تقارير وتحقيقات | 20 08 2025
حبيب شحادة
خرجت مظاهرات في حي الصالحين بحلب خلال الأيام الفائتة تطالب بحماية المنتج الوطني (صناعة الأحذية والألبسة) وطالب أصحاب ورش الأحذية والألبسة خلال احتجاجهم بوقف أو ضبط استيراد البضائع الصينية التي تسبّبت "بكساد البضائع الوطنية" حسب قولهم.
وطالب المحتجون بضرورة تقييد الاستيراد لحماية الصناعة المحلية والإبقاء على فرص العمل التي توفرها ورشات صناعة الأحذية. "نطالب بإعادة النظر بقرار الاستيراد عبر غرفة الصناعة واتحاد الحرفيين"، كما قال لـ "روزنة" الصناعي محمود حجار، واصفاً القرار بـ "الجائر"، إلا في حال جرى ضبط التعرفة الجمركية التي تحمي المنتج الوطني.
وبعد أيام من هذه التظاهرات، أصدر وزير الاقتصاد نضال الشعار قراراً سمح بموجبه باستيراد الألبسة الجلدية الجاهزة والأحذية الأجنبية ابتداءً من مطلع أيلول/سبتمبر المقبل، وذلك وفق شروط محددة.

وبحسب القرار الصادر عن الوزارة يوم الأحد 17 آب/أغسطس الجاري، يشترط أن تحمل كل قطعة مستوردة ختمًا نافراً يوضح بلد المنشأ واسم الشركة المصنعة، على أن يتم تطبيق هذه الضوابط الجديدة بشكل إلزامي اعتباراً من الأول من تشرين الأول/ديسمبر القادم.
ورش متعثرة
قال تجار أحذية بحلب لـ "روزنة" إنّ هناك أكثر من 700 معمل أحذية متعثر بسبب البضائع المستوردة، بينما أكدت الوزارة أن هدف القرار تنظيم حركة الاستيراد وحماية المستهلك من البضائع المجهولة المصدر، وضمان مطابقة المستوردات للمواصفات القياسية السورية.
وبحسب معاون وزير الاقتصاد لشؤون الصناعة محمد ياسين حورية، فإن قرار الوزارة يهدف أيضاً إلى دعم الصناعة السورية ورفع مستوى القدرة التنافسية بين المنتج المحلي والمستورد، مع المحافظة على سعر عادل ومتوازن يراعي مصلحة المواطن بحيث يتمكن من اختيار المنتج الذي يلبي حاجاته وفق الجودة والمواصفات المحلية وبسعر مناسب.
وقال حورية لـ "روزنة" "إن هذه السياسات لا تعني العودة إلى الاقتصاد المغلق الذي يقيّد الاستيراد بشكل كبير ويفرض على المواطن خيارات محدودة، بل تسعى إلى خلق توازن يضمن استمرار الإنتاج المحلي ويحمي السوق من الاحتكار، مع توفير حرية الاختيار للمستهلك ضمن بيئة تنافسية عادلة".
معاناة الورش
محمد حجي، وهو صاحب ورشة أحذية بحلب قال لـ "روزنة" إن معمله يعمل "بالحد الأدنى منذ أشهر، ما دفعه للتخلي عن أكثر من نصف العاملين لديه". مرجعاً ذلك لارتفاع كلف الإنتاج وقلة البيع بذات الوقت، وتفضيل الزبون للمنتج الأجنبي على الصناعة الوطنية.
وأوضح في حديثه أن أسعار المواد الداخلة بصناعة الأحذية مرتفعة وتباع بالدولار الأمريكي، عدا عن عدم توفر الكهرباء واضطراره للاشتراك بالأمبيرات وهذه كلها كلف إضافية ترفع سعر المنتج الوطني، وفق تعبيره.
ورغم كل تلك المشاكل التي تعاني منها صناعة الأحذية، وفق ما قال الحجي، إلا أن السبب الرئيسي في تضرر أغلب صناعيي الأحذية يعود للبضائع الصينية المستوردة ذات الجودة الجيدة والتي أفقدت الصناعة الوطنية قدرتها على المنافسة.

الحجي، هو واحد من أكثر من 7 آلاف صاحب ورشة أحذية بحلب تعرض للخسارة نتيجة دخول البضائع الصينية وغيرها إلى السوق المحلية.
كان يتمنى الحجي أن يكون قرار وزارة الاقتصاد مستند إلى احتجاجات أصحاب الورش التي "لم تعطي نتيجة"، وفق قوله، مردفاً أن الوزارة اتخذت قرار مخالف لمطالب الصناعيين الذين كانوا يأملون إنصافهم من خلال توفير الكهرباء والمواد الأولية ووقف الاستيراد.
في المقابل، بررت وزارة الاقتصاد عبر الإدارة العامة للصناعة اتخاذ القرار بناءً على مطالب الصناعيين، وفق قال محمد ياسين حورية معاون وزير الاقتصاد لشؤون الصناعة لـ "روزنة"، مضيفاً أن الإدارة العامة للصناعة استقبلت طلبات عدد من الصناعيين في قطاع الأحذية والتي تتضمن تنفيذ إجراءات تضمن استمرار عملهم وحماية إنتاجهم المحلي.
ويرى الصناعي حجار أن المشكلة تكمن في انفلاش الاستيراد، إذ أصبح السوق السوري "مكب لحاويات الاستيراد وتصافي الشركات"، وفق تعبيره. مردفاً أن السوق أغرق بالبضاعة المهربة ما خلق أزمة بطالة.
وختم حديثه لـ "روزنة"، بأن أصحاب الورش ضد القرار ويطالبون بتعديله أو إلغائه.

ورش جديدة
قالت مصادر محلية من حلب لـ "روزنة" إنّ هناك أصحاب ورش قدموا من تركيا بمكنات جديدة وحديثة وأفكار جديدة يعملون ويبيعون، مضيفةً، أن هناك بعض الدخلاء على المصلحة، "ما عم تنباع بضاعتن"، وهو ما دفعهم للاحتجاج والتحجج بالاستيراد كمشكلة رئيسية تواجه قطاع صناعة الأحذية.
كذلك، وبحسب مصادر "روزنة"، فإنّ أصحاب ورش الأحذية يضيفون ربح زائد على البضاعة بحجة الأمبير رغم أن معظم الورشات لديها طاقة شمسية، وأغلب الورشات لم تخفض سعر القطعة رغم هبوط الدولار بذريعة شراء الجلود وغيرها من المواد الأولية بالدولار بوقت سابق لسقوط النظام.
تعليقاً على ذلك، يرى حجار بأن هذه الورش القادمة من تركيا لديها خبرات وآلات جديدة، ما يسرع خطوط الإنتاج، لكن يبقى المطلوب من الحكومة توفير حماية للمنتج الوطني.

حماية من الإغراق
تهدف سياسة الوزارة بحسب معاون وزير الاقتصاد حورية إلى حماية المنتج المحلي من الإغراق ومن المنافسة غير المشروعة لذلك أصدرت قرار السماح باستيراد الأحذية.
وأكد، حورية أن الوزارة درست واقع قطاع الأحذية والألبسة الجلدية، من خلال جولات ميدانية على عدد من المصانع والأسواق، وجمعت البيانات وحللتها وقارنتها مع أسعار المنتجات المستوردة وخرجت بضرورة تقييد الاستيراد الخارجي من خلال إلزام المنتجات المستوردة بالمطابقة للمواصفات القياسية السورية.
كما اشترطت الوزارة، وفق حورية، أن تكون هذه المنتجات معلومة المصدر والجهة الصانعة، منعاً لدخول بضائع مجهولة أو مخالفة للمواصفات قد تسبب اضطراباً في السوق الداخلي وتؤدي إلى إضعاف الصناعة الوطنية.
وقال: يجب تطبيق سياسات حمائية تعوّض الفارق في تكاليف الإنتاج (خصوصا الطاقة) بين الداخل والخارج من خلال فرض رسوم جمركية حمائية على المنتجات الجاهزة المستوردة.
وهكذا تستمر معاناة أغلب أصحاب الورش من التكاليف العالية للاستمرار بعملهم مقابل قلة في المبيعات وزاد من معاناتهم إصدار وزارة الاقتصاد قرارات غير متناسبة مع حماية مصلحتهم، وفق تعبيرهم، بينما يرى آخرون أن البضائع الصينية تسببت في كساد الصناعة الوطنية.
وتعد صناعة الأحذية من المهن التقليدية التي اشتهرت بها حلب لعقود، وكانت تؤمن مصدر رزق لآلاف العائلات، قبل أن تتضرر بنسب كبيرة خلال الـ 14 سنة الفائتة، وزاد من تضررها سياسات الحكومة الانتقالية ومنها القرار الأخير المتعلق بالسماح باستيراد الأحذية.