تقارير وتحقيقات | 22 08 2025
روزنة
يستمر تفاعل الفنانين السوريين مع القرار الصادر من عميد كلية الفنون الجميلة بدمشق، قبل أسبوع، والذي يقضي بعدم السماح بتشكيل أعمال تتعلق بالموديل العاري في أعمال النحت والتصوير والحفر، وسط جدل حول تفسير القرار وأسباب إصداره في الوقت الحالي.
القرار الذي حمل توقيع عميد الكلية فؤاد دحدوح وأشار إلى كتاب موجه من معاون وزير التعليم العالي، طالب بمتابعة أعمال التخرج والإشراف عليها "بما يتماهى مع ثوابتنا الأخلاقية والمجتمعية"، ومنع تشكيل أعمال تتعلق بالموديل العاري.
وفور تداول القرار على مواقع التواصل الاجتماعي، أثيرت موجة جدل واستنكار وغضب واسعة بين الطلاب والخريجين القدامى والفنانين التشكيليين إضافة لناشطين في مجال الدفاع عن الحريات وحقوق الإنسان.

أربعة نماذج عارية في الستينات
يقول الفنان التشكيلي أسعد عرابي وجود أربعة نماذج عارية على الأقل، وفق ما جاء في حوار له مع مجلة "جهة الشعر".
ولكن، منذ العام 1974 صدر قرار يقضي بمنع الموديل العاري في الكلية، وحسب شهادات متداولة لطلبة سابقين أكدوا صحة المعلومة، كما صرح العميد فؤاد دحدود لصحيفة "العربي الجديد" أن القرار الجديد يؤكد على القديم "ولا نأتي بجديد".
في لقاء مع جريدة الأخبار سنة 2016 الفنان يوسف عبدلكي، يجيب على سؤال: "ماذا يفعل رسام سوري في غياب موديله؟"، أن الموجة المحافظة "التي اجتاحت المجتمع العربي، منذ نهاية سبعينيات القرن المنصرم، منعت الموديل في أروقة كليات الفنون سواءً في بغداد أو دمشق أو القاهرة".
وأدى المنع في السبعينات، حسب "عبدلكي"، إلى "غياب المنهجية في رسم الموديل (العاري)، إذ لم يعد متاحاً للتشكيلي العربي أن يرسم الجسد تشريحياً، وفي المقابل لا يمكن الركون إلى هذا الغياب"، ويتحدث عن سبع موديلات تعاقبن على الحضور لمرسمه لإنجاز 28 عملاً بقلم الفحم تمثل الجسد.
وصدر قرار بتحويل معهد الفنون الجميلة إلى كلية تتبع جامعة دمشق والحق قسم العمارة بالمعهد بالكليات الهندسية في عام سنة 1963.
ما سبق يتقاطع مع تبريرات عميد الكلية فؤاد دحدوح في تفسيره للقرار الأخير، لكن فنّانين تشكيليين استغربوا من الحديث عن وجود موديل عارٍ في الكلية، التي لا تتضمن أساساً أي موديل من هذا النوع، بل يقتصر الأمر على ما يُعرف بمصطلح 'التجسيد'، أي أن المنع يشمل الرسم والنحت والتصوير الفني لأي هيئة بشرية عارية، وفق تفسيرهم.
بينما يدرس ويتدرب الطلبة على رسم التماثيل النحتية المنسخوة عن تماثيل مشهورة مثل تمثال رامي القرص، وفينوس.

"في مطلع الثمانينيات في لبنان، استبدل معهد الفنون الجميلة في أحد فروعه الموديل العاري بـ'الموديل شبه العاري'. كما تُثار بين الحين والآخر قضية منع الموديل العاري منذ عام 1976 في كلية الفنون الجميلة في مصر، التي تأسست في مطلع القرن الماضي.
اعتراض طلابي
صدر بيان حول قرار كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق، جرى تداوله إلكترونياً باسم "الحراك الطلابي"، واعتبر المنع "انتهاكاً صريحاً للحرية الأكاديمية، ومساساً باستقلال المناهج، وتشويهاً لبنية العملية التعليمية ذاتها"، وفق تعبيره.
ولم تُعرّف الجهة التي أصدرت البيان عن نفسها، لكنها طالبت بالتراجع الفوري عن القرار، والاعتذار العلني من وزارة التعليم والكلية، وتقديم إثبات من كلية التربية والتعليم على التزامها العلني بضمان استقلالية وحرية المؤسسات الأكاديمية، "بوصف ذلك مبدأ غير قابل للتفاوض".
وأكد البيان أن "الجامعة فضاء مستقل لا وصاية عليه، والمناهج التعليمية ليست مجالاً للقرارات التعسفية أو التهديد بالعقوبات، بل مسار معرفي يملكه طلابها وأساتذتها".

فنانون يهاجمون
في تعليق مقتضب للفنان عاصم الباشا، كتب منشوراً على حسابه في فايسبوك، الاثنين الماضي، قال فيه: "جوابًا لما سبّب من جدال منع العري في الفن التشكيلي وبإيجاز :لا يرى في العري عيبًا سوى ذلك الذي يحدّد مفهوم الشرف في الفرج ولا يعرف ما هو الشرف الحقيقي. نقطة".

"أما الفنان ياسر صافي، فقد نشر أمس الخميس عبر حسابه على فيسبوك بيانًا باسم تجمع التشكيليين السوريين المستقلين، عبّر فيه عن رفضهم التعدي على الأصول التعليمية واستنكارهم لحظر رسم الموديل في كلية الفنون، معتبرين القرار الأخير 'اعتداءً على حرية الفنانين طلابًا وأساتذة ومحترفين (...)."
وأضاف البيان: "المسألة أكبر من مسألة الموديل العاري، ومن المؤسسة الجامعية برمّتها، إذ تطال المنهج والسلوك العام بأكمله (...)'، واصفًا ما جرى بأنه *'تعدٍ على حرية الإبداع وعلى الحرية عموماً."

بدوره، رأى الفنان علاء حمامة أن القرار لم يكن مفاجئًا بل متوقعًا، مضيفًا: "المؤلم أن لحظة قراءته أعادت إلى ذهني مباشرة مشاهد من رواية خالد حسيني ألف شمس ساطعة، تلك التي صوّرت كيف يمكن لجملة قرارات 'أخلاقية' أن تتحوّل تدريجيًا إلى منظومة قمع شامل تحاصر الفن والحياة اليومية".
مجهول من "الداخلية" في الكلية!
في تقرير مصوّر نشرته منصة "الجمهورية.نت" عبر إنستغرام، ظهر رجل مجهول خلال مقابلة مع عميد الكلية فؤاد دحدوح، الذي قال: "لم يحدث أي تغيير في الكلية منذ سقوط النظام"، مشيراً إلى الشخص الحاضر بالقول: "ليكو ليكو، هاد أحد الأشخاص من الحكومة الجديدة. دائماً بيجي لعنا، منوّر".
موقع الجمهورية قال أن الرجل مرسل من وزارة الداخلية.
لاحقًا، تحدث الرجل عن "العادات والتقاليد" في سوريا التي ـ بحسب قوله ـ تفرض "الحشمة" وليس الدين، مضيفاً أن الأمر لا يقتصر على النساء المسلمات بل إن مظاهره موجودة أيضاً في الغرب.
بين جدل الرفض وتأييد البعض، التقى مراسل روزنة برئيسة قسم النحت في ممرات الكلية، التي قالت ببساطة: 'الأمر انتهى دون أي إضافات'.