تقارير وتحقيقات | 21 03 2024
نور الدين الإسماعيل
لم يعد في مقدور معظم السوريين الاستمرار في أحد الطقوس الاجتماعية الرمضانية المتوارثة، عبر تبادل دعوات ولائم الإفطار بين الأقارب والأصدقاء، نتيجة تردي الأوضاع الاقتصادية في مختلف مناطق سوريا.
ويعد تبادل دعوات الولائم في شهر الصيام طقساً اجتماعياً رمضانياً متّبعاً في غالبية مناطق سوريا، إضافة إلى "السِكبة" (تبادل صحون الطعام بين الجيران والأقارب).
"هي مرة في العام"
وصف أحمد الذي يعيش في مدينة إدلب جَمعة العائلة على مائدة الإفطار بأنها مناسبة تأتي مرة في العام، "لذلك لا يمكن التخلي عنها".
وفي حديث لروزنة أضاف أحمد الموظف في إحدى المنظمات الإنسانية في شمالي غربي سوريا، بأنه يحاول أن لا يتخلى عن تلك العادة حتى لو اضطر إلى تخفيف التكاليف إلى الحد الأقصى، قائلاً: "المهم عندي هو اجتماع العائلة على مائدة رمضان".
بالمقابل، اعتبر أبو موسى الذي يعيش في مدينة حارم أن ذلك بات "بذخاً ورفاهية غير ضرورية على الإطلاق" لديه ولدى من يعرفهم، مؤكداً أنه غير قادر على دعوة أحد أو قبوله دعوة من أحد، بسبب الوضع المعيشي الصعب الذي يعاني منه.
وحسب رأي "أبو موسى" فإن الوليمة المتواضعة لعائلتين معاً تكلف 50 دولاراً أمريكياً، وهو مبلغ كبير بالنسبة له، حيث يمكنه أن يعتمد عليه لتأمين موائد إفطار عائلته طيلة أسبوعين كاملين.
"ليسوا مطالبين بردها"
في مناطق سيطرة النظام السوري لا يختلف الوضع كثيراً عن منطقة شمالي غربي سوريا، من حيث الأزمات المعيشية المختلفة، وسوء الواقع الاقتصادي المترافق بانهيار الليرة السورية.
تعمل ربا وزوجها في تجارة الألبسة المستعملة "البالة" بمدينة حمص، وتتكون عائلتهما من أربعة أشخاص، (طفلان 11 سنة و 8 سنوات).
قالت ربا لروزنة: "أقل عزيمة (وليمة) تكلف اليوم 500 ألف ليرة سورية (الدولار الواحد يساوي اليوم 14 ألف ليرة سورية)، وتحضر تلك الوليمة من طبق لحوم وطبق خضار".
وكشفت أنها دعت أختها وزوجها قبل أيام، حيث لم يعد بإمكانها توجيه دعوات أخرى مستقبلاً خلال الشهر، "بسبب ضغط المدارس والغلاء"، مشيرة إلى أن أختها غير قادرة على رد الدعوة بسبب وضعهم المادي، "وليسوا مطالبين بردها".
قانون جديد!
سوء الأوضاع المعيشية دفع بعض المتمسكين بذلك الطقس الرمضاني الاجتماعي إلى ابتكار حيل تمكنهم من الاستمرار في ذلك الطقس، وبأقل التكاليف.
أخبرنا رامي (49 عاماً) أنه يعمل في مصنع بمدينة دمشق، حيث يبلغ راتبه الشهري 500 ألف ليرة سورية، إضافة إلى أن زوجته موظفة أيضاً، وتتقاضي راتباً قدره 200 ألف ليرة سورية.
تحاول أسرة رامي أن تحافظ على طقس الدعوات على الولائم الرمضانية بين الأصحاب والأقارب، ولكن ضمن قوانين جديدة، يوضحها رامي قائلاً: "تجتمع أسرتان أو ثلاث أسر في منزل أحدنا، وكل أسرة تشارك في العزومة (الوليمة) فتحضر طبقاً أو اثنين".
ويتابع حديثه: "لا يوجد قيود أو تكاليف إنما هي طبخات بسيطة، أرغب بتسميتها المشاركة الرمضانية، لاستجلاب البركة"، حيث يعتبر أنه "لا يمكن الاستغناء عن أجواء الازدحام الرمضاني وصراخ الأطفال قبل موعد الأذان".
وبحسب "العزيمة التشاركية" التي حدثنا عنها رامي، تتكفل الأسرة صاحبة البيت المضيف، بطبق واحد إلى جانب المشروبات الرمضانية، السوس والتمر الهندي (الليتر الواحد من أي مشروب فيهما بـ 13 ألف ليرة سورية) و"أكوام الجلي"، قال رامي ضاحكاً.
"لا وليمة هذا العام"
بالانتقال إلى مناطق شمالي شرقي سوريا نجد أن الواقع واحد بغض النظر عن الجهات المسيطرة على الأرض، نتيجة وحدة المعاناة وسوء الواقع المعيشي.
حدثتنا أسماء التي تعيش في مدينة القامشلي قائلة إن الولائم باتت "هذا العام مستحيلة بسبب الغلاء الكبير على أسعار المواد مقارنة بالدخل"، مشيرة إلى الوليمة البسيطة والمتواضعة لشخصين فقط تكلف بين 600 و 700 ألف ليرة سورية، في حين تكلف وليمة لـ6 أشخاص، أكثر من مليون ونصف.
واعتبرت السيدة أن الغلاء "الفاحش" بات عائقاً كبيراً أمام تلك العادات الاجتماعية التي وصفتها بـ"المحببة".
ولم يختلف رأيها عن رأي أحمد محمد علي من القامشلي، والذي أجاب عن سؤالنا حول الولائم، قائلاً: "لقد باتت فعلاً ماضياً"، حيث لا يمكن إقامة أي وليمة في رمضان دون المليون ليرة سورية، وفق حديثه.
ارتفاع معدل الاحتياجات
في منتصف آذار الجاري أعلن المبعوث الأممي إلى سوريا غير بيدرسن، أنّ 16.7 مليون شخص في سوريا يحتاجون إلى المساعدات الإنسانية، وهو أكبر عدد من المحتاجين منذ بدء الحرب.
وبحسب تقارير سابقة صادرة عن منظمة الأمم المتحدة يعيش 9 من كل 10 سوريين تحت خط الفقر، وإن أكثر من 15 مليون سوري، أي 70 بالمئة من إجمالي عدد السكان، يحتاجون إلى المساعدات الإنسانية.
شارك في إعداد المادة: كاتيا داغستاني - حسن الحسين