27 نقطة خلافية.. مشروع ترسيم الحدود السورية – اللبنانية على السكة الصحيحة

27 نقطة خلافية.. مشروع ترسيم الحدود السورية – اللبنانية على السكة الصحيحة

الحدود السورية اللبنانية - إنترنت

تقارير وتحقيقات | 2 04 2025

جو حمّورة

تبرز قضية ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا كفصل جديد في كتاب المنطقة المليء بالصراعات والتطلعات. فبعد عقود من التوترات والغموض، يبدو أن هناك إرادة سياسية تتشكل، مدفوعة بظروف إقليمية جديدة، لطي صفحة الماضي وفتح صفحة مستقبلية أكثر استقراراً.

يمكن القول إن الاستقرار الأمني النسبي الذي تشهده سوريا اليوم، بعد سنوات من الحرب، قد ساهم في تهيئة الأجواء لإجراء محادثات حول ترسيم الحدود.

هذا الاستقرار، وإن كان هشاً، قد خلق فرصة للدولتين للجلوس على طاولة المفاوضات، والتفكير في حلول جذرية للمشاكل الحدودية التي طالما كانت مصدراً للتوتر.

ولعبت المملكة العربية السعودية دوراً مهماً في التوصل إلى اتفاق أولي بين سوريا ولبنان لترسيم الحدود بينهما، حيث وقّع وزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة واللبناني ميشال منسى، اتفاقاً أقر بـ"الأهمية الاستراتيجية لترسيم الحدود بين البلدين".

وأعلن خلال توقيع الاتفاق في 27 آذار الماضي بمدينة جدة، عن "تشكيل لجان قانونية ومتخصصة بين لبنان وسوريا في عدد من المجالات، وتفعيل آليات التنسيق للتعامل مع التحديات الأمنية والعسكرية وبخاصة في ما قد يطرأ على الحدود بينهما".

خطوة أولى.. وتحديات

لا يمكن تجاهل التحديات التي تواجه عملية الترسيم. فالحدود بين لبنان وسوريا، التي تمتد على مسافة 370 كيلومتراً تقريباً، تتداخل فيها الجغرافيا بالديمغرافيا، وتتشابك فيها القرى والبلدات، حيث هناك قرى لبنانية يسكنها سوريون، وقرى سورية يسكنها لبنانيون.

إن هذا التداخل يجعل عملية الترسيم معقدة وحساسة، وتتطلب حلولًا مبتكرة تراعي حقوق السكان وتطلعاتهم، كما الحقائق الجغرافية والتاريخية في آن واحد.

من المؤكد أن الاتفاق المبدئي لترسيم الحدود بين لبنان وسوريا يمثل خطوة أولى صحيحة في مسار طويل ومعقد.

وهذا المسار يتطلب إرادة سياسية صادقة، وتعاوناً إقليمياً بناء، وحلولاً مبتكرة تراعي مصالح البلدين وشعبيهما، خاصة وأن نقاط خلافية كثيرة لا تزال مرتبطة بالحدود حيث يرى كل طرف منهما أن هذه القطعة من الأرض أو تلك ملكه.

يُضاف إلى ذلك وجود عشائر وشبكات تهريب ومجموعات مسلحة ترى من مصلحتها الإبقاء على الحدود بين الدولتين غامضة، غير مرسّمة وبؤرة يسود فيها التهريب والأعمال المخلة بالقانون.

الحدود اللبنانية- السورية تشتعل… هل الحل بنشر قوات دولية؟

الحدود اللبنانية- السورية تشتعل… هل الحل بنشر قوات دولية؟

تغييرات في دمشق وبيروت

يعود السبب الأساسي لظهور ملف الترسيم على سطح الأحداث الآن إلى التحولات التي شهدتها كل من سوريا ولبنان. إن سقوط النظام السابق في سوريا كما تراجعت قوة "حزب الله" في لبنان وانسحابه من سوريا دفعا بمسألة الترسيم لتعود إلى التداول.

إضافة إلى ذلك، لم يعد هذا الملف مجرد نزاع حدودي تقليدي، بل أصبح مرتبطاً بتوازنات قوى إقليمية، ولها تأثيرات مباشرة على استقرار البلدين، وفي هذا السياق، يبرز الدور السعودي كعامل حاسم في دفع عملية ترسيم الحدود إلى الأمام.

السعودية، التي تسعى إلى تقويض نفوذ "حزب الله"، ترى في ضبط الحدود وسيلة لقطع مصادر تمويل الحزب، ومنعه من تهريب الأسلحة والمخدرات. بالإضافة إلى ذلك، تسعى السعودية إلى تعزيز الاستقرار في سوريا، كجزء من استراتيجيتها الإقليمية الأوسع.

إن ما تريده الرياض هو وضع نفسها في إطار القوة الإقليمية المفيدة لكل من سوريا ولبنان، فتزيد من قوتها الإقليمية من ناحية، كما من اعتماد سوريا ولبنان عليها.

وبالتالي، فإن عملية ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا أصبحت نقطة التقاء لمصالح متقاطعة، إذ يسعى كل طرف إلى تحقيق أهدافه الخاصة من خلال هذا الملف.

ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات جمّة تعترض طريق ترسيم الحدود، إذ إن طبيعة الحدود المتداخلة تجعل من التوصل إلى اتفاق نهائي أمراً بالغ الصعوبة وربما يحتاج للكثير من الوقت كما الكثير من التنازلات من الطرفين.

نقاط الخلاف الـ27

في حديث مع "روزنة"، يؤكد الخبير الاستراتيجي إبراهيم جوني أن "عدد النقاط الجغرافية الخلافية بين لبنان وسوريا تبلغ 27 على أقل تقدير"، وهي تمتد من شمال لبنان إلى جنوبه، مروراً بمنطقة البقاع الحدودية مع محافظة دمشق.

إذاً، حسب الخبير، لا تنحصر النقاط الخلافية بمكان جغرافي دون آخر، ما يعني أن "عمل اللجان المتخصصة ولجان المتابعة سيكون شاقاً".

يعدد جوني تلك النقاط وهي، من جنوب الدولتين إلى شمالهما، كالتالي: النخيلة والغجر، شبعا ومغر شبعا، شبعا وجباتا الزيت، دير العشاير كفرقوق، حلوة ويابوس، عنجر وكفر يابوس، عيتا الفخار ويابوس، عنجر وجديدة يابوس، قوسايا وعيتيب، جنتا وسرغايا.

وأيضاً، هناك كل من معربون وسرغايا، حام وسرغايا، عين الجوزة ورنقوس، طفيل وعسال الورد، عين البنية وعسال الورد، شعيبة وعسال الورد، عمشكة وجبة، فليطة ومعرة، عرسال وقارة وجريجير، رأس بعلبك وشرقي قارة، رأس بعلبك وقارة، القاع يعبوت وقارة، القاع وجوسة العمار، الهرمل ووريشة، هرمل وبلوزة، هرمل الشربين وبلوزة، أكروم وأكوم.

أما الحدود القائمة الآن، بحكم الأمر الواقع، فتعود إلى العام 1938، وتبعاً لما يعرف بـ"خرائط دارفور" التي رسمها متعهد فرنسي بعدما أجرى مسحاً بين الحدود بطلب من سلطات الانتداب الفرنسية. في حينها، تم إنشاء لجنة مشتركة سورية لبنانية لحل القضايا الحدودية الخلافية "إلا أن عملها لم يُستكمل بسبب اندلاع الحرب العالمية الثانية"، بحسب جوني.

مسألة مزارع شبعا

تقع النقطة الخلافية الأبرز في المنطقة الجنوبية الأبعد بين سوريا ولبنان، وهي مرتبطة بمنطقة تعرف باسم مزارع شبعا التي تسيطر عليها إسرائيل منذ العام 1967.

تتميّز مزارع شبعا بموقع جغرافي استراتيجي، إذ تشرف على مناطق سورية ولبنانية، وتعتبر حلقة وصل بين المستوطنات الإسرائيلية الشمالية والجولان السوري المحتل.

يَدعي لبنان أن هذه المزارع هي أراض لبنانية، فيما كانت الحكومات اللبنانية السابقة تبرر بقاء "حزب الله" بسببها، باعتبار أن تحرير الأرض اللبنانية لم يكتمل طالما بقيت المزارع في يد إسرائيل.

هذا وتستند الحكومة اللبنانية، بحسب جوني، "على وثائق تاريخية وخرائط تعود إلى فترة الانتداب الفرنسي"، بالإضافة إلى سجلات للملكية العقارية موجودة في الدوائر العقارية اللبنانية.

في المقابل، ترى سوريا أن المزارع تقع ضمن أراضيها، وتستند في ذلك إلى خرائط أخرى ووثائق تعود إلى فترة ستينيات القرن الماضي.

أما إسرائيل، فتعتبر مزارع شبعا جزءًا من الجولان السوري، التي احتلته في حرب عام 1967، وبالتالي تؤكد على هويتها السورية السابقة.

يمكن للجانبين السوري واللبناني التفاوض حول هوية مزارع شبعا، لكن حلّ مسألتها لا يمكن إلا أن يرتبط بالإرادة الإسرائيلية التي، بحكم الأمر الواقع، تسيطر عليها.

ولكن إن اعتبرت كل من دمشق وبيروت أن المزارع لبنانية وأودعت الترسيم لدى الأمم المتحدة، بات يُطبق على المنطقة القرار الدولي 425 الذي ينص على انسحاب إسرائيل من كافة الأراضي اللبنانية.

أما وإن أقرت الدولتان أن هوية المزارع سورية، يُصبح أمرها مرتبطاً بوضع الجولان السوري المحتل والقرارات الدولية المتعلقة به.

قرار أممي جديد يطالب إسرائيل بالانسحاب من الجولان المحتل

الجولان المحتل - الجزيرة

قرية حوش السيد علي نموذجاً

عدا مسألة الترسيم والخلافات الحدودية، يسكن بعض اللبنانيين في قرى سورية ومنها قرية حوش السيد علي التي وقعت خلافات حولها خلال الأسابيع الماضية، إذ شهدت تطورات عسكرية لأنها تضم لبنانيين منتمين بشكل أساسي إلى عشائر بقاعية مقرّبة من "حزب الله".

ومع دخول مقاتلين من الإدارة السورية الجديدة إليها، نزح عدد من اللبنانيين منها، كما دارت بعض الاشتباكات وسقط قتلى وجرحى.

تبع ذلك تصاعد حدة القتال بين العشائر من سكان حوش السيد علي المتمركزة في منطقة الهرمل شمال شرقي لبنان وبين مقاتلي وزارة الدفاع السورية، ليتدخل لاحقاً الجيش اللبناني ويدخل القرية، ليعود وينسحب منها، لكن بعد وضع نقاط ثابتة له حولها من الجهة اللبنانية.

وكشفت هذه الأحداث عن هشاشة الوضع الأمني على الحدود اللبنانية السورية، وتداخل الأوضاع الميدانية والسياسية، وأدت الأحداث إلى نزوح بعض الأهالي من القرية، وعودتهم بعد دخول الجيش اللبناني.

إن ما جرى في قرية حوش السيد علي يشكّل مثالاً على تعقيد الوضع على الحدود اللبنانية السورية، كما تظهر الحاجة الملحة لترسيم الحدود بين الدولتين، وأخذ بعين الاعتبار مسألة السكان أيضاً.

القرار الدولي 1680

يشير القرار الدولي رقم 1680 الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة عام 2006، إلى ضرورة أن تقوم الحكومة اللبنانية بالتعاون مع السلطات السورية لترسيم الحدود بين البلدين.

ويؤكد القرار على أن هذا الترسيم يجب أن يتم بالتوافق بين الطرفين بما يضمن السيادة لكل منهما ويحل المسائل العالقة بينهما، مما يساهم في تحسين الوضع الأمني والإقليمي.

إضافة إلى ذلك، هدف القرار إلى إنهاء حالة الغموض التي سادت الحدود بين البلدين، والتي ساعدت على استمرار نشاطات التهريب عبر الحدود، سواء كانت تهريباً للبضائع أو حتى لأشخاص أو أسلحة، مما كان له تأثيرات سلبية على استقرار المنطقة.

وبين سوريا ولبنان ستة معابر حدودية رسمية هي: جديدة يابوس (معبر المصنع)، معبر الدبوسية، معبر العريضة، معبر جوسية، معبر تلكلخ ومعبر مطربا، إضافة إلى نحو 136 معبراً غير شرعي والتي تخدم ازدهار التهريب بين الدولتين، حسب تقرير حكومي لبناني العام الفائت.

إن ترسيم الحدود سيعزز القدرة على مراقبة الحركة عبرها وبالتالي منع مثل هذه الأنشطة، وتبقى الإرادة السياسية لسوريا ولبنان هي الفيصل في التقدم نحو تحقيق مصلحتهما في ترسيم الحدود بينهما، وهو أمر يتطلب الكثير من الجهد، وبعض التنازلات.

ويترقب السوريون واللبنانيون وضع حد للفوضى والأزمات الاجتماعية، عبر تحديد خط حدودي واضح وموثوق به، من شأنه أن يقلل بشكل كبير من الأنشطة غير القانونية وعمليات التهريب وخاصة المخدرات منها، التي تهدد الأمن في كلا البلدين.

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض