تقارير وتحقيقات | 17 08 2025
حبيب شحادة
ما أن أعلنت محافظة حمص عن مشروع "بوليفارد النصر"، حتى بدء اعترض السكان في حي القرابيص وسط المدينة على المشروع، ما دفع بشركة "العمران الكويتية للتطوير والاستثمار العقاري"، للتراجع عن إعادة إعمار الحي المذكور نتيجة رفض السكان للمشروع وخوفهم من خسارة ملكياتهم.
وشهد حي القرابيص يوم الجمعة الفائتة احتجاجات على مشروع "بوليفارد النصر" من قبل سكان الحي وطالبوا بإيقاف المشروع ورفع المحتجون لافتات كتب عليها "لا للبوليفارد"، وهتفوا ضد المستثمر، مطالبين بتجميد المعاملات العقارية، في ثالث مظاهرة للحي منذ الإعلان عن المشروع.
ويقع حي القرابيص شمال مدينة حمص بالقرب من منطقة البساتين، ويعد هذا الحي عقدة مواصلات هامة في المدينة، وهو من الأحياء التي شهدت حراكاً شعبياً كبيراً مناهضاً لنظام بشار الأسد في الفترة 2011 وحتى الآن، وقد تعرض للكثير من القصف والتدمير نتيجة لذلك.
وفي 6 آب/أغسطس الجاري، وقع محافظ حمص، عبد الرحمن الأعمى مذكرة تفاهم استثمارية مع شركة العمران للتطوير والاستثمار العقاري، بحضور الرئيس الانتقالي أحمد الشرع في قصر الشعب بدمشق، ويسعى المشروع إلى "تحويل المدينة إلى بيئة حضرية منظمة، تحاكي المستقبل وتستجيب لتحديات الحاضر"، وفق ما ذكرت محافظة حمص في موقعها الرسمي.

ماذا يتضمن المشروع؟
يشمل مشروع "بوليفارد النصر" بحمص مناطق عدة منها: المصابغ، وسوق الهال، والقرابيص، وحديقة النصر، وسط المدينة، وهو أحد المشاريع الاستثمارية الـ12 التي جرى توقيع مذكرات تفاهم حولها مع عدد من الشركات الدولية. ويعالج المشروع وفق محافظ حمص، عبد الرحمن الأعمى، أزمة السكن من خلال إنشاء نحو 4500 وحدة سكنية، إضافة إلى مرافق خدمية وتجارية وسياحية.
وبحسب محافظة حمص، مشروع بوليفارد النصر في حمص هو المشروع الأول في طريق إعادة الإعمار والاستثمار العقاري المنظم.
وتفيد أنه من المتوقع أن تبدأ أعمال التنفيذ خلال الأشهر القادمة، وذلك بعد الانتهاء من تشكيل اللجان المختصة بتقييم الأضرار ومتابعة الإجراءات الميدانية اللازمة لبدء العمل على أرض الواقع. وتبلغ مدة إنجاز المشروع بالكامل وفق مذكرة التفاهم سبع سنوات كحد أقصى، على أن يتم التنفيذ وفق مراحل زمنية مدروسة تراعي الإمكانات وتتجنب الآثار السلبية على أي طرف.
اعتراض سكان القرابيص
أظهرت تسجيلات متداولة من حي القرابيص خروج مظاهرات رافضة للمشروع" نرفض هدم منازلنا من أجل المستثمر"، كما أوضح أحد المحتجين، وسط مطالبة المحتجين مستثمر مشروع "بوليفارد النصر"، رفاعي حمادي، بتقديم صورة واضحة للمشروع. بينما قال محتج آخر إنهم "لن يدخلوا في المشروع".
ومن بين البنود الخلافية بين الأهالي ومحافظة حمص والشركة المنفذة، وفق تلك المقاطع، قضية التعويض، التي تعادل 65 بالمئة فقط من مساحة المنزل الأصلي، على أنه لن تدفع أي فروقات سعرية للأهالي مقابل المساحة المفقودة. إضافةً إلى أن سكان الحي لن يعود إليه بعد الانتهاء من بنائه نتيجة التغيير الجذري في البناء والمساحات، وسيتم تعويض السكان بمنازل وشقق أخرى سيجري تشييدها في منطقة المصابغ، على بعد 900 متر من حي القرابيص.
كما أوضح بعض المحتجين وفق ما نقلت وسائل التواصل الاجتماعي، أن المشروع قد يترتب عليه إزالة منازل ومحال تجارية ما يشكل ضرر مباشر على سكان المنطقة وغيرهم من أصحاب الأملاك. عدا عن أنه لن يكون هناك بدل إيجار للمنازل التي سيجري إخلائها، ما يعني أن السكان سيدفعون بدل الإيجار لحين استلام المساكن البديلة.
وكانت محافظة حمص وفق ما قال أحد المحتجين أوقفت عمليات البيع والشراء والترميم ورخص البناء والإكساء في الحي للضغط على سكانه للقبول بالمشروع، وهو ماتعهدت به في المؤتمر الصحفي خاصة في المناطق المتداخلة مع المناطق المدمرة.
كما التقى محافظ حمص، عبد الرحمن الأعمى، بالمحتجين من حي القرابيص للاستماع إلى مطالبهم وملاحظاتهم، في 11 آب/أغسطس، واعدا إياهم بعدم بدء المشروع في حيهم قبل موافقة السكان، والتعويض الكامل من الشركة لأصحاب الأراضي.
وقال: إن نطاق المشروع يشمل مناطق المصابغ وسوق الهال، مع إمكانية تقسيم حي القرابيص إلى قطاعات لاتخاذ القرارات وفق موافقة أغلبية السكان في كل قطاع، بما يتيح المضي قدمًا في التنفيذ دون انتظار موافقة جميع المالكين دفعة واحدة.
أما ممثل الشركة، رفاعي حمادة، فأوضح خلال المؤتمر، أن آليات التعويض المعتمدة تتضمن منح كل صاحب حق عقارًا بديلًا مماثلًا لطبيعة ملكيته، سواء كان محلًا تجاريًا أو منزلًا، على ألا يبتعد الموقع الجديد عن العقار الأصلي أكثر من 900 متر، مشيرًا إلى أن التعويض سيكون بنسبة 100 بالمائة.

الشركة تنسحب من حي القرابيص
نتيجة الاحتجاجات التي شهدها حي القرابيص، أعلنت شركة العمران للتطوير والاستثمار العقاري عن إلغاء مشروع إعادة إعمار حي القرابيص في إطار تقييمها المستمر لضمان توافق مشاريعها مع الأولويات الفنية والاجتماعية. وأكدت الشركة التزامها بمواصلة العمل على باقي المشاريع ضمن مخطط "بوليفارد النصر".
مصادر رسمية في محافظة حمص قالت أن "مشروع بوليفارد النصر"، "قائم وسينفذ وفق الخطة الموضوعة"، مع استثناء حي القرابيص حالياً لحين الحصول على موافقة سكانه. وبينت المصادر، وفق ما نقل موقع "تلفزيون سوريا"، أن لجاناً مختصة ستكلف بالجلوس مع الأهالي لشرح آلية التعويض بشكل واضح وشفاف، وأنّ اتخاذ القرار بشأن قبول المشروع أو رفضه سيجري بعد هذه اللقاءات.
وشركة "العمران" هي شركة مساهمة مغفلة كويتية، تأسست عام 2006، يملكها المهندس ورجل الأعمال السوري رفاعي حمادة. ووفق مذكرة التفاهم الموقعة مع محافظة حمص تتكفل شركة "العمران" بإعداد الدراسة التفصيلية، وتنفيذ مشاريع البنية التحتية، والمباني السكنية والتجارية، إضافة إلى تطوير حديقة النصر وإنشاء سوق هال حديث.
بينما تقدم محافظة حمص الإجراءات الإدارية، والبيانات الفنية، وتشكيل لجان إشراف ومتابعة تضمن سير العمل ضمن الأطر القانونية والفنية.

المحافظة تنفي
نفى معاون محافظ حمص للشؤون الإعلامية، سالم أبو السعود، أن يكون مشروع "بوليفارد حمص" يستهدف تهجير أهالي حي القرابيص.
وقال أبو السعود، وفق ما نقل موقع "تلفزيون سوريا" أن فكرة المشروع تقوم على البدء ببناء كتلتين رئيسيتين في المنطقة ضمن سوق الهال والمصابغ، موضحاً أن المحافظة وضعت آليات تعويض واضحة تضمن للأهالي حقوقهم، سواء اختاروا البقاء في منازلهم أو الانتقال إلى المساكن الجديدة ضمن الحي نفسه، دون تحديده نسبة التعويض.
"بوليفارد النصر" ومشروع حلم حمص
تشير المعلومات المتوفرة إلى أن مشروع "بوليفارد النصر" يتشابه بنسبة كبيرة مع مشروع سابق طرح أيام حكم النظام المخلوع وكان يسمى "حلم حمص"، لكن المشروع لم ينفذ حينها نتيجة اعتراض السكان ومن ثم قيام الثورة السورية 2011.
وتعود بداية مشروع "حلم حمص" إلى العام 2005، عندما تعاقد محافظ حمص حينها إياد غزال مع مكتب هندسي خاص لإعداد دراسة شاملة للتطوير العمراني بمدينة حمص.
وضم مشروع "حلم حمص" حينذاك تسع مناطق رئيسية، هي: الرستن، تلكلخ، الحولة، القصير، حسياء، الوداي، المخرم، المنطقة الشمالية، تدمر، إلى جانب "حمص الكبرى"، كما شمل المشروع إنشاء حديقة الشعب، نقل المنشآت الصناعية للقطاع العام إلى خارج المخطط التنظيمي، تطوير مجمع النماء، تنظيم وسط المدينة، بالإضافة إلى مشروع لمعالجة العشوائيات.
كما شمل مشروع "حلم حمص" بساتين حمص التي جرى استملاكها عام 1994 -تقدر مساحتها بـ462 دونمًا- تحت ذريعة إنشاء مشروع "حديقة الشعب" (كمشروع بيئي) واعتباره مرفقًا للمنفعة العامة. لكن محافظ حمص حينها إياد غزال خصص الأرض لمشاريع استثمارية تجارية، بعيدًا عن الهدف المعلن للمشروع الأصلي.
وبساتين حمص المستولى عليها بطريقة الاستملاك كانت ستتحول إلى حديقة عامة على حساب أكثر من 1500 مواطن، عام 2008، فشلت حكومة النظام المخلوع في تنفيذها نتيجة اعتراضات السكان وطعنهم بقرارات الاستملاك. وهو ما أثار جدلاً في ذاك الوقت نتيجة استملاك المنطقة بدون تعويض أهلها.
واليوم، يبدو أن مشروع "بوليفارد النصر"، -الذي بدأ الترويج له مع بداية 2025، عبر لوحات كبيرة في شوارع حمص والذي رفض جزء منه في حي القرابيص وسط احتجاجات شعبية رافضة للمشروع - يعد محاولة لطمس هوية المدينة ويتجاهل مشاركة المجتمع المحلّي في إعمارها ومعالجة مخاوف السكان وسط حديث عن أن الأرض التي سيبنى عليها المشروع متنازع عليها قضائياً.