تقارير وتحقيقات | 2 05 2024
إيمان حمراوي
"يلزمنا آنسة للعمل، الدوام من الـ 9 صباحاً وحتى الـ 10 مساء، من عمر 18 وحتى 30 ، والعطلة الأسبوعية يوم واحد، وبراتب شهري 15 ألف ليرة تركية (468 دولاراً)"، إنه أحد إعلانات العمل، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، في مدينة غازي عنتاب جنوبي تركيا، والذي يلخص بشكل مكثف الشروط الجائرة للعمالة السورية.
حقوق تكاد شبه معدومة لدى نسبة واسعة من العمال "لا ضمان صحي ولا وأوراق عمل رسمية و12 ساعة عمل"،إذ لا يصل الراتب إلى الحد الأدنى للأجور (17 ألف ليرة تركية)، فيما تبلغ عدد ساعات العمل 66 ساعة أسبوعياً، بينما يحدد القانون التركي عدد ساعات العمل الأسبوعية بـ"45 ساعة"، وفق وزارة "الداخلية التركية".
ويعمل الكثير من السوريين بمردود مادي منخفض، وأقل من الحد الأدنى للأجور، بسبب انتشار العمالة غير الشرعية، ويبلغ عدد السوريين المسجلين تحت الحماية المؤقتة في جميع أنحاء تركيا حتى أواخر شباط الفائت، 3 ملايين و151 ألفاً و915 شخصاً، وفق جمعية "multicolor".
أستدين وراتبي دون المطلوب
العمل في تركيا مضمون في الدستور والقوانين ومعترف به للجميع، لذا لكل شخص حق العمل في تركيا ولكن يجب الحصول على تصريح عمل.
تفكّر سمر (39 عاماً) سيدة سورية، بينما تعمل في جمعية خيرية بمدينة غازي عنتاب، وهي في اليوم الثاني من الشهر الجديد حول كيفية إكمال الـ 28 يوماً المتبقية، بعد أن استلمت راتبها الذي لا يتجاوز 8 آلاف ليرة تركية (250 دولاراً) ودفعته لمن استدانت منهم الشهر الفائت.
تتحدث سمر لروزنة، بحرقة قلب، وهي المعيلة لطفلة في الصف الثاني، عن حقوقها المهدورة: "أعمل في هذا المكان منذ أكثر من ثلاث سنوات، راتبي لا يكفيني أساسيات الحياة، وإلى الآن لم أجد عملاً يوفيني حقي ويعطيني حتى الحد الأدنى للأجور (...) عملي من الساعة التاسعة وحتى الخامسة، وبدون إذن عمل".
وتابعت: "طلبت مني ابنتي العيد الفائت ثياباً جديدة، ورغم الوضع المادي المتردي، استدنت مجدداً، واشتريت ما أرادت، لا ذنب لها في واقعنا السيء".
وتعيش السيدة في منزل شبه مهدّم من الزلزال، تحت الخطر، ومع ذلك تدفع مقابله بالاشتراك مع أخيها إيجاراً بقيمة 8 آلاف ليرة تركية "لا أستطيع الانتقال إلى بيت عادي بسبب ارتفاع أسعار الإيجارات"، تقول لروزنة.
اقرأ أيضاً: أنا الأم "المكرّمة".. لا مكان لي في سوق العمل
ومع مطلع العام الجاري، رفعت تركيا الحد الأدنى للأجور بنسبة 49 بالمئة، ليصبح 17002 ليرة تركية، فيما شهد عام 2023 زيادتين على الحد الأدنى للأجور، ففي مطلع العام رفعت بنسبة 54.66 بالمئة، وفي تموز رفعت بنسبة 34.04 بالمئة، كذلك رفعت الحد الأدنى للأجور مرتين عام 2022.
وأعلن مؤخراً، "الاتحاد التركي لنقابات العمال" (Türk-İş) عن بيانات حدود الجوع والفقر لشهر نيسان الفائت، إذ بلغ حد الجوع في تركيا 17 ألف و725 ليرة تركية، متجاوزاً الحد الأدنى للأجور، فيما بلغ حد الفقر 57 ألف و736 ليرة تركية، أما تكلفة المعيشة للموظف الأعزب بلغت شهرياً 22 ألف و991 ليرة تركية.
وارتفع التضخم في تركيا للشهر الخامس على التوالي، على أساس سنوي، ليصل إلى 68.5 بالمئة في شهر آذار الفائت، بعد أن سجل 67.1 بالمئة في شباط، وفق بيانات "معهد الإحصاء التركي"، في وقت تجاوزت فيه الليرة التركية حاجز الـ 32 ليرة مقابل الدولار الأميركي الواحد.
لا إجازة ولادة وتهديد بالفصل!
تتمتع الأمهات العاملات، وفق القانون التركي بحق الحصول على إجازة أمومة مدتها 16 أسبوعاً، بحسب ما ذكرت لروزنة في وقت سابق، المحامية علياء العلواني.
ناهد (33 عاماً) معلمة في أحد المراكز التعليمية بولاية كيليس، أوشكت على الولادة، فطلبت من إدارة العمل إذناً، ظنت أنه بإمكانها الاستراحة لمدة شهر على الأقل، لكي ترعى مولودتها الجديدة، لكنها تفاجأت بمنحها 10 أيام لا أكثر.
السيدة السورية هي إحدى المعلمات اللواتي كنّ يعملن تحت رعاية منظمة "يونيسيف" قبل فصلها مع آلاف المعلمين قبل سنوات في تركيا، لم تجد عملاً يمنحها "تصريح عمل" وهو ما اضطرها لقبول العمل في أدنى الشروط، من أجل مساعدة زوجها على إدارة شؤون الحياة المادية.
ويمكن للأم العاملة الحصول على إجازة دون أجر لمدة 6 أشهر كحد أقصى، وتعتبر هذه الإجازة الغير مأجورة لاحقة للأمومة، لكنها تشترط موافقة "صاحب العمل"، هذا الحق لا يفرق بين المواطنة التركية والأجنبية العاملة بموجب تصريح عمل، تشرح العلواني لروزنة.
أجبرت ناهد بعد 10 أيام من الولادة للحضور إلى العمل مع مولودتها الصغيرة التي لا يتعدى وزنها 3 كيلو، تحت التهديد بالفصل في حال عدم الحضور، تحدثنا: "لم يكن أمامي خيار آخر، أحضرت ابنتي معي، لمدة أسبوعين، خفت عليها من نسمة الهواء، فهي لم تتأقلم بعد على الحياة خارج الرحم".
فكرت ناهد كثيراً، لتجد حلاً أخيراً، بخصوص ابنتها، من خلال تركها عند عائلة زوجها خلال ساعات العمل، وهو ما يشكل عبئاً عليها في ظل حاجتها للراتب الذي يبلغ 7 آلاف ليرة تركية مع أواخر العام الفائت.
ومع مطلع العام الجاري، تفاجأت ناهد بفصلها مع العمل، بحجة تقليص عدد الموظفين، دون سابق إنذار، ودون راتب أخير حتى، لتبقى تحت ظل الحاجة المادية هي وزوجها وطفليها.
قد يهمك: تعمل في تركيا ..هذه الحقوق تحميك من الاستغلال
فصل دون سابق إنذار
ناهد ليست الوحيدة التي فصلت دون سابق إنذار، الشاب السوري، ماهر (35 عاماً) تفاجأ قبل شهر بفصله من العمل، دون أي تمهيد، بحجة تقليص عدد العمال، في معمل لتغليف المنتجات الغذائية.
عمل ماهر لمدة عام ونصف دون إذن عمل، وقبل مضطراً لإعالة أسرته المؤلفة من ثلاثة أطفال وزوجته ووالدته، يقول لروزنة: " إيجاد فرصة عمل جديدة مع كامل الحقوق أمر في غاية الصعوبة، لا أستطيع الانتظار أو الانقطاع عن العمل لمدة طويلة (...) من يطعم أطفالي وأسرتي؟" يتساءل، لافتاً إلى استغلال أرباب العمل لتلك الحاجة.
ويشير ماهر إلى عدم وجود تعويض في نهاية العمل "أعطونا الراتب بقيمة 17 ألف دون أي إضافات أو تعويض".
وفي قانون العمل التركي هناك شروط مطلوبة لصرف مكافأة نهاية الخدمة، ضمن المادة (14 )من قانون العمل رقم 1475، إذ يشترط أن يكون الموظف قد عمل لدى نفس صاحب العمل لمدة سنة واحدة على الأقل.
ووفق المواد من 18 إلى 21 من قانون العمل التركي رقم (4857)، في حال إنهاء أي عقد عمل من قبل صاحب العمل، يجب إخطار الإنهاء كتابياً، ويجب ذكر سبب الإنهاء بوضوح، ويجب دفع الحقوق القانونية الناشئة عن الإنهاء إلى الموظف في تاريخ الإنهاء.