طلاب في قلب الحرائق: النزوح أربك الدراسة ولا أمل بلا دورة تكميلية

طلاب في قلب الحرائق: النزوح أربك الدراسة ولا أمل بلا دورة تكميلية

تقارير وتحقيقات | 14 07 2025

علياء الأحمد

"كارثة ما عم بنساها، ولا بتروح من بالي"، تتنهد أمل، طالبة البكالوريا، قبل أن تصمت قليلاً وتروي لحظات الذعر التي عاشتها وجيرانها، وهم يشاهدون النار تلتهم أشجارهم ومحاصيلهم في قرية بيت القصير بمنطقة البسيط في اللاذقية. واليوم، توشك ظروف النزوح والخوف أن تلتهم مستقبلها، وهي تأمل بقرار استثنائي من وزارة التربية يقضي بإجراء دورة تكميلية، تمنحها وزملاءها فرصة للنجاة من حريق لا يُرى، لكنه ليس أقل قسوة.

في تمام الثالثة إلا ربعاً من ظهر يوم الخميس 3 تموز، كانت أمل محمد تتحضر لأول امتحان في الشهادة الثانوية، مادة الفيزياء، عندما بدأت تشمّ رائحة دخان قوية تتسلل إلى أنفها. خرجت إلى الشرفة لترى مشهداً تصفه لروزنة بأنه لا يُنسى: "حريق ضخم يلتهم كل شيء أمامه". دخلت في نوبة ذعر، واحتضنتها والدتها مطمئنةً إياها بأن الأمور ستتحسن، لكن وعود الأمهات لا تتحقق دائماً.

سرعان ما امتدت النيران، رغم محاولات عناصر الدفاع المدني والإطفاء احتواءها. تقول أمل: "عند العصر كانت النار عم تقترب كتير، وكأنها عم تمشي بسرعة رهيبة". وحتى مساء الخميس، لم تكن النيران قد وصلت إلى المنازل، لكن صباح الجمعة تغيّر الحال، إذ دخلت النيران القرية مع هبوب رياح شديدة، فبدأت رحلة النزوح الجماعي نحو بيوت الأقارب.

عائلة أمل، التي تقيم في آخر القرية، تمسكت بالبقاء أملاً في أن تتجنب النزوح. وتحول منزلهم إلى مرآب لآليات الإطفاء، وشاركوا إلى جانب أهالي القرية في مساعدة الدفاع المدني، لكن شدّة النيران أجبرتهم على النزوح مساء الجمعة.

تحكي أمل: "حزّمت كتبي بعد ليلة عصيبة، وخرجت مع عائلتي وأنا أفكر: ما بعرف إذا رح أرجع، ما بعرف إذا النار رح تحاصرنا بالطريق ونموت". وصلت العائلة إلى منزل خالتها في مدينة اللاذقية، ومكثوا فيه ثلاثة أيام لم تتمكن خلالها من الدراسة بسبب التوتر والوضع النفسي الصعب، وشعرت وكأنها نسيت كل ما درسته، ولم يتبقَ على الامتحان سوى أسبوع.

عند العودة إلى القرية بعد ثلاثة أيام من النزوح، كان المشهد مأساوياً. أصوات الطائرات، الصراخ، والضجيج، إضافةً إلى الذكريات المؤلمة، كلها زادت من توتر أمل ومنعتها من التركيز. ورغم تقديمها للامتحان، إلا أنها غير راضية عن أدائها، وتطالب بدورة تكميلية لطلاب المناطق المتضررة من الحرائق كي يتمكنوا من تعويض ما فاتهم.

اندلعت الحرائق تزامناً مع موجة حر شديدة مطلع تموز، واجتاحت مناطق في البسيط، وقسطل معاف، وغابات الفرنلق الشهيرة، وامتدت حتى مدخل مدينة كسب، والتهمت نحو 100 كيلومتر مربع من الغابات والأراضي الزراعية، وفق مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة.

على مدار 11 يوماً، واجهت فرق الإطفاء صعوبات كبيرة في احتواء النيران، إذ ساهمت الرياح النشطة، ووعورة التضاريس، ووجود الألغام ومخلفات الحرب، إلى جانب ضعف الإمكانيات، في تعقيد عمليات الإخماد وإطالة أمد الكارثة.

غدير ترك الكتاب وساعد في إخماد الحريق

ولم تكن أمل الوحيدة التي عانت. في قرية الميدان التابعة لناحية قسطل معاف، كان غدير محسن الفحام، وهو طالب متفوق، يعيش تجربة مغايرة. ترك كتابه جانباً وخرج ليساعد الدفاع المدني وأهالي قريته في محاولة صدّ النيران. غدير الذي أنهى الإعدادية بمعدل 302 درجة، وكان يطمح لدراسة الطب، لم يتردد في أن يكون إلى جانب أسرته.

هو الابن الأكبر في عائلة فقدت معيلها، ووجد نفسه مضطراً لتأمين خروج أمه وأشقائه إلى منزل خالته في بللوران يوم الجمعة 4 تموز، ثم عاد إلى قريته للمساعدة في عمليات الإطفاء، واستمر على هذا الحال حتى صباح الثلاثاء، دون مراجعة لدروسه، ومع توتر وخوف كبيرين.

لحسن الحظ، كان قد استعد جيداً لمادة الفيزياء، لكنه اليوم يخشى ألا يحصل على المعدل الذي يؤهله لدراسة الطب. ويقول لروزنة: "كان في معنا 4 طلاب من القرية نفس الوضع، ما قدروا يدرسوا وانقطعوا عن الجو الدراسي بسبب الحالة النفسية".

وكان وزير التربية والتعليم في حكومة النظام، محمد عبد الرحمن تركو، قد صرّح في حزيران الماضي بأنه لا توجد دورة تكميلية للثانوية هذا العام، وهو قرار تم اتخاذه العام الفائت. وأضاف أن الوزارة ستقيّم التجربة وتتخذ قراراً بشأنها في العام المقبل.

خسائر مادية جسيمة

بعيداً عن الجانب التعليمي، خلفت الحرائق خسائر مادية جسيمة. تقول أمل إن عائلتها خسرت 20 دونماً من الأراضي المزروعة بالزيتون، والليمون، واللوز، والجوز، والسماق، وتضيف: "ما ضل شي أبداً". أما عائلة غدير فخسرت 10 دونمات من الزيتون.

هذه الخسائر طالت معظم سكان القرى التي اجتاحتها الحرائق، ما يعني أن العديد من العائلات فقدت مصدر رزقها بالكامل. وقدّر وزير الزراعة، أمجد بدر، حجم الخسائر بما يزيد عن 16 ألف هكتار من الغابات والبساتين. وأكد في مقابلة مع "العربي الجديد" أن هناك خطة حكومية لحصر الأضرار من خلال لجان وقوائم اسمية لتوثيق الخسائر، في ظل توقعات بوصول مساعدات دولية

تأثير على الموسم السياحي

كما تسببت الحرائق بخسائر في الموسم السياحي الذي بدأ مع مطلع تموز، وخاصة في منطقة رأس البسيط، إحدى أهم الوجهات السياحية في اللاذقية. رغم افتقار المنطقة للخدمات السياحية الكاملة، إلا أنها تُعد وجهة مفضلة للباحثين عن عطلات منخفضة الكلفة.

يقول أبو المقداد، أحد أصحاب الشاليهات في المنطقة، لروزنة، إن خسائره كانت غير مباشرة، موضحاً أنه لم يخسر شاليهاته أو أراضيه، لكنه فقد الموسم السياحي. ويُقدّر خسائره بنحو 5 ملايين ليرة سورية، في حين تصل خسائر من يملكون شاليهات على البحر مباشرة إلى نحو 20 مليون ليرة.

وتتراوح تكلفة الليلة الواحدة في شاليهات البسيط بين 100 ألف ليرة للشاليهات البعيدة عن الشاطئ، و400 ألف ليرة لتلك المطلة مباشرة على البحر. ويقول أبو المقداد: "كل سوريا خسرت من الحرائق، أصحاب البولمانات، وصيادو السمك، وحتى عمال الكهرباء اللي بيشتغلوا بإصلاح أعطال الشاليهات".

حين اندلع الحريق، كانت أربع عائلات من محافظات أخرى تقيم في شاليهاته، لكنهم غادروها بعد يوم واحد فقط، وتم إلغاء جميع الحجوزات المسبقة. ويؤكد أبو المقداد أن هذا الواقع ينطبق على جميع أصحاب الشاليهات في المنطقة، الذين يعتمدون على موسم الصيف لتأمين دخل يكفيهم بقية العام.

وفي ختام حديثه، يستبعد أبو المقداد أن تكون الحرائق مفتعلة، قائلاً: "الأرض ناشفة، وقطعة بلور ممكن تعمل حريقة". ويستذكر حريقاً اندلع بالقرب من أحد شاليهاته في 6 تموز، تمكّن من إخماده بسرعة بمساعدة الجيران، مرجعاً السبب إلى شدة الحرارة وانعكاس ضوء الشمس على قطعة زجاج.

من جهته، أعلن وزير الطوارئ وإدارة الكوارث، رائد صالح، مساء الجمعة، أن فرق الدفاع المدني والإطفاء تمكنت من وقف امتداد النيران في ريف اللاذقية. فيما أفاد الدفاع المدني صباح الإثنين عن استمرار عمليات التبريد والمراقبة لبؤر الحرائق على طريق النبعين - رأس البسيط، إضافةً إلى التعامل مع أي بؤر تشتعل من جديد في المنطقة.

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض