نشيد سوريا الوطني.. بين الاحتمالات والطروحات: ماذا تخبرنا التجارب العربية؟

نشيد سوريا الوطني.. بين الاحتمالات والطروحات: ماذا تخبرنا التجارب العربية؟

تقارير وتحقيقات | 21 10 2025

محمد الحاج

"أي نشيد لسوريا؟ وكيف ستعتمد كلماته وألحانه؟"، أسئلة عديدة طرحت خلال الأيام الماضية عقب الإعلان عن اجتماع رئيس سوريا في المرحلة الانتقالية أحمد الشرع مع وزير الثقافة وشاعر سوري وآخر فلسطيني، جرى خلاله "مناقشة الترتيبات الخاصة بالنشيد الوطنيِّ للجمهورية العربية السورية".

في المادة التالية، نستعرض معلومات ونقدم لمحة عن النشيد الوطني في عدد من الدول العربية، في محاولة لقراءة السياق ومقاربة الاحتمالات المطروحة لسوريا خلال الأيام الماضية عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

العراق.. نشيد "مؤقت" لعشرين عاماً!

بعد غزو العراق وسقوط نظام صدام حسين، اختيرت قصيدة "موطني" الشهيرة للكاتب الفلسطيني إبراهيم طوقان وألحان اللبناني محمد فليفل، كنشيد وطني للعراق إلى اليوم، بعد إطلاقه أمام الرئيس الأمريكي المدني على العراق بول بريمر، دون أي ورقة رسمية أو اعتماد قانوني.

وفشلت كل المحاولات اللاحقة التشريعية لاعتماد نشيد وطني جديد للعراق، إذ اعتمد مجلس النواب العراقي في 2012 قصيدة "سلام على هضبات العراق" للشاعر محمد مهدي الجواهري نشيداً وطنياً للبلاد "من حيث المبدأ"، دون اعتماده رسمياً.

في 2019، تحرك "التيار الصدري" لاعتماد مجلس النواب أغنية كاظم الساهر "سلام عليك على رافديك" كنشيد وطني، لكن الأمر فشل أيضاً في ظل اعتراضات تتهم مؤلف القصيدة أسعد الغريري بأنه "من شعراء نظام حزب البعث المنحل".

ليبيا.. نشيد بلا قانون منذ 2011

قد تتشابه الحالة الليبية مع الوضع في سوريا، إذ قرر المتظاهرون في ثورة فبراير 2011، رفع علم الاستقلال الصادر سنة 1951 ضد حكم معمر القذافي، كما أُعيد استخدام نشيد "المملكة الليبية" الصادر عام 1955 باسم "يا بلادي" للشاعر التونسي البشير العريبي ولحنه الموسيقار المصري محمد عبد الوهاب.

لاحقاً، عزف "يا بلادي" كنشيد وطني في المناسبات الوطنية والمشاركات الرسمية والسياسية والرياضية، كما اعتمد العلم (الأحمر والأسود والأخضر ويتوسطه نجمة وهلال أبيض) كعلم رسمي جديد للبلاد، لكن دون نص قانوني وفق ما أشار الإعلان الدستوري في 2011 بأن يتم تسميتهما وفق قانون.

وجرى تغيير عبارة في النشيد تشير لـ"الملك إدريس" بأخرى تشير لـ"شيخ الشهداء عمر المختار".

وفي ظل التعقيد بالمشهد السياسي والعسكري في ليبيا، لم يطرح "مشروع الدستور الليبي الدائم" للاستفتاء الشعبي كما قرر مجلس النواب، رغم انتهاء العمل عليه منذ 2017.

كيف اختارت دول عربية نشيدها الوطني؟

في عدد من الدول العربية، اعتمد النشيد الوطني بعد الإعلان عن مسابقة وطنية لتأليف الكلمات واللحن أو أحدهما، قبل إقراره رسمياً، بينما كلف الزعماء في دول أخرى شعراء لكتابة أو تلحين نشيد جديد بهدف اعتماده في المناسبات الرسمية والوطنية.

سنة 1926، صدر مرسوم جمهوري في لبنان لاختيار النشيد الوطني، حيث حصرت المسابقة بالشعراء اللبنانيين المقيمين والمغتربين، فشكلت لجنة لاختيار الكلمات وأخرى للحن القصيدة المختارة، ليقع الاختيار على نشيد الشاعر رشيد مخلة واختير لحن وديع صبرا لها، وصدر مرسوم جمهوري بعد سنة باعتماده.

في السعودية، خاطب وزير الإعلام مطلع الثمانينات كبار الشعراء طالباً كتابة النشيد الوطني، تتوافق في وزنها مع موسيقى السلام الملكي التي كانت تعزف دون كلمات، وكُلّف الشاعر السعودي إبراهيم خفاجي، بناءً على اقتراح الأمير عبدالله الفيصل، ليمكث أشهر ويكتب النشيد الحالي الذي اعتمد سنة 1984.

كذلك، في الكويت، أعلن رئيس مجلس الوزراء الراحل جابر الصباح عن مسابقة وطنية لاختيار نشيد جديد "يعبر عن الكويت الحديثة وروحها المتجددة"، إذ اختيرت قصيدة الشاهر أحمد العدوان ولحنها إبراهيم الصولة وبدأ العمل بها رسمياً كنشيد وطني منذ 1978 إلى يومنا هذا.

أما في الإمارات، كلف الدكتور عارف الشيخ بتأليف كلمات النشيد الوطني الإماراتي سنة 1986، ووافق مجلس الوزراء عليه، ذلك بعد أن كان السلام الوطني لدولة الإمارات "عيشي بلادي" كمعزوفة فقط منذ أواخر 1971، ولحنه الموسيقار المصري سعد عبد الوهاب.

من استفتى على النشيد؟

يطرح في الآونة الأخيرة خيار إجراء استفتاء شعبي خلال المرحلة الانتقالية أو بعد انقضائها في سوريا، لاختيار النشيد الوطني للبلاد، لكن الأمر ليس شائعاً حول العالم أو حتى في البلاد العربية، باستثناءات قليلة منها التجربة الموريتانية حول ذلك.

وفي 2017، طرح الرئيس محمد ولد عبد العزيز استفتاء لعدد من التعديلات الدستورية منها تغيير نشيد البلاد وعلمها وإلغاء "مجلس الشيوخ"، صوت 85 بالمئة من المشاركين على اعتمادها، تبعها جدل حول إلغاء النشيد السابق.

لاحقاً، اختيرت لجنة من 39 شاعراً وأديباً لاختيار كلمات النشيد، دون الإعلان عن مسابقة، ليعلن وزير الثقافة كلمات النشيد الجديد الذي توصلت له اللجنة، ويصادق عليها فيما بعد البرلمان "الجمعية الوطنية"، في ظل حالة جدل وانقسام في الوسط السياسي والثقافي وانتقادات عديدة حول العملية.

لحن بلا كلمات.. حتى كأس العالم!

بعد سقوط النظام السابق، اعتمدت الاتحادات الوطنية السورية نشيد "في سبيل المجد" لعزفه في فعاليات محلية أو خلال المشاركات الخارجية للمنتخبات في كرة القدم أو السلة أو اليد وغيرها.

في المغرب، بقي النشيد الوطني منذ 1956 حتى عام 1969 لحناً دون كلمات، إذ كان يقتصر عزف المقطوعة الموسيقية من تأليف الضابط الفرنسي ليو مورغان رئيس فرقة الموسيقى العسكرية بالحرس الشريفي في عهد الحماية الفرنسية، في المناسبات الوطنية وخلال استضافة الشخصيات.

لكن، ومع تأهل المنتخب المغربي إلى كأس العالم في المكسيك 1970 وضرورة توفر نشيد وطني يردده اللاعبون والجمهور لتحميسهم، أمر الملك الراحل الحسن الثاني بالإعلان عن مسابقة بين الشعراء لإعداد كلمات ترافق لحن الفرنسي مورغان، لكي تعزف عند أداء المنتخب النشيد الوطني في المونديال.

واختار الملك كلمات النشيد من قصيدة للشاعر علي الصقلي الحسيني،  بقيت حتى اليوم نشيداً وطنياً باسم "منبت الأحرار".

نشيد في ثلاث دول.. غنته أم كلثوم

وردت بعض الاقتراحات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أن تكون واحدة من الأغاني وأناشيد اكتسبت شعبية خلال الثورة السورية أو بعد السقوط النظام السابق أن تكون نشيداً وطنياً لسوريا، مع إجراء تعديلات في الكلمات أو الوزن واللحن إن لزم الأمر.

ومن بين المقترحات التي رصدناها، "نشيد الأحرار" لمالك جندلي أو "جنة يا وطنا" للساروت أو "ارفع راسك فوق" لأحمد القسيم.

يذكر ذلك، بنشيد يحمل اسم "والله زمان يا سلاحي" غنته الراحلة المصرية أم كلثوم في عام 1956 ونال شعبية كبيرة، ليتحول بعد أربعة أعوام فقط في 1960 لسلام وطني للجمهورية العربية المتحدة بين سوريا ومصر، بموجب قرار جمهوري رقم 143 من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.

وبقي "والله زمان يا سلاحي" نشيداً في مصر حتى 1979، حتى صدور قرار جمهوري بتعديل السلام الوطني إلى "نشيد بلادي" من ألحان الراحل سيد درويش وكلمات محمد القاضي، والذي أعاد الموسيقار الراحل محمد عبد الوهاب توزيعه بتكليف من الرئيس الراحل محمد أنور السادات.

لم يقتصر اعتماد أغنية أم كلثوم نشيداً في مصر وسوريا فقط، بل قرر الرئيس العراقي عبد السلام عارف اعتماده نشيداً وطنياً في العراق واستمر 18 عاماً بين 1963 و1979.

نشيد "حماة الديار".. ماذا نعرف عنه؟

النشيد السوري "حماة الديار"، ألفه الكاتب والسياسي والراحل خليل مردم بك وتختلف المصادر في نسب لحنه إلى محمد فليفل أو الأخوين فليفل (هو وشقيقه أحمد).

وفق تقاطع المعلومات حول النشيد عبر المصادر المفتوحة، جرى تبني "حماة الديار" سنة 1938، قبل أن يتوقف استخدامه خلال فترة الوحدة مع مصر، ثم قرر الرجوع إليه بعد الانفصال كنشيد وطني لسوريا منذ 1961.

وتشير بعض المصادر إلى أن مسابقة أطلقت لاختيار اللحن سنة 1938، إذ قدم خلالها 60 لحناً ورفض لحن "فليفل"، لكن النشيد انتشر في البلاد فرأت الحكومة أن تتبناه، دون أن يشر أي مصدر إلى إطلاق مسابقة لاختيار الكلمات، وجرى الحديث عن "اتفاق" و"إجماع" و"تبني" لقصيدة "مردم بيك" كنشيد وطني.

وتقول إحدى الروايات المتداولة أن اللجنة رفضت الأخوين القادمين من بيروت، وأمام الرفض لجأ "فليفل" إلى الراحل فارس الخوري الذي كان رئيساً لمجلس النواب، الذي طلب سماع اللحن فأعجبه، لكنه لم يشأ التدخل بعمل اللجنة، فطلب من الأخوين تعليم أطفال المدارس اللحن كنشيد وطني عادي غير رسمي.

ووفق الرواية، التي لم يتسن لنا التحقق من دقتها عبر مصادر مستقلة، انتشر النشيد بلحن الأخوين "فليفل"، إلى حين انعقاد اجتماع "سان فرانسيسكو" الذي أقر حق سوريا بالاستقلال، ومن هناك أعلن فارس الخوري أن النشيد الرسمي هو "حماة الديار" بلحن الأخوين فليفل.

"وأثناء العرض العسكري الذي أقيم احتفالاً بالجلاء عام 1946، أذاعت مكبرات الصوت النشيد الوطني بلحن "فليفل"، وفق المصادر ومنها موقع "سوريا مملكة السماء" المهتم بالشأن التوثيقي والتأريخي.

وفي منشور للمؤرخ السوري سامي مبيض، قال إن الراحل فارس بك الخوري أمر الفرقة الموسيقية على أبواب مجلس النواب السوري في افتتاح البرلمان يوم 17 آب/أغسطس 1943، بعزف نشيد سوريا الجديد حماة الديار، وعدم عزف النشيد الوطني الفرنسي "لا مارسييز".

ونقل الحوار الآتي: "تخوف أحد العازفين قائلاً: بس طول عمرنا هيك منعزف. أجابه فارس بك: وتغيرت العادة، أنا رئيس المجلس وعم قلك، من اليوم وطالع في نشيد واحد بس بسورية، اسمو حماة الديار"، دون أن يشر "مبيض" إلى اللحن الذي عزف يومها.

يبقى النشيد الوطني أحد أبرز الرموز المعبرة عن الهوية والانتماء، واختيار نشيد جديد لسوريا في المرحلة الانتقالية يحمل أبعادًا تتجاوز الشكل إلى المضمون، وتتجاوز الثقافة والأدب إلى السياسة وعلم الاجتماع.

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض