لا تقرعوا طبول الحرب.. فالرصاصة ما تزال تؤلم أمي

لا تقرعوا طبول الحرب.. فالرصاصة ما تزال تؤلم أمي

تقارير وتحقيقات | 12 07 2025

عبد الله الخلف

في مثل هذه الأيام قبل ثمانية أعوام، كنا نبحث عن طريقة للهروب من شبح الحرب في الرقة؛ درّة الفرات التي اتخذها إرهابيو داعش عاصمةً لهم بين ٢٠١٤ - ٢٠١٧، ولم يخرجوا منها إلا بعد أن تأكدوا أنها أصبحت كومة أنقاض وجثث، وتغيّرت معالمها إلى الأبد.

كانت رائحة الموت تفوح من أحياء المدينة الحزينة، خوفٌ وترقّبٌ ومصير مجهول، التنظيم منع الأهالي من الخروج، لأن الذهاب إلى ديار "الكفر" محرمٌ منذ صيف ٢٠١٥.

الطريقة الوحيدة للهروب من المدينة التي تحصّن بها الدواعش، وتستعد طائرات التحالف الدولي وقوات قسد للانقضاض عليها، كانت "التهريب"، وهي طريقة محفوفة بالمخاطر والعقبات، التي قد تقتلك في رمشة عين.

تجهزت أنا وأمي وعائلة خالي وجدتي للسفر بعد مطلع الفجر، وفي بيك أب سكودا صغير تجمّع ستة بالغين ومثلهم من الأطفال، مع ما يساعدنا في رحلة النزوح العصيبة من مواد غذائية وأمتعة.

لم تكن هناك وجهة محددة، الهدف هو الخروج من مناطق سيطرة داعش باتجاه مناطق نفوذ قسد التي كانت تعرف لدى السكان المحليين بـ "الديمقراطي"، انطلقنا من مركز المدينة باتجاه الغرب نحو حي الطيار، كانت المعلومات المتداولة بين الأهالي تقول إن الخروج ممكن من هناك.

في الطريق قابلنا سيارات مدنية عائدة، حذرونا من الذهاب في هذا الاتجاه، لأن الدواعش يُنزِلون كل من يريد الفرار بروحه ويحرقون السيارات والأمتعة! عدنا أدراجنا، وجدنا مجموعة من السيارات المدنية المتجمعة على طريق حلب أمام نزلة شحاذة، توقفنا لنسألهم أين السبيل للخروج من هذا الجحيم؟

وفجأة دوّى صوت صراخ "داعشي" من شرفةٍ في عمارة أول النزلة، لم نعرف ماذا يريد! وجّه بندقيته نحونا وأطلق علينا الرصاص! نجوت يومها بفضل ساق أمي، التي وقفت حاجزاً بيني وبين تلك الرصاصة! كنت على وشك الموت في تلك اللحظة وأنا شاب عمري ٢٥ عاماً لم يرى شيئاً من حياته بعد!

أصابت نيران الداعشي ساق أمي وخاصرة ابنة خالي الطفلة ذات التسعة أعوام! قاد خالي السيارة بأقصى سرعة للهروب من نار الداعشي الذي لا أعلم لماذا استهدفنا إلى اليوم! هل لأننا كنا نريد أن ننجو بحياتنا فقط؟ أم اعتبرنا من مولين الأدبار يوم الزحف ووجب استهدافنا!

وصلنا إلى المستشفى الوطني، الذي لم يعد كذلك حينها، كانت يضج بالمهاجرين الأجانب، حتى الطبيب الذي استخرج الرصاصة من ساق والدتي كان طاجيكياً، كانت صرخات أمي وابنة خالي تملأ المكان، دماء الرقّيين كانت تنزف في المشفى، هناك فتاة مصابة بقذيفة هاون، وذاك رجل جلبوه ميتاً بعد أن استهدفت منزله الطائرات الأمريكية، لم يصدق الدواعش أن مجاهداً قد استهدفنا! آخرون قالوا إن الحق علينا لأننا كنا ذاهبين لكشف ثغور المجاهدين! حاول خالي مناقشتهم وأسكته كي لا تخرج منه كلمة قد يكون ثمنها حياتنا!

بقيت أمي تعاني أياماً وليالي من الألم، ولم تنتهي المأساة بعد، بعدها بأيام قليلة قُتلت جدتي بشظية قذيفة هاون، جدتي ذات الاثنين وثمانين عاماً التي كانت ما تزال محافظة على همتها بفضل نظام غذائي صحي، كانت قبل موتها بيوم تعد "الكلال" وهي أكلة تحتاج لهمة ونشاط الشابات، وخالي الأصغر الذي قرر قناص داعشي إنهاء حياته وترك وراءه أرملة ويتامى عانوا من بعده، وابنة خالتي الشابة الجميلة، التي استهدفها صاروخ طائرة أمريكية أثناء عبورها نهر الفرات مع طفلها الوحيد على متن سفينة، والذي نجى بأعجوبة، ولكن رحيل أمه ما يزال جرحاً في قلبه وقلوب أهله لم يشفى بعد.

وكنا على بعد خطوات من الموت، شظايا القذائف والصواريخ تتساقط حولنا، وتمكنا بعدها من الهروب بأعجوبة، عن طريق التهريب في البادية من الشريدة شرق الرقة إلى المنصورة غربها التي كانت تحت سيطرة قسد، وعشنا أيام نزوح مريرة تنقلنا فيها من بيت إلى آخر في السبخة والطبقة ومنبج وحويجة السوافي مشردين، وأصبح اسمنا نازحين نصارع من أجل البقاء على قيد الحياة.

عدنا إلى الرقة بعد طرد داعش وإعلان الانتصار عليهم وعلى من رحلوا ودمرت بيوتهم وهم لا ذنب لهم، عدنا للرقة لنجدها كومة ركام، تفوح منها رائحة الجثث، وألغام الدواعش تملأ البيوت التي صمدت.

مرت ثماني سنوات على المأساة، عادت الحياة إلى الرقة بفضل جهد جبار من أهلها، ولكننا لم ننسى الآلام، ما تزال الجروح تؤلمنا، ورغم هذا، يقرع كثرٌ طبول الحرب.

يكثر الحديث عن الحرب هذه الأيام، في ظل توتر الأجواء بين السلطة الانتقالية في دمشق، وقوات سوريا الديمقراطية، فـ رغم توقيع اتفاق الدمج بين أحمد الشرع ومظلوم عبدي، ما يزال التوتر واضحاً بين الجانبين.

وما تزال الأنفاق تحفر في أحياء مدينة الرقة، والحديث مستمر عن تحشيدات عسكرية للفصائل التابعة لوزارة الدفاع السورية، وهناك من يدعون ربهم ليلاً ونهاراً أن تشتعل الحرب مرة أخرى، وهم بالأساس لم يعيشوا الحرب الماضية، يتضامنون معنا على الفيسبوك، ويكملون حياتهم ببساطة.

رفقاً بنا، رفقاً بجروحنا التي لم تندمل بعد، فلم تعد لدينا القدرة على تحمل الحرب، وفقد المزيد من الأحباب.

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض