شواطئ اللاذقية ولباس البحر: بين الحريات الفردية والضوابط الرسمية

شواطئ اللاذقية ولباس البحر: بين الحريات الفردية والضوابط الرسمية

تقارير وتحقيقات | 2 10 2025

اللاذقية - داليا عبد الكريم

مرّ هذا الصيف ثقيلاً على السيدات اللواتي اعتدن ارتياد الشواطئ السورية، إذ أصبحت حرية لباس النساء خاضعة لشروط المال والعرف الاجتماعي وتعليمات وزارة السياحة.

فالنساء القادرات على دفع تكاليف الفنادق والمنتجعات ذات الأربع نجوم فما فوق، ما زلن يتمتعن بحرية ارتداء ما يرغبن به من موديلات لباس البحر. أما الفتيات ذوات الدخل المحدود، فقد وجدن أنفسهن أمام قرار وزارة السياحة الصادر رسمياً في 10 حزيران/يونيو 2025، والذي برّر فرض شروط خاصة للباس مرتادي الشواطئ العامة بضرورة "احترام المصلحة العامة والتنوع الاجتماعي".

وخلال السنوات الماضية اعتادت السوريات الالتزام بملابس بحر تختلف تبعاً للانتماء المجتمعي والطبقي. لكن هذا الصيف حمل معه تغييرات واضحة انعكست على حضور النساء في البحر ونمط ملابسهن.

بسبب الخوف: لا سباحة

ديمة (31 عاماً) من حي الزراعة في اللاذقية، قررت هذا العام عدم الذهاب إلى البحر. وهي التي اعتادت في السابق ارتياد الشاطئ بشكل دوري كل نهاية أسبوع مع شقيقتها وصديقاتها، وخصوصاً شاطئ الكرنك.

كانت قد اشترت في صيف العام الماضي لباس سباحة بقطعة واحدة من محل بالة، وصفته البائعة حينها بأنه "صفقة لا تفوّت"، إلا أنّ فرحتها تبددت مع صدور تعليمات وزارة السياحة الأخيرة. ظلّ المايوه في كيس الملابس الموسمية دون أن يُستخدم.

تقول ديمة لـ"روزنة": "الشواطئ الشعبية التي اعتدت ارتيادها مثل الكرنك ونقابة المعلمين لم تعد كما أعرفها. كنت أسبح هناك بالشورت وتيشرت بلا أكمام إلى جانب المحجبات، لكن هذا العام لم أرَ سوى المحجبات، ولم أجرؤ على مخالفة ما صار أشبه بقاعدة جديدة. أما الشواطئ النظيفة والمرتبة فليست في متناول يدي".

موظفة القطاع الحكومي هذه بدأت تشعر بالقلق منذ أيار/مايو الماضي، حين تردد أن محافظ اللاذقية طالب في أحد الاجتماعات بتعميم ارتداء "البوركيني" بدلاً من "البكيني". ومع صدور التعليمات الرسمية التي دعت إلى "ملابس أكثر احتشاماً"، ازداد خوفها من التعرض للمضايقات.

ديمة كانت تختار عادة بين شاطئ الكرنك الذي لا تتجاوز أجوره 150 ألف ليرة، أو شاطئ نقابة المعلمين برسوم مشابهة. هذا الصيف، امتنعت عن الذهاب بعدما سمعت أن "لا فتيات يرتدين المايوه أو حتى الشورت" في تلك الأماكن.

أما المنتجعات السياحية الفاخرة، فقد بدت الوجهة الآمنة لها، لكن رسوم الدخول المرتفعة (75 ألف ليرة للشخص الواحد) إلى جانب أجور التاكسي (150 ألف ليرة تقريباً) جعلت الأمر عبئاً كبيراً. وتوضح أنها لا تستطيع البقاء هناك بعد السابعة مساء بسبب المخاوف الأمنية، بينما كانت في السابق تمضي وقتها وصديقاتها حتى بعد منتصف الليل.

عائلات ترفض الذهاب للبحر

بحسب مصادر أهلية في اللاذقية، فإن كثيراً من العائلات امتنعت تماماً عن زيارة البحر هذا الصيف، خشية التعرض لمضايقات أو حتى مخاطر أكبر.

جيانا مثلاً تؤكد أن معظم صديقاتها تجنّبن البحر هذا العام. بعضهن ذهبن مرة أو مرتين وسبحن دون حوادث تذكر، باستثناء "النظرات المستغربة" التي طالت ملابسهن، فآثرن تجاهلها، مكتفيات بشرب العصائر بدلاً من المشروبات الكحولية التي اعتدن عليها.

هيا (22 عاماً) تروي أن صديقتها قصدت شاطئ الشقيفات الشعبي قرب أوتوستراد جبلة – اللاذقية وقرية الصنوبر، فوجدت الشاطئ شبه فارغ إذ لم يتجاوز عدد رواده عشرة أشخاص. العائلة لم تتمكن من السباحة بالشورت كما اعتادت، واضطرت للالتزام بفيزون وتيشرت نصف كم.

الوضع مشابه في شواطئ وادي قنديل، حيث فرضت معظم النساء رقابة ذاتية على أنفسهن وغيرن نمط ملابسهن. ومع ذلك، أظهر استطلاع أجرته "روزنة" أن الفتيات اللواتي قصدن الوادي لم يتعرضن لأي مواقف مسيئة.

لا بيكيني على الشواطئ

في 12 أيلول/سبتمبر زارت مراسلة "روزنة" شاطئي الكرنك وأوغاريت (نقابة المعلمين سابقاً). بدا شاطئ الكرنك عشوائياً ومزدحماً، والدخول متاح للجميع دون ضوابط، فيما ظلّ سعر حجز الطاولة عند 75 ألف ليرة كما العام الماضي.

من بين مئات الزوار، شوهدت ثلاث سيدات فقط يرتدين بنطالاً قصيراً تحت الركبة مع قميص نصف كم، بينما التزم البقية بملابس أكثر احتشاماً. وكان لافتاً أن معظم الرجال ارتدوا تيشرتات مع شورت سباحة، خلافاً للعادات السابقة حين كانوا يسبحون بقطعة واحدة مكشوفة الصدر.

في شاطئ أوغاريت، بدت الأمور أكثر تنظيماً، حيث يُمنع دخول الشباب بمفردهم ويقتصر الدخول على العائلات أو الفتيات. ومع ذلك، رُصدت ثلاث عائلات ضمّت فتيات بفساتين طويلة مكشوفة الكتف.

وعلى الرغم من إعادة افتتاح شاطئ أوغاريت مجاناً أمام الجميع، لم تُسجل خلال زيارتنا مشاهدة أي امرأة ترتدي مايوه بقطعة واحدة أو قطعتين، ولا حتى بوركيني، على عكس ما كان شائعاً في صيف العام الفائت.

البحر ليس للجميع!

تقول شابة التقتها "روزنة" على شاطئ الكرنك إنها ارتدت شورت وتيشرت بلا أكمام تحت فستانها الطويل، لتفحص الأجواء قبل أن تقرر خلع الفستان والنزول إلى البحر. تضيف: "كما ترين، لا أحد يرتدي هذه الملابس. بصراحة، لن أجرؤ على خلع الفستان. إنها أول مرة أزور فيها البحر هذا العام، بينما العام الماضي لم أكن أخرج منه".

المنتجعات: واقع آخر

في المنتجعات الفاخرة تبدو المعادلة مختلفة. تقول سمر، التي اصطحبت ابنتها (14 عاماً) إلى أحد المنتجعات: "السباحة مسموحة هنا بالمايوه القطعة الواحدة أو البكيني أو البوركيني، وحتى بالشورتات القصيرة. لكن لا يسمح بالدخول إلى البحر من دون لباس سباحة. الأجواء أكثر تنوعاً مقارنة بالشواطئ الشعبية، لكن الكلفة المرتفعة تجعل الحرية محصورة بمن يستطيع الدفع".

فداء (52 عاماً)، مهندسة كهرباء، تؤكد أنها لم تضطر لتغيير عاداتها؛ فهي اعتادت منذ سنوات السباحة في منتجع خاص نهاية كل أسبوع مع عائلتها أو صديقاتها. لكنها تلتزم مغادرة البحر قبل العاشرة مساءً، وغالباً تنتظر خروج عائلة أخرى لتسافر برفقتها لأسباب أمنية.

الصورتين من شاطئ الكرنك خلال عامي 2023 / 2024

ماهو قرار وزارة السياحة؟

في شهر حزيران/يونيو الفائت، كانت وزارة السياحة قد فرضت تعليمات لتنظيم اللباس في الشواطئ، ودعت الناس لارتداء ملابس "أكثر احتشاماً" على البحر فيما وصفته بأنه "بإطار المصلحة العامة واحترام التنوع الثقافي والديني في البلاد".

وبحسب التعليمات فإن على النساء ارتداء البوركيني أو ملابس تغطي الجسم بشكل أكبر، مع ارتداء ملابس فضفاضة غير شفافة على الشاطئ بعد الخروج من البحر، بينما يلزم الرجال بارتداء القمصان عقب الخروج من الماء مباشرة.

ومنحت وزارة السياحة استثناء للمنتجعات من 4 نجوم فما فوق، حيث يستطيع مرتاديها ارتداء ملابس السباحة المعتادة دون أي ضوابط.

وتفرض المنتجعات ذات الخمس نجوم شروطاً إضافية، أبرزها منع دخول الشباب بمفردهم، وقصر الدخول على العائلات أو مجموعات الصبايا.

قد يبدو القرار الذي أحدث القلق عند السيدات قد منح فقط السيدات اللواتي يدخلن المنتجعات الفاخرة أحقية لبس البروكيني، بينما اعتادت السوريات في الشواطئ العامة على لبس ما تريده سواء كان لباس البحر أو اللباس العادي، كما اعتاد مرتادوا الشواطئ العامة التعامل مع الحالتين واحترام ثقافات المجتمعات وعاداتها.

وما بين تعليمات الوزارات، ورقابة المجتمع، وارتفاع أسعار المنتجعات، تحوّل البحر ـ المفترض أنه متنفس عام ـ إلى مساحة مشروطة بالمال والخوف. النساء اليوم يسبحن تحت ثقل "المسموح والممنوع"، وكأن أجسادهن لم تعد ملكاً لهنّ، بل موضوعاً للتفاوض بين السلطة والطبقات الاجتماعية.

وفي كثير من الأحيان، لا تحتاج السلطات إلى إصدار قوانين رسمية صريحة. يكفي تسريب خبر منسوب إلى مسؤول أو إطلاق رسالة مبطنة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حتى ينتشر الخوف ويتحوّل إلى رقابة ذاتية. هكذا حدث حين تردّد خبر عن مطالبة محافظ اللاذقية بعدم ارتداء "البكيني" على الشواطئ، فتعامل معه كثيرون كأنه قرار نافذ، ليصبح أداة ضغط غير مباشرة لتقييد الحريات الشخصية.

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض