تقارير وتحقيقات | 27 08 2025
روزنة
تشهد اللاذقية منذ بداية العام 2025 إعلانات دورية على وسائل التواصل الاجتماعي عن اختفاء فتيات قاصرات ونساء، يظهر بعضهن بعد العودة مبررات مختلفة، مثل السفر إلى محافظة أخرى أو العمل، لتفسير اختفائهن.
لكن خلف هذه المبررات، توثق شهادات ناشطات ومصادر محلية حالات خطف وتهديد بالعنف الجسدي، ما يشير إلى أن الظاهرة أكبر وأخطر مما يظهر علنًا، بسبب الوصمة الاجتماعية التي تمنع بعض العائلات من الإعلان المبكر عن الفقدان.
في المقابل، لم تتبلغ لجنة التحقيق في أحداث الساحل السوري المشكلة بقرار من رئيس المرحلة الانتقالية عن حالات اختطاف نساء، بينما دعت منظمة العفو الدولية السلطات السورية إلى التحقيق ومحاسبة الجناة.وكانت لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بسوريا التابعة للأمم المتحدة أعلنت في تقرير لها، أنها "وثّقت 6 عمليات خطف ست نساء علويات على الأقل من قبل مجهولين"، مشيرة في الوقت ذاته الى تلقّيها "تقارير موثوقة عن المزيد من عمليات الاختطاف".
كما وثقت وكالات الأنباء العالمية خطف النساء والفتيات على خلفية طائفية، منها رويترز، وفرانس24 وصحيفة لوفيجارو الفرنسية، التي وصفت اختطاف وتعذيب وتزويج النساء العلويات وخاصة القاصرات عملية ممنهجة، وحددت دور السلطة بين "تواطئ صريح أو صمت مريب"، كما نشرت مجلة THE National.
وفق ناشطين تحدثوا لـ "روزنة"، بلغ عدد النساء والفتيات المفقودات اللواتي تم إحصاؤهن منذ بداية العام أكثر من مئة مخطوفة، بينهن عائدات وغير عائدات، والكثيرات ثبت خطفهن وتعرضهن لاعتداءات جسدية.
خروج برفقة الأهل
تلقت هيا (29 عاماً) تقيم في ريف اللاذقية، الكثير من الرسائل على تطبيق واتساب من حسابات سورية، تضع صور لرجال بلحى طويلة وزي يشبه مقاتلي الفصائل. تقول: "أخطأتُ في المرة الأولى ورددت على اتصال من رقم غريب وأغلقت الخط بعد أن عرفت أنّ غرضه التسلية وحظرته".
لكن بعد ذلك، انهالت عليها الاتصالات ورسائل الواتساب، وتتوقع هيا أنهم حصلوا على الرقم من أجهزة أقربائها الذين قُتلوا وخُطفوا وسُرقت ممتلكاتهم بما فيها الهواتف المحمولة في إحدى قرى اللاذقية، التي شهدت مجزرة راح ضحيتها العشرات في آذار/مارس الماضي.
نتيجة ذلك، أصبحت تخاف الخروج من منزلها وحدها، ما دفع والدها أو شقيقها أحياناً للخروج معها، وقد عبرت الشابة عن استيائها من التعليقات الكثيرة على منشورات اختفاء الفتيات بالساحل، ومنها المطالبة بعدم خروج الفتاة وحدها من المنزل تحت أي ظرف، "نحن طالبات جامعة، موظفات، قد يستطيع والدي إيصالي مرة أو مرتين وليس كل يوم، كما قالت لـ "روزنة".
ليست هيا، حالة فريدة، إنما تتشابه قصتها مع بشرى (36 عاماً) وهي موظفة حكومية في اللاذقية، يضطر زوجها لمرافقتها صباحاً إلى العمل، وإرجاعها ظهراً إلى المنزل، "هذا يتعبه جداً، لكنه يخبرني أنه يرتاح نفسياً"، كما قالت لـ "روزنة"، وسط شعورها بعدم الراحة بسبب أنّ مرافقة زوجها لها تشكل عبء على العائلة.
جهاز صاعق
أما نعمة (29 عاماً) فـ لجأت إلى طرق أخرى لمنع الاختطاف، إذ استلمت من شقيقتها في لبنان جهاز صعق كهربائي محمول، مع ثلاث أجهزة أخرى وزعتها على قريباتها، "لكني لم أحمله معي، يشعرني بالخوف، يذكرني بالخطر الدائم، وأنّ هنالك من ينتظر الفرصة ليخطفني"، قالت لـ "روزنة".
ودفع تكرار حالات الخطف التي تظهر فيما بعد على أنها هروب من الزوج أو العائلة أو الوضع الاقتصادي، نساء في الساحل لنشر منشورات على صفحاتهن الشخصية بموقع فيسبوك، تقول: "إن رأيتموني يوماً في مقطع فيديو، أقول أنني تركت زوجي وأطفالي لأهرب مع عشيقي، فاعلموا أنّ هنالك من يضع المسدس في رأسي".
ملابس واسعة وحجاب
اضطرت ثناء (27 عاماً) من طرطوس للتخلي عن ملابسها المعتادة، واشترت أخرى فضفاضة استعداداً لهذا الصيف، رغم ذلك بادرها أحد رجال الأمن العام الذي يحرس الباب الخارجي لأحد المؤسسات الحكومية، بالقول "استغفر الله العظيم، الله ينجينا"، لأنها لا ترتدي الحجاب، لذلك فضلت أن تسلك طريقاً آخر إلى عملها، "بصير طريقي أطول، بس بحس بالراحة أكثر، بشع شعور أنك مراقبة"، قالت.
كما لجأت الكثيرات إلى ارتداء حجاب الرأس تجنباً للمضايقات والخطف، إذ تروي هدى عن والدتها الخمسينية حين اضطرت للسفر من اللاذقية إلى حمص لاستخراج أوراق ضرورية، أنها اشترت حجاب للرأس وارتدته خلال سفرها تجنباً لأي مضايقات أو حادث غير متوقع.
لكن، ليس دائماً يكون الحجاب وسيلة حماية، إذ اختُطفت الطالبة الجامعية ولاء أيمن إسماعيل المقيمة في الشيخ بدر في ريف طرطوس، مساء الثلاثاء 27 أيار/مايو الفائت بالقرب من السكن الجامعي في حمص، رغم أنها كانت ترتدي الحجاب في الجامعة لإخفاء انتمائها الطائفي، وتلقت العائلة اتصالاً من مجهولين طلبوا فدية مالية قدرها 15 ألف دولار لإطلاق سراحها، وعادت في اليوم التالي.
كذلك، اختطفت فتيات محجبات مثل صباح معراتي في طرطوس، وحنين القاسم من حلب، وهيفاء انس الحمصي في دمشق.

كراجات اللاذقية
"بخاف يخطفوها"
جماليا (14 عاماً) من اللاذقية تحكي عن تغير نمط حياتها بعد تكرار حالات فقدان واختطاف النساء، وتقول: "ما بسترجي اطلع مشوار مع بنتي، بخاف من سيناريو توقف سيارة وتاخدها مني وما اقدر اعمل شي، حتى عالدكان اللي براس الحارة ما بخليها تروح لحالها".
تعاني جماليا من مطالبات طفلتها بنشاطاتها الصيفية المعتادة، وتطالب بتفسيرات وأسباب وسط عجز أمها عن إخبارها بالأسباب الحقيقية، وتنتظر وقت فراغ زوجها حتى "يرافقنا إلى مكان قريب، ومع ذلك أكون خائفة".
لم تترك جماليا وظيفتها، مع أنّ عملها في منطقة بعيدة عن سكنها، إذ تذهب مع زميلاتها ضمن مجموعات. وتقول: "عايشين بسجن، وقت خروجي بحاول كون قريبة من الرصيف وبعيدة عن الشارع، لا أخذ تكسي، وفي حال الاضطرار أطلب تكسي أعرف صاحبها ولو اضطريت لأن أدفع أكثر".
وتضيف، أن قريبة زوجها تعرضت لمحاولة اختطاف على طريق إحدى أحياء اللاذقية، لكن وزنها الزائد وصراخها المرتفع أفشل محاولة الاختطاف.
وفي السياق، أكد المرصد السوري لحقوق الإنسان في 10 آب 2025، أن فتاة تعرضت لمحاولة اختطاف أثناء تواجدها مع والدتها في شارع مجاور لمقر للأمن العام، حيث حاول مجهولون سحب الفتاة إلى داخل سيارة، لكنها نجحت في الإفلات والهرب.
تبقى قضية خطف النساء في الساحل رم الاختلاف حول حجم الظاهرة تلقي بظلالها على حياة النساء هناك، وسط مطالبات المجتمع المحلي بضرورة ضبط الأمن وتوفير الحد الأدنى من الآمان الذي افتقدته المنطقة بعد ما حدث في آذار/مارس الفائت من أعمال قتل وعنف اعتبرها لجنة لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة بشأن سوريا أنها قد ترقى "لجرائم حرب".