تقارير وتحقيقات | 21 09 2025
حبيب شحادة
تتجاهل مدارس دمشق الخاصة سقوف الأقساط التي تحددها وزارة التربية وتفرض مبالغ أكبر بخمسة أضعاف من المبلغ المحدد، تحت ذريعة تحسين جودة التعليم ورواتب المعلمين، إضافةً إلى المنهج الإثرائي أو ما يسمى "الخدمات التعليمية المكملة"، وهي الثغرة التي تستغلها تلك المدارس لرفع أقساطها.
وتتراوح تلك الأقساط بين 800 دولار أمريكي و2500 دولار في بعض المدارس الأخرى، على أنها تتجاوز الـ 5000 دولار أمريكي في المدارس الدولية كالمدرسة الباكستانية والفرنسية.
و هذه الأسعار لدى مقارنتها بمتوسط الأجور سواء في القطاع الحكومي أو الخاص، والذي لا يتجاوز الـ 150 دولار أمريكي شهرياً، فهي تعتبر باهظة الثمن.

بحث عن قسط أقل
حنين وهي أم لطفلين اضطرت لنقلهم من مدرسة خاصة لأخرى خاصة أيضاً لارتفاع قيمة أقساط التسجيل. تقول لـ "روزنة" "رفعت المدرسة قسطها السنوي إلى 1500 دولار أمريكي على دفعتين"، ما يعني أن عليها دفع 3000 دولار أمريكي لطفليها في الصفين الثالث والرابع.
وتضيف، بأنها نقلت أولادها إلى مدرسة أخرى بقسط سنوي 800 دولار لكل طالب.
وتعبر حنين كما غيرها من الأسر السورية عن استيائها من من عدم قدرة وزارة التربية على ضبط أقساط المدارس الخاصة التي تحولت إلى منصات "للتجارة والتربح" على حساب الطلاب وذويهم، وفي ظل وضع اقتصادي متردٍ عام وتجاوز نسبة السوريين الذين يعيشون تحت خط الفقر إلى أكثر من 90 بالمائة من السوريين حسب تقديرات أممية.
وتعمل حنين كموظفة حكومية لا يتجاوز دخلها الشهري المليون ليرة سورية، بينما يتوجب عليها دفع مبالغ كبيرة لتعليم أطفالها في مدارس خاصة، حيث أن "المدارس الحكومية مكتظة وجودة التعليم فيها متدنية"، كما قالت. مشيرةً إلى أنها تعتمد على أختها المتواجدة في ألمانيا لمساعدتها في تسديد الأقساط.

عودة إلى المدارس الحكومية
عصام وهو مدرس لغة انكليزية، اضطر إلى نقل ابنه في الصف الخامس من مدرسته الخاصة إلى مدرسة حكومية. ويقول: "لم أعد قادراً على دفع 1200 دولار أمريكي قسط سنوي بدون مواصلات في مدرسة ابني الخاصة التي كان قسطها في العام الماضي 900 دولار أمريكي".
وأوضح في حديثه لـ "روزنة"، أن المدارس الخاصة ترفع أقساطها سنوياً وكذلك ترفع أجور النقل رغم انخفاض كلفة مادة المازوت على المدارس بعد سقوط النظام السابق. ويستنكر كذلك أن تكون كلفة النقل حوالي 6 ملايين ليرة على الطالب الواحد.
ويطالب المدرس الحكومي عصام وزارة التربية بضبط تلك الأقساط وجعلها متناسبة مع دخل السوريين، أو تحسين جودة التعليم الحكومي والاهتمام به لناحية التدريس وسعة الغرف الصفية التي وصفها بـ المكتظة جداً"، إذ هناك شعب صفية يتواجد فيها أكثر من 60 طالب في أغلب المدارس الحكومية.
تجاهل قرار الوزارة
في حزيران/يونيو الفائت، حددت وزارة التربية قيمة أقساط المدارس الخاصة ما بين 700,000 ليرة سورية و2,450,000 ليرة سورية حسب المرحلة الدراسية. لكن هذه الأقساط لا تتوافق مع المبالغ التي تفرضها المدارس الخاصة، إذ يدفع الأهالي مبالغ تفوق تلك الأقساط المحددة بفارق كبير جداً.
وهكذا لا تلتزم تلك المدارس بقانون التعليم الخاص رقم 55 لعام 2004 الناظم لآلية عملها، وكذلك لا تلتزم بتعاميم وزارة التربية المتضمنة قيمة القسط السنوي، ما يسبب معاناة لأهالي الطلاب وسط تدني جودة التعليم الحكومي وازدحام الصفوف في أغلب المدارس الحكومية.

تعليقاً على ذلك، توضح المحامية نور جزائري أن المدارس الخاصة لا تخالف قانون التعليم الخاص ولا تعاميم وزارة التربية ذات الصلة، إنما تعتمد في رفع أقساطها على ما تقدمه من "خدمات تعليمية مكملة"، حيث بقي تسعير تلك الخدمات لصالح إدارة المدرسة تحدده كيفما تشاء.
وتقول جزائرلي لـ "روزنة": إنّ المقصود بـ "الخدمات المكملة" هي أجور النقل واللباس والنشاطات والغرف الصفية ذات المعايير العالمية والمنهج الإثرائي. مشيرةً إلى أنّ وزارة التربية لم تحدد نسبة مئوية لتلك الخدمات إنما تركتها لتقدير المدارس الخاصة حتى وصلت كلفة تلك الخدمات لأضعاف القسط السنوي المحدد.
أما وزارة التربية فاعتبرت أن تحديد ثمن الخدمات من شأنه أن يقلص من جودتها، وفقاً لكلام مدير التعليم بالوزارة محمد سائد قدور، والذي قال في تصريح لصحيفة "الثورة" "نحن بصدد الانفتاح على برامج تعليمية غير معتادة، من شأنها تغيير واقع التعليم، ما يقتضي جودة أعلى وإنفاقاً مادياً أكبر".
وهذا التصريح وفق رأي المدرس عصام يعني أن الوزارة راضية عن أقساط المدارس الخاصة وليست بصدد تخفيضها أو إلزام تلك المدارس بمراعاة الوضع الاقتصادي العام في البلاد.
المدارس الخاصة: رأي آخر
في بحثها عن أسباب رفع تلك المدارس أقساطها السنوية، تواصلت "روزنة" مع عدة مدارس خاصة بدمشق، وكان الجواب واحد لجهة الخدمات والتجهيزات والمنهاج الإضافي (الإثرائي) الذي تقدمه تلك المدارس.
وقالت مديرة إحدى المدارس في منطقة المزة لـ "روزنة"، مفضلة عدم ذكر اسمها "إن كلف تشغيل المدارس الخاصة مرتفعة جداً حيث لدينا كادر تعليمي وإداري كبير ومشرفين/ات، وكذلك صيانة سنوية للمدرسة".
وبررت ارتفاع الأقساط بالمهام التي تنفذها المدارس، حيث لا تكتفي بمنهاج وزارة التربية، إنما هناك منهاج آخر يدرس إلى جانب المنهاج الحكومي، يتضمن لغات ونشاطات ولباس رسمي موحد للطلاب وغيرها من الأمور والاحتياجات المكتبية للمدرسة، فضلاً عن التدفئة وتكلفتها المرتفعة.
وبحسب إحصائيات حديثة كشفت عنها وزارة التربية بلغ عدد الأطفال خارج العملية التعليمية حتى الصف التاسع الإعدادي أكثر من مليوني طفل، في واحدة من أسوأ الأزمات التي تواجه قطاع التعليم في البلاد.
وأرجع مدير التعليم بالوزارة التسرّب، بحسب تصريحات صحفية، إلى عدة أسباب، أبرزها عدم تسجيل عدد كبير من الأطفال في دوائر النفوس، ما يصعّب الوصول إليهم، بالإضافة إلى كثرة حالات النزوح والهجرة داخل سوريا وخارجها.
وبينما كانت حنين تتمنى أن تخفض وزارة التربية أقساط المدارس الخاصة بعد سقوط النظام السابق، بقيت كما هي و"خاب أملها" في قدرة الوزارة على تغيير واقع التعليم الخاص الذي ما زال خارج قدرة آلاف العائلات السورية التي تضطر في أحيان كثيرة للجوء إلى الدروس الخصوصية لتعليم أبنائها نتيجة سوء التعليم الحكومي.

