تقارير وتحقيقات | 19 08 2025
محمد الحاج
في تطور غير مسبوق، تسلل إسرائيليون من حركة استيطانية ناشئة يرافقهم أطفالهم إلى سوريا، بهدف إنشاء بؤرة استيطانية تقع في المنطقة منزوعة السلاح بمحافظة القنيطرة، تسيطر عليها حالياً قوات الاحتلال الإسرائيلي، بالجهة المقابلة لمستوطنة تقطنها العائلات المتسللة في الجولان المحتل.
وعبرت عائلات يُرجح ارتباطها بأيديولوجيا يمينية متطرفة عبرت نحو الأراضي السورية، أمس الاثنين، قبيل دخول قوات الاحتلال الإسرائيلي ونقلهم إلى الجولان المحتل للاستجواب، ما أثار موجة غضب واستنكار وصدمة بين السوريين عبر مواقع تواصل، في ظل غياب أي تصريح رسمي سوري أو إسرائيلي.
نقدم في المادة أسئلة وأجوبة حول حادثة عبور المستوطنين إلى شرقي الخط ألفا ضمن المنطقة منزوعة السلاح داخل الأراضي السورية، بموجب اتفاق 1974 الذي يمنع تواجد أي قوة عسكرية فيها إلا لقوات "الأندوف" الأممية.
أولاً.. ما تفاصيل العبور؟
تسللت مجموعة من العائلات، يقدر عددهم حسب مقطع مصور بنحو 4 رجال و4 نساء رفقة قرابة 10 أطفال ويافعين، نصبوا لافتة تهدف لإنشاء مستوطنة جديدة تسمى بـ"نيفي هاباشان" حسب زعمهم، إضافة لتثبيت عائلة لصورة ابنهم، وهو جندي إسرائيلي قتل قبل سنوات، اسمه يهودا درور يهلوم.
وبقيت العائلات قرابة ثلاثين إلى أربعين دقيقة، إلا أن تلقت الفرقة 210 التابعة لجيش الاحتلال بلاغاً بعبورهم إلى الأراضي السورية، لتهرع إلى مكان تواجدهم وتقتادهم للتحقيق من قبل الشرطة، حسب وسائل إعلام إسرائيلية.
وأظهر مقطع مصور، نشره موقع "القناة السابعة" الإخباري، تثبيت لافتة كتب عليها "نفيه هاريشون" بالعبرية، ما يعني حسب الترجمة الآلية بـ"المسكن الأول" أو "الاستيطان الأول"، كما عقدت حلقات رقص وسط ترديد أهازيج وتصفيق الآخرين وحمل أعلام الاحتلال، بعد تثبيت اللافتتين ووضع الزهور حول إحداها.
واعتبر ناطق باسم جيش الاحتلال (لم يسمه الموقع الإخباري) أن "الحادث خطير، يشكل مخالفة جنائية ويعرض الجمهور وقوات الجيش الإسرائيلي للخطر".
ما الذي يريدونه؟
ينضوي المتسللون ضمن حركة استيطانية ناشئة تطلق على نفسها اسم "حالوتسي هابشان" وتعني بالعربية "رواد هابشان" وهي حركة مكونة من بضع عائلات متعصبة تقطن مستوطنات في الجولان المحتل محاذية للمنطقة العازلة.
وتسعى الحركة لإنشاء مستوطنات داخل الأراضي السورية، بالاستناد إلى ادعاءات تاريخية يؤمنون بها.
وقالت عضو الحركة "ليا شيفر" إن المبادرة حضر لها خلال الأشهر الماضية، إذ ترى حسب زعمها أنه "من وجهة نظر أمنية، من المهم التقدم نحو الحدود"، واصفة الإدارة السورية الجديدة بـ"نظام الجولاني الإرهابي"، ما قد يسمح بتكرار "سيناريو 7 أكتوبر بسهولة" ما لم يسيطروا على المناطق، وفق قولها.
وزعمت أيضاً: "هذه أرض أجدادنا، أرض سبط منسى، إقليم هباشات. سكنا هنا في زمن الملك داود وحتى خلال الهيكل الثاني، ولا تزال هناك آثار يهودية من تلك الفترات".
ونشر أعضاء الحركة في مجموعة خاصة على واتساب، مزاعم الأشخاص المتسللين إلى سوريا، عبر ادعائهم: "هباشان أرض أجدادنا. نرى هنا المساحات الفارغة من أرضنا التي تدعونا للعودة والاستيطان فيها. ندعو حكومة إسرائيل لطرد العدو من كل أرجاء هباشان والسماح للروّاد بالاستقرار فيها".
إلى أين تسلل المستوطنون وأطفالهم؟
قالت عضو الحركة "ليا شيفر" إنهم دخلوا أقل من كيلومتر واحد عن السياج الحدودي، مضيفة أن "الجيش (الإسرائيلي) يسيطر على المنطقة والسياج كان مفتوحًا بالكامل"، فيما نقلت مواقع إعلامية إسرائيلية أن العبور كان مقابل مستوطنة "ألون هابشان" في الجولان المحتل.
وظهر في التقرير المصور الذي بثه موقع "القناة السابعة" تواجد العائلة قرب طريق ترابي رفعت أمامه سواتر ترابية، على بعد مئات الأمتار القليلة من السياج الحدودي، كما يوضح مقطع آخر وجود فتحة في السياج عرضها بضعة أمتار.

وحسب الخرائط، تقع بلدة بريقة ضمن المنطقة معزولة السلاح في القنيطرة، في الجهة المباشرة مقابل مستوطنة "ألوني هاباشان" في الجولان المحتل.

وبنيت مستوطنة "ألوني هبشان" على أنقاض قرية الجويزة العربية، بين عامي 1980 و1982، بتبعية لحزب "المفدال" المتدين.
ويقطن المستوطنة متدينون متعصبون يهود يعتمدون على الزراعة والسياحة، قدر عددهم بـ 160 مستوطناً حسب إحصاء في 2002 ونحو 250 قبل سنوات، حسب مقال لموقع ثقافي فلسطيني، اقتبس من كتاب "المستوطنات الصهيونية في الجولان العربية" لمحمد محفوظ جابر.
ما أهدافهم الاستيطانية؟
قال أحد "قادة" حركة "رواد باشان، عاموس أزاريا، إن الاتفاق بعد سقوط النظام السوري السابق لم يعد ساري المفعول حسب تصريح لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مضيفاً: "المنطقة حاليا تحت السيطرة الإسرائيلية، لذلك من الصعب تسميتها أرضا سورية".
واعتبر في لقاء اليوم الثلاثاء مع " القناة السابعة"، أن الأراضي التي تسللوا إليها "شغلت بدماء جنودنا" في حرب 1974، متحدثاً عن مساعيهم الاستيطانية: "يجب اختراق السياج بالكامل ويجب أن تكون السيطرة في الحقل ، في عمق المنطقة. هذا ما سينقذنا سكان الجولان ودولة إسرائيل بشكل عام (...)".
وأضاف عضو الحركة المتطرفة، أن الاستيطان اليهودي في أرض إسرائيل يعمل وفق قوله بأن "تأتي، تستقر ، هناك مشاكل، تتراجع ولا تستسلم، وتستمر مرارا وتكرارا حتى تظهر في النهاية".
وتحدث عن "أرض باشان" معبراً عن ثقته باستيطان الإسرائيليين واحتلالهم لها، بقوله: "حتى لو استغرق الأمر عشرة أو 100 أو 1000 هجرة متكررة، في نهاية العملية، سيعود شعب إسرائيل للاستقرار في منطقة باشان. آمل في أقرب وقت ممكن"، وفق زعمه.
وهاجم الإدارة السورية الجديدة والرئيس السوري في المرحلة الانتقالية أحمد الشرع، محذراً أن هدفهم الوصول إلى القدس وقتل كل من هو ليس سني، وفق زعمه.
وخلال حديث عضو الحركة المتطرفة عن المساعي الاستيطانية لحركتهم الناشئة، قال: "ما حدث في المنطقة الحدودية (غزة) يمكن أن يحدث مرة أخرى في هضبة الجولان إذا لم نعود إلى رشدنا ولم نمضي قدما. يجب طرد جميع السنة من منطقة باشان".
وأشار من عرف عنه كـ"بروفيسور" في المقابلة، إلى طموح مستقبلي للاستيطان في "كل باشان" لكن "في الوقت الحالي يلزم ضم المنطقة العازلة"، وفق قوله.

ماذا يعني باشان؟
باشان، هو اسم ورد في التوراة يعني "الأرض السهلة الخصبة المثمرة"، يشير حسب السردية الإسرائيلية والمرويات إلى جنوبي سوريا، في منطقة تقع بين جبل العرب في السويداء شرقاً وهضبة الجولان غرباً ويحدها من الشمال جنوبي دمشق، أما في الجهة الجنوبية يحدها حسب زعمهم جلعاد الأردنية.
وبرز الاسم مجدداً، بعد سقوط النظام السوري السابق، إذ أطلق جيش الاحتلال اسم "سهم باشان" على العملية العسكرية التي دمر خلالها نحو 80 بالمئة من قدرات سوريا العسكرية، إضافة لتوغلها في القنيطرة وجبل الشيخ والمنطقة المعزولة.
ليست المرة الأولى.. في لبنان أيضاً!
يبدو بمقارنة الصور أن الحركة التي نفذها المستوطنون داخل سوريا، مستنسخة من حركة حملت اسم "يقظة الشمال" تسللت إلى جنوبي لبنان، يوم سقوط النظام السوري السابق في 8 كانون الأول/ديسمبر الماضي، حيث نصب المستوطنون خيامهم ورفعوا لافتات مشابهة عند بلدة مارون الراس.
ودخل المستوطنون حينها مع أطفال أيضاً، ورفعوا لافتة كتب عليها "لبنان لنا" وأخرى تحمل صورة ذات الجندي الإسرائيلي "يهودا يهلوم"، كما أطلقوا اسم "مي مروم" الذي يحمل الدلالات التاريخية حسب زعمهم، قبيل أن يعيدهم جيش الاحتلال.
وكشف جيش الاحتلال عن الحادثة بعد نحو أسبوعين من حصولها، بعد نفيها في البداية وقوله إن الصور التقطت داخل إسرائيل.
ونقل موقع "تايم أوف إسرائيل" إن المجموعة تسللت نحو كيلومتر أيضاً داخل لبنان بقيادة حركة "أوري تسافون"، وهي "منظمة صهيونية دينية عقدت مؤتمرات افتراضية تدعو إلى الاستيطان اليهودي في جنوب لبنان، في المناطق التي تدعي أنها تنتمي إلى الشعب اليهودي".
ونشر الموقع الإلكتروني لـ"يقظة الشمال" خبر عملية تسلل المستوطنين إلى سوريا، كما نشرت عنها في حسابها الذي يتابعه بضعة عشرات على منصة "اكس".

من هذا الجندي الذي رفعت صورته؟
يهودا درور يهلوم، هو رقيب في لواء غولاني قتل في أكتوبر الماضي مع أربعة جنود من جيش الاحتلال في معارك جنوب لبنان، استوطن مع عائلته في مدينة الخليل الفلسطينية، التي شهدت فرض قيود على الفلسطينيين خلال تشييع المستوطنين له.
وتنقل وكالة "الأناضول" عن مؤسس تجمع شباب ضد الاستيطان (غير حكومي) والناشط في متابعة الانتهاكات الإسرائيلية، الفلسطيني عيسى عمرو، إن "المستوطن القتيل كان معروفا باعتداءاته المتكررة على سكان حي تل الرميدة، بما في ذلك ضربهم، وتخريب ممتلكاتهم، أو سرقتها".
وفي آذار الماضي، دخل مستوطنون إسرائيليون إلى قبر العباد على أطراف قرية حولا جنوبي لبنان، تحت مسمى "زيارة دينية" نظمها جيش الاحتلال الإسرائيلي، حسب ما نشرت "الوكالة الوطنية للإعلام".
وشهدت الأشهر الماضية، توغلاً إسرائيلياً واسعاً جنوبي سوريا، مع ظهور للمتحدث الرسمي باسم جيش الاحتلال أفيخاي أدرعي في ريف دمشق قرب المنطقة العازلة، في ظل مباحثات إسرائيلية غير معلن عنها مع الإدارة السورية الجديدة.