الأزمة الصحية في إدلب: قطاع منهك يزيد معاناة المرضى

الأزمة الصحية في إدلب: قطاع منهك يزيد معاناة المرضى

تقارير وتحقيقات | 29 07 2025

بشار الفارس

تعاني مناطق ريف إدلب الجنوبي والشرقي، الممتدة على طول الأوتوستراد الواصل بين إدلب وخان شيخون مروراً بمعرة النعمان من غياب شبه تام للخدمات الطبية، فالمستشفيات والمراكز الصحية إما مدمرة أو متهالكة، نتيجة القصف الجوي الذي استهدف المنشآت الحيوية والطبية خلال السنوات الماضية، ما جعل النازحين بعد عودتهم إلى قراهم، يعيشون واقعًا صحيًا مترديًا.

قطع مسافات بعيدة للعلاج

ثمة قصص أليمة لحالات اضطرت لقطع مسافات طويلة للحصول على العلاج، كما حصل مع أحمد الذي اضطر في ليلة معتمة، وبدون سيارة إسعاف، لإسعاف أحد أقاربه بعد تعرضه لحالة تسمم في قرية موقة بريف خان شيخون، حيث لا يوجد مركز طبي قريب، ما دفعه لقطع مسافة 50 كيلومترًا للوصول إلى أقرب مركز طبي في المنطقة متحدياً الظلام، وخطورة الطريق.

يتحدث أحمد لـ "روزنة" عن تلك الليلة قائلاً: "عندما اضطريت لإسعاف قريبي ليلاً لم يخطر ببالي سوى إلى أين سأتجه به" فالمنطقة كانت مهجورة منذ خمس سنوات ولا توجد فيها أي نقطة طبية، فوضع أحمد قريبه في السيارة، وذهب به إلى حماة لأنها الأقرب من حيث المسافة مقارنة بمدينة إدلب.

ليس بعيداً عن خان شيخون، في قرية الغدفة بريف معرة النعمان الشرقي، يضطر النازحين العائدين لقراهم لقطع مسافة لا تقل عن عشرة كيلومترات للوصول إلى أقرب نقطة طبية، والتي غالبًا ما تكون غير قادرة على تلبية احتياجات المرضى، ما يدفعهم للتوجه إلى مستشفيات تبعد مسافة قد تصل إلى خمسين كيلومترًا، ناهيك عن وعورة الطرقات التي ترهق السائق والمريض أيضا، وذلك بسبب الحفر الموجودة نتيجة القصف العشوائي الذي كان يطال المنطقة.

يقول مؤيد (50 عامًا) وهو أحد سكان القرية: "نحن حوالي خمسين عائلة نعيش في الغدفة، إضافة إلى القرى المجاورة، وكلنا نواجه واقعاً طبياً مزرياً". إذ أنّ أقرب نقطة طبية تبعد عشرة كيلومترات وتدار بتبرعات الأهالي، ولا تحتوي على أي اختصاصات طبية، وتقتصر خدماتها على الحالات البسيطة. أما أقرب مستشفى فيقع على بعد خمسين كيلومترًا، والطريق إليه صعب بسبب الحفر التي خلّفها القصف، ما يجعل الوصول في الوقت المناسب أمراً صعباً ويهدد حياة المرضى، وفق ما روى مؤيد".

وعليه، يطالب أهالي الغدفة ومحيطها بتأهيل المراكز الصحية المدمرة. مؤكدين أن إعادة تفعيل تلك المنشآت سيسهم في تحسين الوضع الصحي، ويشجع السكان المهجرين على العودة إلى قراهم.

وبذات الوقت يحتاج "أكثر من 15 مليون شخص إلى الرعاية الصحية في سوريا، إذ تعرضت معظم المرافق الصحية لأضرار وتجاوزت قدرتها على استقبال المرضى وسط معاناة من نقص التمويل"، وفق ما ذكرت المتحدثة باسم منظمة الصحة العالمية مارغريت هاريس لوكالة الأناضول.

ويعكس واقع القطاع الصحي في ريف إدلب تدهوراً شديداً حيث تعاني المراكز والمستشفيات من دمار واسع مع نقص في الخدمات الطبية والمنظومات الإسعافية، ما نتج عنه تدهور صحة السكان وتهديد حياتهم، وسط الحاجة الملحة لإعادة تأهيل تلك المرافق الصحية المدمرة ودعم البنية التحتية الصحية، بهدف تحسين تقديم الرعاية الصحية وضمان حياة أفضل للسكان.

الرعاية الصحية: مهددة بالانهيار

حذّرت صحيفة واشنطن بوست من أنّ شبكة الرعاية الصحية في سوريا، التي بالكاد صمدت خلال سنوات الحرب، باتت اليوم مهدّدة بالانهيار الكامل، مع بدء انسحاب المنظمات غير الحكومية من المشهد، نتيجة تقلّص التمويل الخارجي، خصوصاً من الولايات المتحدة وأوروبا.

وذكرت الصحيفة، أن هناك "كارثة حقيقية تضرب شمال سوريا، حيث يعيش ملايين النازحين". مشيرةً إلى أنّ أنّ تراجع التمويل وغياب البدائل المحلية ينذران بأزمة صحية جديدة في سوريا.

وبسبب نقص التمويل توقف 150 مركز طبي عن العمل مؤخراً، ما فاقم من معاناة المرضى وزاد من الضغط على باقي المشافي والمراكز المتوفرة في المدينة وريفها.

وكانت سوريا قد خسرت خلال العقد الفائت نصف كوادرها الطبية وفق أرقام نقابة الأطباء، نتيجة الاستهداف المباشر للمراكز الصحية، إضافةً إلى موجات الهجرة الواسعة، ما أثر سلباً على جودة الرعاية الصحية.

تحديات الرعاية الصحية لحديثي الولادة في حماة: معاناة واختلالات خطيرة

تحديات الرعاية الصحية لحديثي الولادة في حماة: معاناة واختلالات خطيرة

مبادرات فردية: ولدت ميتة

في مدينة كفرنبل، أطلق أحد الأطباء مبادرة بالتعاون مع الأهالي لافتتاح نقطة طبية تقدم خدمات بسيطة، لكنها لم تستمر بسبب غياب مبنى مخصص في المدينة، وكانت كفرنبل تضم خمس مستشفيات، بعضها تخصصي، لكن معظمها تعرض للتدمير بسبب القصف وسحب الحديد منها من قبل قوات النظام أثناء سيطرتها على المنطقة.

وقال رئيس المجلس المحلي في كفرنبل علاء الخطيب، لـ "روزنة": "اليوم تعتمد كفرنبل على بعض العيادات المتنقلة التي تزور المدينة من حين لآخر لكن دون جدول منتظم أو تنسيق مع أحد، وغالباً ما تصل دون علم مسبق من الأهالي، وتتنوع خدماتها بين طب الأطفال والطب العام، وأحياناً تكون بدون أدوية أو تجهيزات كافية.

وتابع: "في كفرنبل أيضاً، يوجد مستشفى جراحي تحت الأرض ما يزال بناؤه سليماً نسبياً، لكنه بحاجة ماسة إلى التجهيز بالمعدات الطبية، وفي ظل الوضع الراهن، يرى السكان والنازحين العائدين أن تحسين الواقع الطبي يبدأ بإعادة تأهيل ما تبقى من البنية التحتية، وتوفير خدمات إسعافية فورية قادرة على إنقاذ الأرواح".

وفي ظل هذا المشهد القاتم تزداد مطالبات سكان ونازحي ريف إدلب العائدين بضرورة تحرك الجهات المعنية والهيئات الإغاثية لإعادة تأهيل المراكز الطبية ودعم المستشفيات الحكومية، إذ أن الرعاية الصحية باتت حاجة ضرورية مع عودة المهجرين والنازحين، والتي شكلت ضغطاً على الخدمات الصحية، وفق مصادر أهلية من ريف إدلب.

مديرية الصحة: قدرات محدودة

في عموم أرياف إدلب تدّمرت أغلب المنشآت الطبية ومن تبقى منها بحاجة إلى إعادة ترميم وتأهيل من جديد، وتوضح مديرية صحة إدلب أن البنية التحتية الطبية في ريف إدلب تعرضت لأضرار جسيمة، حيث تم تدمير العديد من المراكز الصحية بشكل جزئي أو كلي.

وقال رئيس دائرة المنشآت الصحية، ابراهيم الويس، لـ "روزنة": "إن عدد المنشآت الطبية المدمرة دمار جزئي بريف إدلب هي 33 مركز طبي، ومركزين دمار كامل.

أما المشافي المدمرة دمار جزئي فهي مستشفى معرة النعمان بريف إدلب الجنوبي، ومستشفى جسر الشغور بريف إدلب الغربي، و 11 نقطة طبية كانت موزعة بريف إدلب الجنوبي.

وأشار الويس: إلى أن "هناك شح بالخدمات الطبية المقدمة للسكان بأرياف إدلب وذلك بسبب نقص النقاط الطبية، من مستوصفات ومستشفيات ونقص بمنظومات الإسعاف.

إزاء هذا الواقع، تعمل مديرية صحة إدلب على خطة تفعيل المنشآت الطبية والحيوية، حيث افتتحت مستوصف بخان شيخون ومستشفى نسائية وأطفال بريف إدلب الشرقي، وتسعى إلى تفعيل وإعادة تأهيل جميع المراكز والمستشفيات، بحسب الويس، الذي أقر بوجود صعوبات تواجه مديرية الصحة نتيجة دمار البنية التحتية الطبية.

وكان وزير الصحة في الحكومة الانتقالية مصعب العلي، قد زار إدلب خلال شهر حزيران/ يونيو الفائت، بهدف تقييم واقع المرافق الصحية ومناقشة احتياجات المرحلة المقبلة، وتأهيل وترميم المراكز الصحية ضمن خطة توزيع جغرافي تراعي أماكن استقرار العائدين، بهدف ضمان حصولهم على خدمات طبية مناسبة وسريعة.

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض