تقارير وتحقيقات | 2 07 2024
روزنة
"ليلة قاسية"، توصيف يتشاركه سوريون مقيمون في ولاية غازي عنتاب التركية، عما عايشوه أمس الاثنين، في ظل تصاعد وتيرة الاحتقان والتوتر والتصعيد وخطاب الكراهية والتحريض في تركيا وشمالي سوريا، على خلفية اعتداءات مواطنين أتراك على ممتلكات سوريين في ولاية قيصري.
رغم الخطاب الرسمي التركي المكثف حول العمل على منع خطاب الكراهية واعتقال محرضين ضد الأجانب والتصدي لأي محاولة تأجيج للتوتر والعنف، إلا أن سوريين تحدثت معهم روزنة قالوا إن أصوات سيارات الإسعاف والشرطة والهتافات في مناطق بعنتاب، منعتهم من النوم "خوفاً من القادم".
اليوم الثاني بعد "اعتداءات قيصري" شهد استمرار للاعتداءات على ممتلكات سوريين في تركيا وتوتر في شمالي سوريا شمل اعتداء على حافلات نقل تركية وإطلاق رصاص عند نقاط للجيش التركي هناك، وإنزال العلم التركي في عدد من المناطق، الأمر الذي زاد من تصاعد وتيرة التوتر وحملات التحريض والكراهية.
رصدنا لكم في هذا التقرير، آخر التطورات والتصريحات في الـ 24 ساعة الماضية، ولمحة عن أوضاع السوريين في تركيا عبر شهادات خاصة وجولة في غازي عنتاب.
لا سوريون في الشوارع!
رصدنا غياب شبه تام لتواجد السوريين في مختلف أنحاء مدينة غازي عنتاب، إذ اقتصر التواجد على بضعة عشرات في "شارشي" و"الشارع الإيراني" و"غازي مختار باشا" و"منطقة الجامعة" وعدد قليل من المراجعين في دائرة الهجرة وغياب تام لمستخدمي مواصلات النقل العام من السوريين.
أعداد السوريين في السابق كانت تصل للآلاف والمئات في بعض الشوارع التي شملتها جولتنا، وأكثر من مئة مراجع لـ"الهجرة" في أحد أيام الأسبوع الفائت إضافة لاعتماد نسبة واسعة من السوريين على استخدام "الترام واي" كوسيلة تنقل في المدينة.
مختلف المناطق التي شملتها جولتنا، شهدت انتشاراً لعناصر الشرطة وسيارات الهجرة للتدقيق على الأوراق الثبوتية، بحثاً عن المقيمين بشكل غير شرعي.
"ذكرتنا بليلة بعد الزلزال"
شاب سوري جامعي فضل عدم ذكر اسمه، قال إن ليلة الأمس ذكرته بليلة ما بعد زلزال 6 شباط، موضحاً: "مع الأصوات القادمة من الخارج وما أقرأه على السوشال ميديا من تحريض وفيديوهات اعتداء، خفت كثيراً أن أنام. وأسأل نفسي: ما الذي يمكن أن يحصل لي؟!".
وأضاف: "حتى أصدقائي الأتراك الذين كانوا لا يتبنون خطاباً مناهضاً لوجود السوريين.. البعض شارك على حساباته في السوشال ميديا بحملات ضد اللاجئين! لقد صدمت فعلاً".
أماني، سيدة سورية مقيمة قرب سوق "تشارشي" وسط غازي عنتاب ولديها طفلة، تقول لروزنة: "لم نستطع النوم ليلاً (...) أصوات محتجين تطالب برحيل السوريين، اقترب الصوت شيئاً فشيئاً، ضرب باب منزلي أشخاص مع صياح، مرة واثنتين وثلاثة،. ظننت أنهم سيدخلون غصباً، ويتهجمون علينا، لكنهم ذهبوا".
عبرت في ختام حديثها القصير معنا، عن خوفها من القادم بعد ليلة أمس، وعدم قدرتها على اتخاذ قرار حول مستقبلها.
دعوة لالتزام المنازل.. وغرفة أزمة
"الجالية السورية في ولاية غازي عنتاب" نقلت عن دائرة الهجرة التركية في الولاية، التشديد على السوريين بالتزام الهدوء وعدم الخروج إلا للحالات الاضطرارية، حيث "سيكون هناك انتشار واسع للشرطة في الأحياء والشوارع بمدينة غازي عنتاب لتوطيد الأمن ومكافحة كل من يثير الشغب"، وفق بيان الجالية.
وأوضحت أنه جرى تشكيل "غرفة عمليات للأزمة" من قبل مديرية الهجرة في الولاية، الجالية السورية جزء منها.
كذلك، طالبت كل من تعرض هو أو أحد من معارفه لأي أذى مادي أو معنوي نتيجة الأحداث الأخيرة التواصل مع رئيس الجالية وأعضاء مجلس الإدارة للتوثيق واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة والتعويض لاحقاً للأضرار المادية، وإرسال أي صور أو فيديوهات عنصرية بهدف مسائلة المحرضين من أي طرف كان.
اعتداءات واستفزازات كبيرة
انتشرت فيديوهات توثق اعتداءات مجموعة من الشبان الأتراك، أمس، على محال التجارية وسيارات التي تعود ملكيتها لسوريين في ولاية مدينة غازي عنتاب، قال سوريون عبر مواقع التواصل إنها في أحياء: "بيرلي كايا، وطن، باراك، قارشياقا، اوتش اوكلار".
جهاد شاب سوري مقيم في حي "غونيش" وسط مدينة غازي عنتاب، تعرّض مساء أمس الإثنين، إلى مضايقات من شباب أتراك كانوا على دراجات هوائية ويحملون عصياً، كانوا على وشك التعرّض لسيارته التي حاول نقلها إلى مكان آمن خوفاً من احتمالية تكسيرها.
يقول الشاب لروزنة: إنه لن يجرؤ على الخروج من المنزل بعد موقف أمس، رغم أنه تجاهل خلاله كل "الإساءات" اللفظية لمحاولة افتعال مشكلة معه.
ويبلغ عدد اللاجئين السوريين في غازي عنتاب نحو 429 ألف شخص، مسجلين تحت الحماية المؤقتة، من أصل أكثر من 3 مليون في مختلف الولايات التركية، وفق آخر الإحصائيات لدائرة الهجرة التركية.
طعن أيضاً
وانتشر فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي، لشخص سوري تعرّض للطعن في مدينة غازي عنتاب.
أحد المواطنين الأتراك، ويدعى "Güney Dağdeviren" كتب على منصة "إكس" (تويتر سابقاً): "لقد طعنوا شخصاً فقيراً كان عائداً إلى منزله بعد العمل عدة مرات أمام بابنا، فقط لأنه سوري، اللعنة، هل هذا هو حلكم لسياستكم واستفزازكم؟".
وأشار إلى أنه سلم صور المعتدين الذين تعرّضوا للشاب السوري بالطعن إلى قوات الشرطة.
وتأتي "اعتداءات قيصري" في ظل حالة قلق لدى السوريين في ولاية عنتاب، مع حملات تدقيق وتفتيش واسعة النطاق ضد "المقيمين غير الشرعيين" وترحيل العشرات، وسط إمكانية اتساع نطاقها لولايات أخرى كأورفا وهاتاي.
امتداد الاعتداءات لولايات أخرى
وامتدت الهجمات على ممتلكات السوريين إلى العديد من الولايات التركية، أمس، مثل ولايات هاتاي وقونيا وأورفا، وجرى تكسير وتدمير المحال التجارية وحرق بعضها، وفق صحيفة "evrensel".
في أنطاكيا، خرج أتراك إلى الشوارع حاملين العلم التركي، وهتفوا بشعارات مناهضة للاجئين: "لا أريد لاجئين في بلدي".
وفي قونية تجمع أشخاص في منطقة يعيش فيها السوريون، وجرى إحراق مكان عمل شخص سوري، وتعرّضت أيضاً ممتلكات السوريين في الريحانية بولاية هاتاي لهجوم مماثل، وفق الصحيفة.
ونزب كذلك
أما في مدينة نزب القريبة من عنتاب، يصف أحمد وهو الذي يملك محلاً تجارياً أن ليلة قاسية مرت على السوريين هناك أيضاً، لاعتداءات وتخريب لممتلكاتهم في المدينة.
يتابع في حديث مع روزنة: "الأطفال بكوا طوال الليل، ونحن لم يكن بيدنا سوى مشاهدة أملاكنا تتحطم دون القدرة على التدخل (...) الكل في المنازل خائف من الخروج".
صحيفة "Gaziantep Haber" تحدثت عن ملاحقة مجموعة أشخاص سيارة تابعة سوريين الذين كانوا يقودون سيارتهم في شارع "دولوك القديم".
اقرأ أيضاً: اعتداءات قيصري: أردوغان يحمل المعارضة المسؤولية.. واعتقال للعشرات
خطاب كراهية عبر وسائل التواصل
وانتشر على وسائل التواصل الاجتماعي، خلال اليومين الفائتين، خطاب يدعو إلى ترحيل السوريين، تضمّن عبارات تندرج في إطار خطاب الكراهية، مثل: " لا نريد لاجئين في بلدنا" و"لا نريد السوريين يكفي" و"لقد أصبحنا لاجئين في بلدنا".
وصلت المطالبات بإخراج السوريين جميعاً، لتعليق حساب في منصة "اكس" على تغريدة لرئيس بلدية غازي عنتاب، فاطمة شاهين.
"لا أريد لاجئين في بلدي" أيضاً عبارة تصدرت خاصية الستوري عبر انستغرام، وشاركها حوالي 3 مليون شخص في تركيا.

ووفق صحيفة" Antep Gündemi" تطور نقاش حاد بين مجموعة من الجيران الأتراك إلى حمل أسلحة في منطقة "أكنت" بولاية غازي عنتاب، بسبب اختلافهم حول من يريد وجود السورينين أو لا.
عشرات المحرّضين
رئيسة بلدية غازي عنتاب الكبرى، فاطمة شاهين، صرّحت، أمس الإثنين، عبر منصة "إكس" أنهم وخلال الـ 24 ساعة الماضية، اكتشفوا العشرات من المحرّضين وألقوا القبض عليهم، سواء أكانوا عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو في الميدان.
كذلك صرّح رئيس بلدية شاهين بيه، Mehmet Tahmazoğlu، أنّ مؤسسات الدولة ستفعل ما هو ضروري ضد من يهدد وحدة وسلام الأمة، قائلاً: "إن الهدف الرئيسي للأحداث التي وقعت في قيصري كان تعطيل غازي عنتاب وبالتالي تدمير وحدة بلدنا وسلامها".
وزير الداخلية التركي، علي يرلي قايا، ذكر في بيان له، أمس الإثنين، حول أحداث قيصري، أنه جرى مشاركة 343 ألف منشور من حوالي 79 ألف حساب على منصة التواصل الاجتماعي "إكس"، وتبين أن 68 بالمئة كانت استفزازية وسلبية، و37 بالمئة من الحسابات المشتركة هي "bot".
وتسبب ادعاء في قيصري أن شاباً سورياً تحرش بطفلة تركية (تبيّن أنه مضلل)، بتدمير ممتلكات سوريين وحرقها، كالمحلات التجارية والسيارات، الأحد الفائت، وإلى اليوم يتخوف السوريون في مدينة قيصري من الخروج من منازلهم بسبب تلك الأحداث خوفاً على حياتهم والتعرّض لهم.
وأشار وزير الداخلية إلى فتح تحقيق حول 63 حساباً، وأحيل 10 منهم إلى النيابة، مؤكداً أنهم "لن يتسامحون مع أولئك الذين يهددون السلام والأمن في البلاد، أو ينشرون منشورات استفزازية أو ينخرطون في خطاب الكراهية.
بدوره، صرّح "حزب النصر" المعارض أمس الإثنين، أن غازي عنتاب هي إحدى المدن التي شكل فيها اللاجئون عبئاً اقتصادياً واجتماعياً وديموغرافياً كبيراً على الشعب التركي لسنوات.
وسبق أن حمل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أمس الاثنين، جانب من مسؤولية اعتداءات ولاية قيصري ضد ممتلكات مواطنين سوريين، لما وصفه "الخطاب المسموم للمعارضة".
المجلس الإسلامي السوري يحذّر
حذر رئيس المجلس الإسلامي السوري، أسامة الرفاعي، في كلمة مصورة، أمس الإثنين، من الانجرار وراء من وصفهم بـ"مثيري الفتن" وطالب الحكومة التركية بمعاقبة "المعتدين وجبر خاطر السوريين".
وقال في كلمته: "ومن واجبنا الوقوف بوجه هذه الفتنة، وأن ندرأها بكل الوسائل الممكنة".
وأضاف: "نرجو من الإخوة الأتراك أن يعاقبوا كل من يصدر عنه شيء من العنصرية غير اللائقة وغير السلمية، وأن يمسحوا رؤوس المتضررين من هذه الأحداث ويجبروا خاطرهم وتعويضهم عما فقدوه من مال وغيره".
ردود الأفعال في الشمال السوري
شهدت مناطق عدة شمالي سوريا، أمس، مظاهرات أنزل المحتجون في بعضها العلم التركي إضافة إلى حرقه في أماكن أخرى، على ما أظهرت مقاطع مصورة انتشرت بكثرة عبر حسابات ناشطين أتراك في مواقع التواصل.
التعرّض للعلم، أثار حفيظة المسؤولين الأتراك، وهو ما دفع وزير العدل، يلماز تونج، لإعلانه فتح تحقيق حول حادثة الاعتداء على العلم التركي، الذي ظهر في مقطع مصور.
وقال "تونج" في منشور عبر منصة "إكس" (تويتر سابقاًَ) إن مكتب المدعي العام في أنقرة فتح تحقيقاً بسبب "إهانة رموز سيادة الدولة" وأضاف: "عدم الاحترام والاعتداءات القبيحة على علمنا التركي المجيد الذي يأخذ لونه من دماء شهدائنا الأحباء أمر غير مقبول على الإطلاق".
وكان وزير الداخلية التركي، علي يرلي قايا، أعلن، أمس الإثنين، توقيف 67 شخصاً يشتبه باعتدائهم على أملاك سوريين في ولاية قيصري عقب ادعاءات بتحرش سوري بطفلة سورية من أقاربه.
وكانت مدينة قيصري التركية، قد شهدت طيلة ساعات ليل أمس الأول، أعمال عنف واعتداءات ضد ممتلكات لسوريين في المدينة، بعد تداول معلومة زعموا فيها أن طفلة تركية تعرضت للتحرش من لاجئ سوري، ليتبين لاحقاً أنها مضللة (الطفلة سورية).