل الصحافيون عن وجود علاقة بين فوز المنظمة بجائزة نوبل للسلام 2013 ومجزرة الغوطة، وعن إنشاء مخبر متخصص في لاهاي لاحقاً استجابة لذلك الهجوم، لتظل سوريا ومأساتها حاضرة في النقاش.
حتى اللحظة الإنسانية لم تغب، حين قال أحد أفراد الحرس لموفدنا: "دمشق مدينة رائعة… لقد زرتها، إنها بلد جميل جداً".
ومُنحت جائزة نوبل للسلام لعام 2013 لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وصرّحت لجنة جائزة نوبل حينها أن "الأحداث الأخيرة في سوريا، حيث استُخدمت الأسلحة الكيميائية مجدداً، (أكدت) الحاجة إلى تعزيز الجهود المبذولة للتخلّص من هذه الأسلحة (…)"
وتقول الشبكة السورية لحقوق الإنسان في تقرير سابق، أن النظام (السابق) هو أكثر من استخدم الأسلحة الكيميائية في القرن الحالي، مسبباً في مقتل ما لا يقل عن 1510، وإصابة قرابة 12 ألف سوري، كما استمر في تطوير برنامج السلاح الكيميائي بعد انضمامه إلى معاهدة حظر الأسلحة الكيميائية في 2013.
شهادة جائزة نوبل للسلام في مقر منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في لاهاي - أرشيف opcw
جدول الوفد السوري.. مزدحم
في ردهات المؤتمر، وحتى خلال فترات الاستراحة، وعلى عكس غالبية الوفود المشاركة، كان يمكن ملاحظة انشغال الوفد السوري بنقاشات جادة ومطولة بعيداً عن الأضواء.
يقود النقاشات الثنائية، المندوب الدائم الجديد لدى المنظمة الدكتور محمد كتوب، إلى جانب مدير إدارة المنظمات والمؤتمرات الدولية في وزارة الخارجية السورية سعد بارود.
انشغال الوفد لفترات طويلة في اليوم الأول، حال دون حصول روزنة على تصريح خاص من المبعوث "كتوب".

تحول تاريخي.. وتحديات كبيرة
وفي كلمة له أمس الأربعاء تحدث المندوب السوري الدائم لدى المنظمة، محمد كتوب، عن تحول تاريخي بملف الأسلحة الكيميائية في سوريا، بعد سقوط النظام السابق، مع تحديات كبيرة وفرص مستقبلية محتملة.
ومن أبرز التحديات التي تحدث عنها "كتوب":
-إرث معقد يتطلب جمع معلومات دقيقة حول البرنامج الكيميائي ومواقع التخزين والتصنيع.
-سرية شديدة أحاط بها النظام السابق برنامجه الكيميائي، ما يصعّب الوصول للمعلومات.
-مخاطر أمنية تواجه فرق التفتيش الوطنية والدولية، تشمل: مخلفات الحرب والألغام، مخاطر الهجمات الإسرائيلية وتبعاتها.

المبعوث الدائم لسوريا إلى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية محمد كتوب -opcw/flickr
وأشار المبعوث السوري الجديد إلى "تحقيق تقدم ملموس في جهود جمع المعلومات والاستطلاع وتقييم المواقع المشتبهة".
وسهلت الإدارة السورية الجديدة، وفق محمد كتوب، تسهيل 23 زيارة ميدانية إلى مواقع مشتبهة، إضافة لاستطلاع 15 موقعاً إضافياً ضمن قائمة المشتبه بها، في ظل استمرار العمل على توسيع قاعدة البيانات واستكشاف مواقع جديدة تمهيداً لعمليات التدمير.
وفي ختام مداخلته، أكد "كتوب" أن بلاده "ترى أن الملف ليس فقط ملف تدمير بل أيضاً مساءلة، ما يزيد من أهمية عمليات التفتيش والتحقق للحفاظ على الأدلة".

المبعوث الدائم لسوريا إلى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية محمد كتوب -opcw/flickr
سوريا والالتزام الدولي
في كلمة افتتاحية، أكد مدير منظمة حظر الأسلحة فرناردو أرياس أن التزامات سوريا قائمة بغض النظر عن أي تغيير حكومي، وتشمل الإعلان عن أي أسلحة أو مواد سامة وتدميرها وفق الاتفاقية.
تتضمن مهمة المنظمة التحقق من دقة الإعلانات السورية، والإشراف على التدمير النهائي، مع تقديم الدعم الفني عبر الزيارات الميدانية والمشورة، بما يشمل التدمير الموقعي المسرّع للأسلحة التي يصعب تأمينها أو نقلها.
ونصت المادة الثامنة من اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية التي دخلت حيز التنفيذ سنة 1997، على أن الدول الأطراف (منها سوريا) ملزمة بتحقيق هدفها وتنفيذ أحكامها بنا فيها المتعلقة بالتحقق الدولي من الامتثال لها.
وتقول منظمة حظر الأسلحة الكيميائية أن هناك 193 دولة ملتزمة باتفاقية الأسلحة الكيميائية، و"يعيش 98% من سكان المعمورة تحت حماية الاتفاقي، حيث تم التحقق من تدمير 98% من مخزونات الأسلحة الكيميائية التي أعلنت عنها الدول الحائزة".

تحديات مهام التحقق والتدمير
أشار مدير منظمة حظر الأسلحة إلى أن المهمة كبيرة ومعقدة، وأن تحديد الأسلحة سيستغرق وقتاً من الجانبين. وقد طلبت الأمانة تبرعات لدعم العمليات، بعد تأكيد الوزير السوري أن بلاده لا تملك الموارد الكافية لتنفيذ التزاماتها.
أنشأت الأمانة في 1 حزيران مكتب المهمّات الخاصة المكلّف بالتحقق من الإعلانات السورية، وتحديد هوية مستخدمي الأسلحة الكيميائية عند ثبوت استخدامها، إضافة إلى تلقي طلبات المساعدة من الدول الأطراف.
نفّذ المكتب مهام ميدانية في حزيران وآب وسبتمبر، وتواصل مع السلطات السورية. وكان من المقرر إرسال مهام جديدة في تموز، لكنها أُرجئت بسبب غارات من دولة مجاورة، على حد قول مدير المنظمة.
في اجتماع المجلس التنفيذي في تموز 2025، أعلنت الأمانة إنشاء مكتب دائم لها داخل سوريا وبدء التحضير لوجود مستمر، مع دراسة تحسين البنية التشغيلية للمكاتب.

التحقيق الميداني يتقدم
زارت الفرق خلال الأشهر الماضية 17 موقعاً، بينها 4 مواقع معلن عنها سابقاً، وجُمعت عينات وأُجريت مقابلات مع خبراء شاركوا في البرنامج السابق، ما كشف عن أسلحة لم يُعلن عنها عمداً وإعلانات غير دقيقة.
تمت دراسة زيارة 5 مواقع في اللاذقية وطرطوس يُشتبه باحتوائها على عناصر غير معلنة، لكن ضعف الموارد والسيطرة الأمنية في المناطق، خصوصاً اللاذقية، يعيق دعم الأمانة وضمان سلامة الفرق.
ركزت الأمانة على 17 موقعاً في دمشق لتقييم الاحتياجات وتوجيه الدول الأطراف لسد الفجوات اللوجستية والفنية لعمليات التحقق والتدمير المسرّع، كما منحت فرق التحقيق حق الوصول للمواقع داخل سوريا للمرة الأولى منذ 2018.
وفي قاعات تحمل أسماء أنهر حول العالم كالأمازون والميسسيبي والنيل، عقدت ورشات جانبية لمنظمات مجتمع مدني وغير حكومية، ناقشت مواضيع عدة منها المعلومات المضللة والتحقق منها، وظل ملف "أسلحة الأسد الكيميائية" حاضراً.

وبعد أيام، يصادف يوم إحياء ذكرى جميع ضحايا الحرب الكيميائية في 30 تشرين الثاني/نوفمبر، بينهم 1514 سوري وسورية قتلوا نتيجة 217 هجوماً بالأسلحة الكيميائية نفذها النظام السابق منذ أول استخدام موثق في 23 كانون الأول 2012 حتى تشرين الثاني 2024.
ومع ختام المؤتمر لأعماله اليوم، تؤكد المشاهدات أن مأساة دوما والغوطة الشرقية عام 2013 علامة مأساوية حادة ليس فقط في الذاكرة الجمعية السورية، بل تبقى درساً قاسياً في تاريخ الحرب الكيميائية، يؤكد أهمية التحقق المستمر والشفافية الدولية.