بيان مجلس الأمن: رسائل سياسية ورغبة دولية في إعادة ترتيب المشهد السوري

بيان مجلس الأمن: رسائل سياسية ورغبة دولية في إعادة ترتيب المشهد السوري

تقارير وتحقيقات | 12 08 2025

حبيب شحادة

استعاد مجلس الأمن في بيان حديث له التأكيد على القرار 2254 كمرجع أساسي لحل الأزمة السورية، داعياً إلى عملية سياسية شاملة يقودها السوريون تستند إلى مبادئ القرار، وذلك بعد سلسلة من المعارك العسكرية التي شهدتها البلاد مؤخراً سواء في السويداء وقبلها في الساحل.

بيان مجلس الأمن الصادر يوم (الأحد) يحمل إشارات سياسية تجاه السلطة الانتقالية في دمشق، إذ أعرب المجلس عن قلقه البالغ إزاء التصعيد الخطير لأعمال العنف في محافظة السويداء منذ 12 تموز/يوليو، والذي أسفر عن مقتل مدنيين ونزوح نحو 192 ألف شخص داخلياً. ويعيد الوضع السوري إلى مرحلة ما قبل 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024 ويفتح المجال أمام إمكانية تجديد اختبار المعادلة الدولية في سوريا بدون تغيّر واضح على الأرض.

وكان مجلس الأمن قد أصدر في العام 2015 القرار 2254، بالإجماع والذي نص على وقف إطلاق النار والتوصل إلى تسوية سياسية للوضع في سوريا، لكنه فشل في تطبيقه على مدار السنوات السابقة.

مجلس الأمن يدعو لوقف فوري للعنف في السويداء وحماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين

مجلس الأمن يدعو لوقف فوري للعنف في السويداء وحماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين

واليوم جاء سياق البيان بعد حوالي ثمانية أشهر من سقوط النظام السابق، ليعيد السجال مجدداً حول إمكانية تطبيق القرار الدولي 2254 في سوريا. فما إمكانية تطبيق القرار الدولي؟ وهل ما حدث من عدم التزام السلطة الانتقالية خلال الأشهر الفائتة بتعهداتها الدولية قد يؤدي لفرض تطبيق القرار المذكور؟

إعادة النظر في العلاقات مع سوريا

يعتقد الدكتور أحمد قاسم حسين (باحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات) أنّ البيان يحمل إشارات واضحة في قرارات ومواقف مجلس الأمن الدولي وبشكل خاص في سياق ما بعد سقوط النظام السوري (8 ديسمبر 2024). موضحاً في حديثه لـ "روزنة"، أن تلك الإشارات ظهرت جليا في طلب الولايات المتحدة في اجتماع الأمم المتحدة إعادة تقييم العقوبات المفروضة على سوريا في ضوء المتغيّرات السياسية الداخلية للسماح للحكومة الجديدة بمحاربة الإرهاب بكفاءة مردفاً أن ذلك سيلقى صداه لدى عدد من الدول الغربية بشكل عام ودول الإقليم بشكل خاص، إذ أكدت بعض الدول على مسألة ضمان الانتقال السياسي السلس والاستقرار في سوريا حتى مع سقوط النظام.

ويقول الباحث حسين: إنّ هذه المؤشرات تمثل رغبة دولية في إعادة النظر بالعلاقات مع سوريا تبعًا للواقع الجديد، ما يوحي بإمكانية تحوّلات سياسية ملموسة إذا ما تبدل التوافق إلى خطوات عملية.

وحول إمكانية تطبيق القرار الدولي 2254، يرى حسين، أن ذلك ممكن عمليًا. فالأمثلة التاريخية توضح أن سلطات دولية أو أنظمة انتقالية يمكن أن تخضع لتطبيق قرارات مجلس الأمن حتى بعد سقوط النظام السابق. وكلما زاد التوافق الدولي—خاصة دعم دول كبرى للمجلس—زاد احتمال فعالية تنفيذ تلك القرارات، وفق ما قال.

ويضيف، في الحالة السورية بعد سقوط النظام في ديسمبر 2024، تمّت إضافة إشارات إلى التنسيق الدولي، وسمح ببعض التساهلات (مثل تعليق بعض العقوبات) مقابل تعاون الحكومة الجديدة في قضايا مكافحة الإرهاب والإصلاح الداخلي.

وبيّن الباحث، أن احتمال فرض تطبيق القرار 2245 تحت البند السابع قائم، لكنه ليس حتميًا، فقرارات مثل القرار 2118 عام 2013 كانت تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وهددت بفرض عقوبات في حال عدم التزام النظام بتسليم الأسلحة الكيميائية.

وفي حال فشل النظام الحالي في الالتزام بالمعايير الدولية، فإن مجلس الأمن يحتفظ بصلاحية إعادة فرض الفصل السابع وفقاً لنص الميثاق الدولي وفق ما قال الباحث حسين، لكن مع ذلك، فالانتقال السياسي ــ وإن كان داعماً لاستقرار سوريا ـ قد يساهم بحسب حسين، في تخفيف حدة العقوبات أو تحويل النبرة من التصعيد إلى الحوار، كما بدا من موقف الولايات المتحدة بشأن تعديل العقوبات.

لا تبديل للمعطيات

يعتقد الصحفي مازن بلال، أن بيان المجلس يحمل بعدين خطرين: الأول هو إعادته الأزمة السورية إلى نقطة ما قبل 8 كانون الأول 2024، وهذا يعني أن التفاوض السياسي -وليس سياسة الأمر الواقع- هو ما سيتم الاعتراف به على المستوى الدولي.

والثاني: أن البيان الرئاسي لا يعني فض الاشتباك الدولي؛ بل ربما تأجيجه على قاعدة السعي لتنفيذ القرار 2254، فالأدوار الدولية في سوريا لم تحسم، وتنفيذ القرار سيحمل بالضرورة توزيعاً لها، وربما فتح المجال أمام القوى الإقليمية لدخول في مواجهات سياسية، والجديد هنا هو الدور "الإسرائيلي" الذي أصبح أساسياً نتيجة انهيار القدرة العسكرية السورية.

ويرى بلال وفق موقع هاشتاغ سوريا أنّ إعادة التذكير أو التلويح بالقرار لن تبدل المعطيات على الأرض، إذ لا نيه أمريكية أو روسية أو حتى أوروبية في إحداث تبدلات نوعية في المعادلة السورية، وفي الوقت نفسه فإن الواقع الدولي يريد إعادة اختبار الوضع السوري وليس رسم خريطة طريق.

وختم بلال قائلاً: بإنّ الاختبار السوري ليس دولياً فقط؛ بل يستند أيضاً إلى قدرة الداخل السوري في إنتاج بيئة سياسية قادرة على رسم مسار مختلف للمستقبل، فالبيان الرئاسي لن يكون مجدياً من دون ظهور بيئة سياسية سورية فاعلة، وفق رأيه.

بادرة سلبية

أما الباحث السياسي رضوان زيادة، فقال في منشور له في موقع فيسبوك، "‏كنا اعتقدنا أن قرار مجلس الأمن 2254 أصبح من الماضي لكن يبدو أن المجتمع الدولي بدأ يعيد الاعتبار له"، مشيراً إلى أن بيان المجلس يشكل بادرة سلبية في عدم القدرة على التقدم نحو بناء نظام سياسي يقبل به كل السوريين يسمح لهم بالمشاركة ويتيح لهم الإسهام في إعادة إعمار بلدهم ووطنهم.

آليات تنفيذ القرار

يتطلب تنفيذ القرار الدولي 2254 إعادة صياغة مسار الحل السياسي بما يتناسب مع الواقع الجديد في سوريا، وهناك آليات عملية يمكن أن تساهم في تطبيق القرار 2254 في السياق السوري، وتشترك هذه الآليات في كونها عملية تشاركية تستلزم إرادة سياسية محلية ودعم دولي من خلال:

تشكيل هيئة سياسية وطنية موسّعة تضم ممثلين عن الحكومة الانتقالية والمعارضة والأكراد والمجتمعات المحلية والمرأة والشباب والمجتمعات المهمشة.

وضع خريطة طريق زمنية واضحة: جداول زمنيّة للانتقال السياسي، انتخاب مجلس تشريعي مؤقت، وتحديد صلاحيات ومسؤوليات المؤسسات.

ضمان مشاركة المكونات العرقية والدينية كافة في جميع المراحل، مع آليات حماية حقوق الأقليات.

وضع دستور مؤقت يحترم مبادئ القرار 2254 ويضمن حقوق الإنسان والحقوق المدنية والسياسية لجميع السوريين.

يشار إلى أنّ بيان مجلس الأمن أكد على أهمية دور الأمم المتحدة في دعم عملية الانتقال السياسي في سوريا وفق المبادئ التي ينص عليها القرار 2254، وكرر الإعراب عن دعمه لجهود مكتب المبعوث الخاص للأمم المتحدة في هذا الصدد.

وكان دعا مجلس الأمن في بيانه إلى تنفيذ عملية سياسية شاملة للجميع يقودها السوريون ويمسكون بزمامها، استنادا إلى المبادئ الرئيسية الواردة في القرار 2254. ويشمل ذلك حماية حقوق السوريين كافة، بغض النظر عن انتمائهم العرقي أو الديني.

وشدد على ضرورة أن تلبي هذه العملية السياسية التطلعات المشروعة للسوريين قاطبة وأن تحميهم جميعا وتمكّنهم من تقرير مستقبلهم على نحو سلمي ومستقل وديمقراطي.

يبقى قرار مجلس الأمن 2254 إطاراً دولياً مهمًا لحل الأزمة السورية، لكنه يظل رهيناً بإرادة سياسية وطنية ودولية قادرة على تحويله من نص على الورق إلى واقع ملموس على الأرض. وفي ظل المتغيرات السياسية الراهنة، يواجه تطبيق القرار تحديات كبيرة، لكن فتح المجال للحوار والتوافق هو الطريق الوحيد لتحقيق الاستقرار والسلام الدائمين في سوريا. يبقى السؤال الأبرز: هل سيصنع الفاعلون السياسيون من هذه الإشارات فرصة حقيقية لتغيير المسار، أم ستبقى الأزمة تدور في حلقة مفرغة؟

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض