تقارير وتحقيقات | 4 05 2024
يوسف غريبي
في بلدة بداما غربي إدلب، يسير رامي صولاك، وسط حقله الذي تتوزع فيه شتلات خضراء قصيرة بصفوف متوازية منسقة، تبدو نبتة الفراولة غريبة وهي تحمل الثمار الحمراء الناضجة قرب أخرى خضراء في مراحلها الأولى من النمو ومعها أزهار بيضاء لم تثمر بعد.
"أكثر ما أحبه بنبتة الفراولة هو الترابط العائلي"، يقول رامي لـ"روزنة" وهو ينظر بإعجاب نحو النبتة الصغيرة، ويتابع: "تغرس الشتلة وهنا تقوم بدورها بتأسيس عائلة، تتحول إلى ثلاثة أو خمسة أفراد وإن تأذى أحد منها يتأذى البقية".

دورة اقتصادية من تركيا إلى الشمال السوري
مشروع صولاك جسّد ذلك الترابط بدوره منذ أن حمل شتلات الفراولة من تركيا حيث كان يقيم نحو شمال غربي سوريا، بهدف بدء دورة اقتصادية جديدة وبنية إتاحة "فاكهة الملوك" لكل سكان المنطقة.
بعد ثلاث سنوات على نقل الفراولة عبر الحدود، تضاعفت أعداد الدونمات المزروعة، وأعداد العمال اليوميين خلال مواسم الزرع والعناية والحصاد، وعلى الرغم من عدم توافر التسهيلات المحلية يعتبر رامي مساعدة المزارعين على إتقان الزراعة الجديدة "مهمته".

هكذا بدأ حبه للفراولة وزراعتها
غادر صولاك سوريا عند بدء الحملة العسكرية الروسية على جبل التركمان شمالي اللاذقية عام 2015، "لم أحمل معي شيئاً"، يتحدث الشاب الثلاثيني لروزنة عن معاناته مع النزوح إلى محافظة هاتاي التركية المجاورة: "استدنت وبدأت العمل بزراعة الفراولة في ثلاث دونمات".
لم يكن لصولاك خبرة سابقة بالزراعة ولكن بمساعدة من الأهل والأصدقاء حصل على ربح وفير، يقول: "كل شتلة أعطتني كيلو غراماً، من بعدها تشجعت أكثر وزادت المساحة المزروعة".
نبتة الفراولة تعيش ثلاث سنوات وتعطي ثماراً جديدة طيلة ثلاثة أشهر من كل عام، وفي بعض الأحيان تعطي المزيد من الإنتاج في نهاية الصيف، وهذا يعتمد، على كمية العناية التي تتلقاها، وفق صولاك.
بعد أربع سنوات من اكتساب الخبرة في تركيا قرّر صولاك الانتقال إلى الداخل السوري، بهدف تحقيق الفائدة للمزارعين عن طريق مساعدتهم على زراعة المحصول الجديد وتأمين فرص عمل للسكان، وأن تصبح الفاكهة التي لطالما كانت مرتفعة الثمن في متناول جميع طبقات المجتمع.

معاناة وتكاليف ومواد غير متوفرة
بعد البحث عن المناخ والتربة الملائمة، أطلق صولاك مشروعه في بلدة بداما، التي كانت تعاني من كساد اقتصادي، وبدأ بزراعة عشرة دونمات.
وبعد عامين أصبح مجموع الأراضي التي زرعت بالفراولة في المنطقة تعادل 50 دونماً، ولكن ذلك لم يكن دون مصاعب.
"لم نحصل على أي دعم من الإدارة المحلية"، يقول صولاك ويشير إلى محاولاته بالحصول على تسهيلات تخص دعم المزارعين للمحاصيل الجديدة.
ويوضح: "من المصاعب التي واجهناها نقل المواد الأساسية التي نحتاجها عبر الحدود، وكان ذلك صعباً ومكلفاً".
الأسمدة والأدوية الضرورية لنجاح زراعة الفراولة غير متوفرة في السوق المحلي والمتوفر منها غير فعال وليس بجودة المنتج المتوفر في تركيا، حسب تقييم صولاك، الذي وصف زراعة الفراولة بـ"العلم الواسع" الذي يتطلب الكثير من الخبرة.
"أتوقع أن يصل عدد الدونمات المزروعة العام المقبل لـ150 أو 200 دونم من الفراولة"، يقول صولاك، لافتاً إلى أن هدفه بربح المزارع المحلي وانخفاض سعر الفاكهة للمستهلك يعتمد على تقليل التكاليف المرتبطة بالاستيراد.

لا دعم
وزارة الزراعة في إدلب، التابعة لـ"حكومة الإنقاذ"، رفضت طلبات تقديم الدعم لصولاك.
المدير العام للزراعة، المهندس تمام الحمود، قال لـ"روزنة" إن: "لحكومة ترتكز سياستها على دعم المحاصيل الاستراتيجية كالقمح والقطن والمحاصيل الزيتية كونها تدخل في الأمن الغذائي، الذي يفتقده 3,6 مليون شخص من أصل 5,06 مليون شخص مقيم في شمال غربي سوريا وفقاً للتقديرات الأممية".
إقبال على الزراعة
بعد بدء رامي لمشروعه في بداما، حاول آخرون زرع الفراولة في منطقة زرزور وحارم ومعرة مصرين شمالي إدلب، مستفيدين من خبرات وتجارب بعضهم في التغلب على الأمراض والتحديات التي تواجه نجاح الزراعة في تلك المناطق.
المزارع أمير أبو محمد وصف لـ"روزنة" نجاح زراعته للفراولة بـ"الممتاز".
وينوي أبو محمد التوسع بالزراعة العام المقبل، رغم معاناته من تعفن بعض الثمار نتيجة ارتفاع نسبة الرطوبة في حارم حيث يعمل، ويبحث الآن عن أراضٍ جديدة لزراعة خمس دونمات في حارم ودونمين في عزمارين، يقول لروزنة.
المصاعب التي واجهها أمير في زراعته للفراولة تتشابه مع مصاعب رامي بتأمين الأدوية والشتلات وحتى المياه الكافية للزراعة، لكن المشروع ما زال مربحاً ويتفاءل باستمراريته، بحسب رؤيته.

مشاريع أخرى غير الفراولة
مشروع زراعة الفراولة ليس الوحيد الذي سعى لجلب محاصيل جديدة إلى المنطقة ودعم الإنتاج المحلي بدل الاتكال على الاستيراد من تركيا.
المدير العام للزراعة، المهندس تمام الحمود، يقول لروزنة، إن العديد من الأصناف دخلت المنطقة مؤخراً، منها الموز والزعفران والزعتر والورد الجوري والأرضي شوكي وغيرها، ويشير إلى أنها "زراعات بمساحات محدودة وقيد التجربة لبيان الريعية الاقتصادية التي تحققها بنهاية الموسم إما للتوسع أو التوقف عن زراعتها".
ويرى كمال حج سليمان، مزارع يبلغ من العمر 65 عاماً، أن مشروع الفراولة كان كحبل النجاة لمنطقة بداما الخصبة، التي عانت خلال سنوات الحرب نتيجة القصف وانقطاع الكهرباء والمياه.

قرب بداما من مناطق التماس مع النظام السوري سبّب قلة أعداد السكان الذين نزحوا نحو المناطق الآمنة، وأما من تبقوا عانوا من البطالة، ورغم محاولة زراعة منتجات جديدة لكن عدم القدرة على العناية بالمحاصيل وتحمل التكلفة الزراعية أدى للتخلي عن الكثير منها.
"أتمنى أن يأتي أربعة أو خمسة أشخاص لافتتاح مشاريع جديدة في المنطقة"، يقول حج سليمان لروزنة، وأكد على أهمية توفير فرص عمل للسكان.
وتتطلب حبات الفراولة الحمراء الصغيرة العمل على مدار العام للعناية بشتلاتها، كما أنها تحتاج إلى صناديق تصنع محلياً وتنقل إلى الباعة في أنحاء المنطقة، إذ توفر فرص العمل للعشرات بشكل مباشر ولمثلهم بشكل غير مباشر، كموردي الصناديق والسائقين وغيرهم.
وسبق أن نجح الشاب، ناصر الأحمد، بنقل زراعة الفراولة من لبنان إلى ريف حلب شمالي سوريا، معتمداً على خبرته الواسعة في الزراعة، إذ بدأ بشكل تجريبي بزراعة شتلات صغيرة، فكانت التجربة الأولى كانت ناجحة جداً، وفق تقرير لموقع "الجزيرة" عام 2021.
في أحدث تقارير مبادرة "REACH"، التابعة للأمم المتحدة ومنظمات إنسانية وتقوم بجمع البيانات من المنطقة، تعجز 80 بالمئة من العائلات في إدلب عن تأمين احتياجاتها الأساسية، بينما تقل فرص الحصول على العمل الثابت والدخل الملائم بالنسبة لـ94 بالمئة من السكان.