تقارير وتحقيقات | 26 07 2025
عبد الله الخلف
"حتى شربة المي الباردة صارت بالحسرة"، هكذا تقول أم أغيد المقيمة في حي نزلة شحاذة جنوبي مركز مدينة الرقة، بعد انخفاض ساعات تشغيل الكهرباء في الرقة هذا الصيف، وارتفاع سعر قالب الثلج، الذي وصل سعره إلى 18 ألف ليرة سورية.
تضطر أم أغيد لشراء نصف قالب كل يوم بـ 9 آلاف ليرة، أي أنها تدفع حوالي 270 ألف ليرة سورية شهرياً من أجل شرب مياه باردة في لهيب الصيف، وهو مبلغ ليس بالهيّن بالنسبة لمعظم السوريين الذين يعيشون تحت خط الفقر.
كهرباء مثل قلتها!
لا تأتي الكهرباء النظامية إلا لساعتين فقط خلال الـ 24 ساعة في حي نزلة شحاذة ومعظم أحياء المدينة، أما كهرباء الأمبيرات فـ تعمل لـ ثلاث ساعات ونصف خلال المساء، ومقابل هذه الخدمة السيئة تدفع أم أغيد نحو 75 ألف ل.س شهرياً، بين فواتير كهرباء نظامية وأمبيرات.
حتى القيلولة أصبحت رفاهية، بسبب انقطاع الكهرباء، تقول السيدة: "تأتي الكهرباء من الـ 10 للـ 12، ومن بعد ذلك، لا يوجد كهرباء نهائياً! حتى تصل الأمبيرات ليلاً من الـ 8 للـ 11:30، وظهراً نتقلب! لا نستطيع النوم لساعة واحدة! الدنيا نار! نبرد أنفسنا بالماء والاستلقاء على البلاط، لا نهنأ بنوم ولا جلسة ولا طعام".
تعمل أم أغيد في الخياطة، وبسبب سوء الكهرباء تعطل عملها وتراجع دخلها، إذ لا تستطيع التوفيق بين العمل على ماكينة الخياطة أو الانتظار لغسل الغسيل أو الطبخ، كما تقول، فلديها الكثير من العمل المنزلي الذي لا تستطيع إنهاءه بسبب الكهرباء، التي لو توفرت، لعملت وأنتجت وزاد دخلها الشهري.
تشترك أم أغيد بالحصول على 3 أمبيرات، وتقول إنها لا تكفي لتشغيل كل الأجهزة، ماكينة الخياطة والثلاجة والمكيف وغيرها، يضاف إلى ذلك تلاعب أصحاب المولدات بساعات التشغيل.
وحول ذل تشرح: "مالك المولدة يشغل بمزاجه، يكسب دوماً بالتأخير نصف ساعة أو ساعة، ولا يعوض أحد، ومو سائل على الناس، ولا أحد يحاسبه، وعيشتنا والله صارت مقرفة مع هالوضع".

أعطال متكررة والحلول البديلة مستحيلة
لا تعمل الكهرباء بصورة منتظمة، وخاصة كهرباء مولدات الأحياء الخاصة "الأمبيرات"، حيث يتخلل ساعات تشغيلها انقطاعات مفاجئة، أما الكهرباء النظامية فتأتي أحياناً باستطاعة قوية أو منخفضة، ما يؤثر على الأجهزة الكهربائية ويؤدي لأعطال تسبب بأعباء مالية إضافية على الأهالي.
تقول إسراء المقيمة في حي البدو بالرقة إن ضعف الكهرباء أثّر على مختلف جوانب الحياة، موضحةً: "يعني شغلك أو دراستك تتأجل لأنه ما بي كهرباء، لأن ما تقدر تسوي شي بدون إضاءة أو بدون تكييف بهالجو الحار، وأعطال في يوم سابق، كلفنا تصليح البراد 70 دولار".
تضيف إسراء أن كثيراً من الأهالي لم يشتروا المونة هذا الصيف بسبب سوء الكهرباء: "تحتاج المونة إلى ثلاجة (فريزة) كيف يمكن للأهالي التموين دون كهرباء! ستتلف! والجو حار جداً، ما يعني أربع خمس ساعات ما بين كهربا وأمبيرات، لن تكفي للتبريد".
تشير أيضاً إلى أن الحلول البديلة مثل تركيب منظومة طاقة شمسية ليست سهلة المنال، "يعني الطاقة بدك بالميتة 500 دولار، منين بدنا نجيب؟ اللي عنده ركّب وارتاح، بس أكثر العالم ما عندها، وتدحق على بيوت هالمسؤولين والناس المحسوبين ع الإدارة الذاتية تشوف الكهربا شغالة عندهم 24 ساعة، هما عندهم خطوط خدمية ما تطفي عندهم، ونحن بجهنم محد سائل عنا".

قرار بزيادة ساعات تشغيل الأمبيرات
يعتمد سكان الرقة على مصدرين للطاقة الكهربائية، الأول هو الكهرباء النظامية "الرسمية"، والثاني هو الاشتراك بمولدات الأمبيرات الموجودة في كل حي، وفي الـ 20 من تموز الجاري بدأ تطبيق قرار جديد أصدرته بلدية الشعب في الرقة.
ينص القرار على زيادة ساعات تشغيل الأمبيرات إلى 8 ساعات في المناطق التي لا توجد فيها كهرباء نظامية، وما تزال بعض الأحياء التي لا توجد فيها كهرباء نظامية منذ عام 2017 بسبب الحرب التي شهدتها الرقة.
أيضاً ينص القرار، لتشغيل 6 ساعات في المناطق التي توجد فيها كهرباء (نظامية)، مقابل 7000 ليرة سورية للأمبير الواحد أسبوعياً، ولكن لم تلتزم جميع المولدات بهذا القرار الجديد بعد؛ وفقاً لمصطفى العلو مدير مكتب الأمبيرات في البلدية، الذي أكد على وجود لائحة عقوبات بحق كل من يخالف القرار.
يقول العلو: "في حال التلاعب بسعر الأمبيرات أو ساعات التشغيل ينذر صاحب المولدة في المرة الأولى، وفي حال عدم الالتزام وتصحيح الخطأ خلال مهلة عشرة أيام، يغرم صاحب المولدة بمبلغ وقدره قيمة الأمبير الواحد مضروباً بعدد الأمبيرات الموزعة على المشتركين، وفي حال تكرار المخالفة تضاعف الغرامة".
يحصل أصحاب المولدات الكهربائية الأمبيرات على المحروقات من البلدية، ولكن يشتكي كثير منهم من سوء جودة هذه المحروقات. يقول أبو علي وهو إداري في إحدى مولدات الأمبيرات بالمدينة إنهم يضطرون للتخلص من نحو 150 لتر من المازوت الذي تقدمه البلدية كل شهر بسبب سوء جودته.
ويضيف "المازوت المتوفر أسود وعبارة عن شحم، قسم منه تستطيع استخدامه، ومع ذلك تصبح لديك أعطال بالبخاخات والطرمبات، وهذه تكلف الكثير للصيانة. والقسم الثاني للإتلاف، ما خرج تشغل بيه مولدة، نحن ملتزمين بالقرار لكن نتمنى أن يحسنوا جودة المازوت كي تشتغل هالمولدات بشل جيد، فالأعطال والانقطاعات الحاصلة بسبب المازوت السيء".
منسوب صفري في البحيرة
يرجع شيار كردو مدير مكتب المتابعة في هيئة الطاقة بالإدارة الذاتية سبب تراجع ساعات تشغيل الكهرباء إلى انخفاض منسوب المياه في بحيرة سد الفرات وانقطاع خطوط الربط بين سد تشرين والفرات نتيجة المعارك التي شهدها محيط السد بداية العام الحالي.
ويردف: "أدى ذلك لانخفاض كبير في المناسيب، حيث وصل إلى المنسوب الصفري، وكون مناطق شمال شرق سوريا تعتمد بشكل أساسي على السدود في التغذية الكهربائية نتيجة استهداف تركيا للمحطات الغازية والحرارية في مدينة رميلان ومناطق المحيطة بآبار النفط، أصبح الاعتماد بشكل أساسي على السدود".
يقول كردو إنهم يحاولون في الفترة الحالية إعادة ربط سد الفرات بسد تشرين لتحسين خدمة التغذية الكهربائية، وإعادة تأهيل خطوط النقل المتضررة بسبب الحرب، كما يتم العمل على مشروع تركيب العدادات الإلكترونية للحد من الهدر وتنظيم الاستهلاك.
يشير أيضاً إلى وجود خطط لجذب استثمارات لتحسين الكهرباء في المنطقة، موضحاً: "العقوبات التي كانت مفروضة سابقاً على البلاد أعاقت مشاريع التنمية، حالياً لدينا مشاريع استراتيجية نعمل عليها مع هيئة الاستثمار في شمال شرق سوريا لجلب المستثمرين وإنشاء محطات توليد تعتمد على الغاز أو الطاقة الشمسية".
الجدير بالذكر أن الحكومة الانتقالية في سوريا وقّعت مؤخراً اتفاقية مع تحالف شركات دولية بقيمة 7 مليارات دولار أمريكي، لتطوير مشاريع طاقة كهربائية جديدة، بما في ذلك إنشاء محطات غازية وشمسية، ولكن لن تكون هناك أي محطة منها في مناطق نفوذ "الإدارة الذاتية".
خدمة الكهرباء والتي تعد حقاً أساسياً، أصبحت حلماً بالنسبة للكثيرين في محافظة الرقة ومناطق سورية أخرى لا يختلف فيها الوضع كثيراً، حيث يبحث السوريون عن أبسط مقومات الحياة الكريمة.
