درعا: التدخل الإسرائيلي.. يعقد المشهد الاقتصادي ويعرقل عودة اللاجئين

درعا: التدخل الإسرائيلي.. يعقد المشهد الاقتصادي ويعرقل عودة اللاجئين

تقارير وتحقيقات | 9 09 2025

درعا - محمد محاميد

شهد الجنوب السوري في منتصف تموز/يوليو الفائت، نزاع وقتال بين عشائر البدو وفصائل السويداء العسكرية على خلفية محاولة الحكومة الانتقالية السيطرة على المحافظة، إضافةً إلى التدخل الإسرائيلي العسكري في الجنوب من خلال قصف مقرات في العاصمة دمشق واستهداف أرتال العشائر على أطراف السويداء.

وعقّد التدخّل الإسرائيلي في الجنوب السوري الوضع السياسي والأمني في المنطقة الجنوبية، ونتج عنه تبعات اقتصادية واجتماعية كشفت عن ركود عمراني وتردّي الحالة الاقتصادية، إضافة إلى تصعيد التوترات الطائفية والعشائرية وتفاقم النزوح.

كل ذلك جعل من المنطقة الجنوبيّة وليست فقط السويداء، متوتّرة أمنيّاً وغير مستقرّة، ما أثّر على الأوضاع الاجتماعيّة والاقتصاديّة وعلى عودة اللاجئين والمهجرين.

تريث في العودة

أعاد أغلب السوريّون الذين كانوا على وشك العودة من مخيّمات اللجوء ودول الجوار أو حتّى اللاجئين في الدول الأوروبيّة حساباتهم وتردّدوا في العودة لبلادهم في الجنوب السوري، إذ بات الوضعُ بنظرهم غير صالحٍ للاستقرار على الأقل في الفترة الراهنة.

يقول علي، وهو لاجئ في أوروبا، "كنتُ أعتزمُ العودة لشراء منزل بعد أن فقدتُ منزلي خلال سنوات الحرب لكن الظروف غير مناسبة وملائمة للعودة"، ما دفعه للتريث وتأجيل الفكرة بانتظار ماذا سيحدث في الأيّام القادمة، "لن أغامرَ في الوقت الحالي بالعودة والاستقرار بهذا الظرف"، قال لـ "روزنة".

أما محمد خير وهو لاجئ في أوروبا وينوي العودة قريباً لكنه يعتقد كما علي، بأنّ الوضع غير مستقر حالياً، ما جعله يتريّث قليلاً في العودة وشراء منزل بعدما تضرّر بيته وتدمّر بفعل الحرب، وسينتظر بعض الوقت حتى تتحسن الظروف وتتوضح حقيقية التهديدات الإسرائيلية، كما قال لـ "روزنة".

ووفق مسح جرى إجراؤه على اللاجئين السوريين في مختلف أنحاء المنطقة، قال 27% ممن أجابوا على استطلاعات المفوضية أنهم ينوون العودة إلى ديارهم خلال الأشهر الاثني عشر المقبلة ــ وهي زيادة حادة مقارنة بنسبة 1.7% فقط ممن أجروا استطلاعاً مماثلاً وقالوا نفس الشيء قبل سقوط النظام.

وذكرت تقرير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، في شباط/فبراير الفائت، أنه على الرغم من الرغبة المتزايدة في العودة، تشير نتائج المسح إلى أن حوالي ثلاثة أرباع اللاجئين السوريين ليس لديهم حالياً أي خطط للعودة إلى ديارهم في العام المقبل وأنهم ينتظرون لمعرفة كيف ستكون الأمور. وهناك حالياً 5.5 مليون لاجئ سوري يعيشون في تركيا ولبنان والأردن والعراق ومصر.

أزمة سكن

تعاني درعا من أزمة سكن وارتفاع أسعار الإيجارات، ما صعب الوضع المعيشي على العائدين، إذ وصلت نسبة من وجد منزله صالحا للسكن 50% من العائدين تقريبا، وفق تقرير للجزيرة نت.

وبحسب التقرير، يحتاج العائدون من دول اللجوء إلى درعا إلى أكثر من 6 آلاف منزل لتجاوز أزمة السكن، لأن العائلة التي خرجت من سوريا في 2012 أصبحت اليوم عائلتين أو ثلاث بعد زواج أبنائها.

وقدرت مفوضية اللاجئين أن نحو 720 ألف سوري عادوا من الدول المجاورة لسوريا بين كانون أول/ديسمبر 2024 ونهاية شهر تموز/يوليو 2025.

توقف إعادة البناء والعمران

لم تقتصر أحداث السويداء التي وقعت في منتصف تموز/يوليو الفائت على المحافظة وحدها، إنما وصلت تأثيراتها إلى درعا التي توقفت فيها حركة العمران والبناء، وباتت "أغلب الناس متخوّفة من سيناريوهات سيّئة تُرسم للمنطقة"، وفق ما قال عدد من سكان درعا لـ "روزنة".

أحمد وهو واحد من هؤلاء السكان قال: "خسرت الناس بيوتها وأملاكها في فترة الحرب وعادت من جديد لترميمها وإعادة بنائها لكن لا قدرة لها اليوم"، خصوصاً في ظل التخوف من اندلاع حرب إسرائيليّة - سوريّة، على حد قوله، واستمرار التوترات في السويداء.

وأضاف في حديثه لـ "روزنة"، أن أغلب السكان بدأوا بالتراجع عن فكرة إعادة الإعمار والبناء أو حتّى ترميم بيوتهم، "توقفت حركة البناء مؤقّتاً بعد أحداث السويداء".

أما غسّان، وهو تاجر اسمنت وحديد ومواد بناء، فقال: "إنّ الطلب على تلك المواد تراجع منذ بدء أحداث السويداء والنزاعات الحاصلة في المنطقة ونتيجة تخوّف الأهالي من زيادة التصعيد والتدخّل الإسرائيلي المستمر الذي ينذر بخطر أكبر إن استمرّ على هذا المنوال".

وعليه، فأنّ وتيرة عودة السوريين من دول اللجوء لا تزال بحدودها الدنيا، لأسباب عديدة بينها المخاطر أمنية، وأخرى اقتصادية.

"إسرائيل": توسع الشرخ

رغم انسحاب قوات الحكومة الانتقالية من السويداء، وتوقف القتال، يرى كثيرون أنّ التدخّل الإسرائيلي زاد من توتّر المنطقة وفتح الباب لتوسع الشرخ بين شرائح المجتمع التي كانت قبل فترة قصيرة تعيش مع بعضها دون نزاع وإن اختلفت في بعض الأحيان لكنها لم تصل إلى ما وصلت إليه الأمور من سوء.

وحول تأثير التدخل الإسرائيلي على الوضع في الجنوب، يرى موسى الزعبي المختص في الشأن السياسي والباحث بتطور المجتمع المدني، أنّ سيكولوجية الجماهير والشعوب تتأثّر بالخبر السلبي أكثر من الإيجابي.

كما أنّ المنطقة في الجنوب تعرّضت لانتكاسات ومآسي فأصابها اليأس في مرحلة ما ولم تعد تواكب أي خبر إيجابي وفي المقابل تستقطب أي خبر سلبي، وفق الزعبي.

هذا الواقع السياسي غير المستقر أثّر على الجانب الاقتصادي، إذ لا استقرار سياسي بدون استقرار اقتصادي ولا استقرار اقتصادي بدون استقرار أمني، وفق الزعبي، مشيراً إلى أن الجنوب يعاني من ضعف الاستقرار الأمني الداخلي والتهديدات الخارجية.

أما علي حلاق، مدير مؤسسة 2020 IDEA فأكّد أنّه عند تعرّض المنطقة لقصف وتهديدات خارجية فمن الطبيعي أن تترك تأثيرات اقتصاديّة مباشرة وغير مباشرة، إذ تتأثّر الطرقات والبنية التحتيّة والمباني العامّة والخاصة وتصبح النظرة الاستثماريّة الاقتصاديّة إلى هذه المناطق سلبيّة وفيها ترقّب وخوف من قبل أي شخص ينوي الاستثمار في المنطقة.

لكن يبقى ذلك التأثير محدود ويرتبط بمدى التطمينات وتحسّن الظروف لتعود العجلة الاقتصادية في المنطقة لطبيعتها، وفق ما يعتقد حلاق.

وتختلف أراء كثيرين من سكان درعا حول عودة المهجرين واللاجئين وتنحصر بين القلق والإصرار على التعافي من حرب دامت 14 عاماً، ويعتقد أيهم من سكان درعا أن تدخّل إسرائيل شبه اليومي بالجنوب السوري يؤدي إلى خوف رجال الأعمال والمستثمرين من الاستثمار في الجنوب، وهذا سينعكس سلباً ويؤدي إلى زيادة البطالة وتريث الراغبين في العودة.

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض