الودائع السورية في لبنان: دمشق تُصفّي الحساب وتفرض شروطها

الودائع السورية في لبنان: دمشق تُصفّي الحساب وتفرض شروطها

تقارير وتحقيقات | 25 10 2025

باسكال صوما

حتى الآن، لم يصدر أي قرار لبناني يخصّ موضوع الودائع السورية في لبنان، التي دفعت بدورها ثمن الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالمصارف عام 2019، وأدت إلى أزمة سيولة ومنع المودعين من التصرف بأموالهم بحرية.

ولكن بعد سنوات من التجميد القسري في المصارف اللبنانية، وبدلاً من انتظار قرار لبناني لإنقاذ القطاع، أصدر "المصرف المركزي السوري" قراراً رسمياً يقرّ بالخسارة، ويهدد البنوك اللبنانية العاملة في سوقه بإنهاء أعمالها ما لم تؤمّن سيولة كاملة.

هذه الخطوة لم تفضح حجم الانهيار المصرفي اللبناني فحسب، بل سلّطت الضوء مجدداً على مصير مليارات الدولارات التي تعود لأفراد ومؤسسات سورية ممن دفعوا ثمن أزمة لم يكونوا شركاء فيها.

1.6 مليار دولار "شبه هالكة"

في إشارة واضحة إلى يأس دمشق من استرداد الأموال السورية المحتجزة، أصدر محافظ البنك المركزي السوري، عبد القادر حصريّة، أمراً يلزم المصارف السورية بتكوين مؤونات كاملة لتغطية خسائرها المرتبطة بانهيار القطاع المصرفي في لبنان.

وبذلك، تكون المصارف السورية قد اعتبرت رسمياً جميع ودائعها وتوظيفاتها واستثماراتها في لبنان خسائر تقتضي المعالجة الفورية.

هذا القرار، الذي كشفت عن تفاصيله وكالة "رويترز"، يفرض على المصارف المعنية تقديم خطط موثوقة لإعادة الهيكلة خلال ستة أشهر، إما عبر اقتطاع نسب من أرباحها أو ضخ رساميل جديدة من المساهمين الحاليين أو عبر مستثمرين جدد.

وبحسب حصريّة، يبلغ انكشاف المصارف السورية على السوق اللبنانية نحو 1.6 مليار دولار أميركي، وهو مبلغ كبير يشكّل حوالي 32 في المئة من إجمالي الودائع السورية في لبنان، والمقدّرة بحوالي 4.9 مليارات دولار.

وتهدف الخطوة السورية إلى مطالبة القطاع المصرفي اللبناني بإعادة ضخ سيولة أو وضع أصول لتغطية هذه الخسائر، في محاولة لـ"تنظيف" القطاع المصرفي السوري المنهك بعد سنوات الحرب والعقوبات.

من بين البنوك الأكثر تضررًا: بنك الشرق، وفرنسبنك، وبنك سوريا والمهجر، وبنك بيمو السعودي الفرنسي، وبنك شهبا، وبنك أهلي ترست، وجميعها بنوك لبنانية الأصل افتتحت فروعًا لها في سوريا في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. ولم يستجب أيٌّ من هذه البنوك لطلبات التعليق فورًا.

من يملك الـ4.9 مليارات؟

حاكم البنك المركزي في تصريحاته لرويترز قال: إن البنوك التجارية السورية لديها أكثر من 1.6 مليار دولار من التعرض للبنان.

ويمثل ذلك نسبة كبيرة من إجمالي الودائع البالغة 4.9 مليار دولار في القطاع المصرفي التجاري السوري، وفقاً لحسابات رويترز استناداً إلى التقارير المالية لعام 2024 لجميع البنوك التجارية الـ14 في سوريا، والتي نشرتها بورصة دمشق.

الودائع السورية المحتجزة لا تخصّ البنوك التجارية السورية فحسب، بل تنقسم إلى فئتين رئيسيتين: الأولى، وتتمثل في الجهات الرسمية والبنوك التجارية: ويتمثل انكشافها المعلن في الـ1.6 مليار دولار الذي طالب المركزي السوري بتغطيته.

والفئة الثانية، الأفراد والمواطنون والنافذون: يشكّلون الجزء الأكبر من المبلغ المتبقي.

هؤلاء هم سوريون أودعوا أموالهم في لبنان لسنوات، سواء كانوا مقيمين أو يخشون وضع أموالهم في المصارف السورية بسبب الظروف الأمنية والاقتصادية. وتشير تقديرات إلى أن جزءاً من هذه الودائع يعود لشخصيات نافذة مرتبطة بالنظام السوري السابق، استخدمت المصارف اللبنانية كواجهة لتأمين ثرواتها.

هؤلاء الأفراد والنافذون يواجهون اليوم المصير ذاته الذي تواجهه الودائع اللبنانية والأجنبية.

العقوبات الأمريكية على سوريا: من السبعينات لاحتمالية الرفع.. إليك إحاطة شاملة

العقوبات الأمريكية على سوريا: من السبعينات لاحتمالية الرفع.. إليك إحاطة شاملة

الخسارة المزدوجة

يعتبر الصحافي الاقتصادي عماد الشدياق أن ما قام به حاكم مصرف سوريا هو إجراء منطقي وطبيعي جداً، إذ يهدف إلى إجبار المصارف على اعتبار هذه الأموال "شبه ميتة وتستحيل عودتها أقله في المدى المنظور"، وعليه يجب تغطيتها بأموال جديدة.

ويشير الشدياق إلى أن اللافت في المقابل هو أن مصرف لبنان لم يصدر حتى الآن أي تعميم لتنظيم الفوضى في الحسابات، حتى بعد رحيل الحاكم السابق رياض سلامة، ما يدل على التباطؤ اللبناني في معالجة الأزمة.

"مصرف سوريا المركزي أعطى القطاع المصرفي مهلة محددة في لبنان لتقديم خطة هيكلة."

ويضيف الشدياق: "مصرف سوريا أصدر تعميماً قال فيه للقطاع المصرفي في لبنان: لديكم مهلة معينة، وأثناء هذه المهلة عليكم تقديم موازنات وخطة للهيكلة".

من جهة أخرى، يرى الخبير الاقتصادي محمد فريدة أن "القرار الصادر عن المصرف المركزي السوري مشابه لقرار سابق أصدره المصرف المركزي القبرصي للتعامل مع المصارف اللبنانية. التعميم يفرض على المصارف التجارية اللبنانية العاملة في السوق السوري تزويد المركزي السوري بوديعة توازي 100 في المئة من ودائعها السورية".

ويضيف: "المصارف التجارية اللبنانية المتوقفة عن الدفع ولا تملك سيولة لن تستطيع الاستمرار في العمل في السوق السوري. وأي مصرف لبناني يدخل السوق السوري يكون لديه سيولة يمتنع عن دفعها للمودعين اللبنانيين بينما يستخدمها للاستثمارات الخارجية".

قلق مصرفي ومحادثات جديدة

يخشى بعض المصرفيين السوريين أن تكون المهلة الممنوحة قصيرة جداً لتنفيذ التوجيه. وأشار أحدهم لوكالة "رويترز" إلى أن "القرار بحد ذاته مبرّر، لكن الوقت الممنوح ليس كذلك. إنه استباقي، مبكر جداً، وسياسي إن شئت".

وتشير الوكالة إلى أن بعض المصارف المتضررة تجري محادثات أولية مع مؤسسات مالية عربية، بما في ذلك مصارف في الأردن والسعودية وقطر، حول عمليات استحواذ محتملة.

ومن بين المصارف الأكثر تضرراً بقرار حصريّة: بنك الشرق، فرنسبنك، بنك سوريا والمهجر، بنك بيـمو السعودي الفرنسي، بنك الشهباء، وبنك الأهلي ترست، وجميعها بنوك لبنانية الأصل افتتحت فروعاً في سوريا خلال العقد الأول من الألفية.

ودائع الأفراد... الخسارة الكبرى

بينما يُجبر المركزي السوري مصارفه على امتصاص الخسارة على الورق لتنظيف قطاعه، يبقى مصير أموال الأفراد السوريين — أي الوديعة السورية الأكبر — معلقاً بقرار لبناني مؤجل.

هذا التطور يؤكد أن الودائع السورية دفعت ثمن انهيار لم تكن شريكاً فيه، واليوم تدفع ثمنه مرة أخرى عبر إعلان الخسارة واستحالة الاسترداد في المدى المنظور.

بهذا القرار، تكون دمشق قد أغلقت فعلياً صفحة التعويل على النظام المصرفي اللبناني، واضعةً حداً لعلاقة مالية امتدت لعقود كانت خلالها بيروت الملاذ الآمن للأموال السورية.

لكنّ هذا الإغلاق لا يُنهي الخسارة، بل يفتح مرحلة جديدة من إعادة الترتيب الاقتصادي، حيث تحاول سوريا بناء نظام مصرفي "نظيف" بعد أكثر من عقد من الحرب والعقوبات، فيما يبقى اللبنانيون والسوريون معاً رهائن أزمة مصرفية لا يعترف أحد بانتهائها بعد.

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض