التمييز الإيجابي: إنصاف مؤقت أم وصاية ناعمة؟

التمييز الإيجابي: إنصاف مؤقت أم وصاية ناعمة؟

تقارير وتحقيقات | 9 10 2025

لارا محمد

قالت إحدى النساء: "لطالما شعرتُ بالفخر حين أُعلن عن تعييني في موقع قيادي ضمن مؤسسة إعلامية كبرى، لا لشيء إلا لكوني امرأة. قيل لي إن هذا "إنجاز نسوي"، وإنني أصبحت "صوتاً للنساء". لكن شيئاً في داخلي لم يكن مرتاحاً تماماً.

تساءلت بيني وبين نفسي: هل تم اختياري لأنني أستحق هذا المكان؟ أم لأن المؤسسة بحاجة إلى امرأة تُكمل الصورة؟ وهل يمكن لـ"التمييز الإيجابي" أن يتحوّل، من دون أن نشعر، إلى شكل ناعم من أشكال الوصاية؟"

من هنا تبدأ هذه الأسطر؛ من الشكّ الذي راودني، ومن القلق الذي يساور كثيرات ممن وُضعن في مواقع يُفترض أنها "إنصافٌ" لهن، لكنها أحياناً تُشعرهن بالعجز المقنّع. لستُ أكتب لتقويض المكتسبات، بل لأتساءل بصوت مرتفع: هل التمييز الإيجابي يحرّرنا فعلاً؟ أم يضعنا في قالب آخر، أكثر نعومة، لكنه لا يقلّ تقييداً؟

حين تتحوّل أداة الإصلاح إلى قاعدة دائمة

انطلقت فكرة التمييز الإيجابي خلال العقود الأخيرة كسياسة مرحلية لتصحيح اختلال تاريخي في توزيع الفرص.

فبعد قرون من التهميش، طالبت الحركات النسوية والحقوقية بمنح النساء فرصًا تفضيلية في العمل والتعليم والتمثيل السياسي. بدا الأمر حينها خطوة نحو العدالة، محاولةً لإعادة التوازن إلى ميدان لم يكن متكافئاً يوماً. لكن ما كان يُفترض أن يكون وسيلة مؤقتة للإصلاح، بدأ يتحوّل إلى قاعدة دائمة تُستخدم لتجميل الخلل البنيوي بدل إصلاحه. وهنا يبرز السؤال الجوهري:

هل ما زال التمييز الإيجابي يخدم هدف العدالة، أم أصبح غطاءً جديدًا لتفاوتٍ قديمٍ في شكلٍ أكثر تهذيباً؟

العدالة لا تُصنع بالحصص

في المجالس التشريعية، يُقال لنا إن وجود "كوتا نسائية" يضمن صوتاً نسائياً في القرار. وفي المؤسسات، تُمنح الأفضلية للمرأة المتقدمة لوظيفة فقط لأنها امرأة. يبدو هذا، في الظاهر، إنصافًا طال انتظاره. لكن حين يتحوّل التمثيل إلى غاية في ذاته، وينفصل عن الكفاءة والاختيار الحر، يصبح التمييز الإيجابي قيداً ذهبياً لا أكثر. ألا يُغذّي هذا النوع من السياسات فكرة أن النساء بحاجة إلى مساندة دائمة، وأنهنّ غير قادرات على المنافسة في ساحة مفتوحة؟ ألا يرسّخ – من حيث لا ندري – صورة المرأة ككائن يحتاج إلى معونة، لا كفاءة؟ حين يُستبدل مبدأ الجدارة بمبدأ الهوية، نفقد جوهر العدالة نفسها.

تمييز ضد من؟ ولأجل من؟

ثمة مفارقة دقيقة في التمييز الإيجابي لصالح المرأة: إنه يفترض أن جميع النساء مهمّشات، وجميع الرجال متمكّنون. لكن الواقع أكثر تعقيداً. ماذا عن الشاب الذي نشأ في بيئة فقيرة أو مقموعة؟ وماذا عن المرأة التي تُعيَّن في منصبٍ لا لأنها الأكفأ، بل لأنها "الأنثى المطلوبة في الصورة"؟ أليس في ذلك شكل من أشكال الإقصاء المعاكس؟ حين يُفرض على النساء حضور رمزي في مواقع القرار فقط لتبدو الصورة "مساواتية"، يتحوّلن إلى أدوات رمزية أكثر من كونهنّ فاعلات حقيقيات. التمثيل لا قيمة له إن لم يكن نابعًا من إرادة وقدرة، لا من حاجة المؤسسة لإظهار التقدّم.

نسوية تحرّر لا وصاية

التمييز الإيجابي، وإن بدا منصفاً، قد يكون أحياناً إعادة إنتاج ناعمة لسلطة الرجل، ولكن بيد القانون أو المؤسسة.

إنه يكرّس، في عمقه، منطقًا قديمًا: "لنساعد المرأة لأنها لا تستطيع وحدها". وهذا يتناقض مع جوهر النسوية كحركة تحرر واستقلال. المرأة لا تحتاج إلى استثناء، بل إلى نظام لا يُقصيها منذ البداية. تحتاج إلى تعليم يفتح أمامها المجالات كافة، إلى بيئة عمل آمنة، وإلى قوانين تحميها من العنف الأسري والسياسي والاقتصادي. ما تحتاجه النساء حقًا هو إزالة الجدران، لا بناء سلالم مصطنعة.

من التمييز إلى العدالة

قد لا يمكن الاستغناء تمامًا عن بعض التدخلات المرحلية التي تفتح الأبواب، لكن الخطر يكمن حين يتحوّل الاستثناء إلى قاعدة، والتمثيل إلى غاية، والهوية إلى معيار. العدالة الحقيقية لا تُقاس بعدد المقاعد المخصصة، بل بعدد الأبواب المفتوحة أمام الجميع على قدم المساواة. والتمكين الحقيقي لا يُمنَح، بل يُبنى في مجتمع لا يُقصي أحدًا بسبب نوعه أو لونه أو طبقته. بعد كل هذه الأسئلة، أدركت أن ما أريده ليس منصباً لأنني امرأة، بل فرصة لأنني أستحقها. التمييز الإيجابي قد يفتح الباب، لكنه ليس الحرية ذاتها. الحرية الحقيقية تبدأ حين نُغلق وراءنا كل الأبواب التي تميّز بيننا أصلاً — وحين يصبح الاختيار نابعًا من الكفاءة، لا الهوية.

*هذه المدونة تعبّر عن وجهة نظر كاتبتها، ولا تعكس بالضرورة موقف أو رأي مؤسسة روزنة.

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض