سوريا: احتفالات عيد الأم حزينة.. تهجير ونزوح وكورونا

سوريا: احتفالات عيد الأم حزينة.. تهجير ونزوح وكورونا
سوريا: احتفالات عيد الأم حزينة.. تهجير ونزوح وكورونا

نساء | 21 مارس 2020
وكأن الجميع يتآمر على الامهات و بالاخص السوريات منهن، وفي كل عام يضاف سبب جديد لوحدة الأمهات السوريات، وهذا العام جاء فيروس ( كوفيد-19) ليزيد من هذه الغصة.

كورونا والحجر الصحي


جائحة تنفسية هزت العالم ومنها السوريين، أضافت طابعاً جديداً على عيد الأم هذا العام، اذ فرض انتشار الجائحة على الدول الزام مواطنيها بحجر صحي منعاً لتفشي الفيروس. زادت في وحدة الأمهات في المخيمات و المناطق المغلقة في لبنان والاردن وداخل سوريا في بعض المناطق.

وحلت وسائل التواصل الاجتماعي وسيلة التواصل بدل الزيارات المتبادلة، و تقول ريما وهي لاجئة مقيمة في الاردن: " هذه السنة عايدت امي عبر الواتس اب، تحدثنا عبر الفيديو وارسلنا لها القبلات انا والاودي . لم نستطع انا واخوتي زيارة امي في عيد الأم، هذا العام الحجر الصحي بسبب فيروس كورونا منعنا من الوصول اليها".

التهجير القسري يكسر خاطر الامهات

لم يمنع تواجد الأمهات داخل جغرافية سورية واحدة، الشعور بالاغتراب عن أبنائهن، وأن البلد باتت مجموعة بلاد، بعد نزوح أكثر من 6 ملايين داخل البلاد ، والترحيل الذي شهدته عدة مناطق سورية. 

منتهى عبد الرحمن ابنة الزبداني، هُجرت إلى إدلب بعد اتفاق المدن الأربعة (الزبداني-مضايا-الفوعة-كفريا) في حين بقيت بناتها الثلاثة في مدينتها الأم. 

وتقول منتهى، البالغة من العمر 40 عاماً، لـ(روزنة):"لم يكن لدي خيار، إما البقاء بجوار بناتي تحت سلطة نظام أدرج اسمي ضمن قائمة "أخطر النشطاء المطلوبين للجهات الأمنية في المنطقة"، أو أن أغادر خالية الوفاض؛ "لاعائلة، ولا منزل، ولا وطن".

وتضيف: "مرّ نحو عامين على آخر مرة رأيت فيها أبنائي الذين كانوا يشغلون كل وقتي أو تفكيري، وكرست لهم كل ما منحت ليتمكنوا من استكمال تعليمهم".

لكن منتهى لم تقطع الأمل في رؤية بناتها. تحاول تسكين آلام الفراق بالتواصل معهن عن طريق شبكات التواصل الاجتماعي، وقالت: "أحاول أن أكون قريبة منهم، وأبحث في أدق تفاصيل حياتهم اليومية حتى تلك التي لا يعتبرونها مهمة بالنسبة لهم، ليشعروا أن شيئاً لم يتغير".

وعندما لا يكون هناك شبكة انترنت فإنها تقضي ليلها "ساهرةً" وتشعر "بحالة من تأنيب الضمير تجاههنَ" لكونها "ليست قريبة منهن".

اقرأ أيضاً: تسعون بالمئة من الأمهات يشعرن بالقلق.. ماذا عنكِ أنتِ؟ (إنفوغرافيك)

باصات التهجير حملت معها قلوب الأمهات

تقول أم أحمد، البالغة من العمر 55 عاماً، والتي تقطن في بلدة مضايا بريف دمشق:" لم أستطيع توديع أبنائي الأربعة عندما غادروا مضايا، مشهدهم و هم في حافلات الترحيل لا يغادرني للحظة".

غادر أبناء أم أحمد الأربعة مدينتهم في ريف دمشق بعد سيطرة قوات النظام عليها، وعبرت عن أسفها لأنها لم تتمكن من وداعهم عند مغادرتهم للمدينة.

وتضيف أم أحمد أنها تحاول التغلب على شعور الشوق من خلال التواصل مع أبنائها بشكل يومي عبر شبكات التواصل الاجتماعي كي تريح قلبها قليلاً، وتسعى لمعرفة حياتهم المعيشية لكي تكون على دراية كاملة بأوضاعهم.

احتفال الامهات مسجون خلف القضبان

سوسن المقيمة في دمشق، تمضي أيامها في منزلها منتظرة زوجها وابنها (أحمد) المعتقلين عند النظام في عام 2012، حتى أنها تأبى منذ السبع سنوات مغادرة منزلها على أمل أن يأتي أحمد، وتقول لـ(روزنة) "ربما يأتي (أحمد) في لحظة، سأكون هنا أعد له غرفته ارتبها وأجهز الحمام ليستحم فربما قضى فترة طويلة دون استحمام، ومن المؤكد أنه يتلهف لطبخة محاشي".

سوسن، التي تجاوز عمرها الـ 50 عاماً، رفضت السفر مع ابنتها الوحيدة إلى خارج سورية، وأضافت: "لم أترك أية وسيلة، بحثت في أغلب الأفرع الأمنية وتكلمت مع العديد من المنظمات الحكومية دون خبر عن مكانهما أو كونهما على قيد الحياة أم لا"، وأكدت أن "الانتظار والترقب هو الفعل الأصعب، أحيانا تخذلني قواي وفي لحظات أتمنى أن أعلم أي شيء حتى وإن كانا قد ماتا، فالمعرفة تبقى أسهل وأخف وطأة من هذا الانتظار دون ذرة أمل".

أوراق لم الشمل تمنع عيد الأمهات!

تعيش أم عدي مع زوجها وابنها الصغير في السويد، لكن قلبها مع ابنها في دمشق، وتروي قصتها لـ(روزنة) قائلة: "لدي أربعة أولاد، ابنتي موجودة في ألمانيا، وابني الصغير وصل السويد وقدم أوراق لم شمل لي ولزوجي وابنتي باستثناء ابني الذي بقي في سورية"، وأيضًا تحاول أم عدي تخفيف شوقها لابنها عن طريق منصات التواصل الاجتماعي.

وتشير أم عدي إلى أنها تتواصل مع ابنها في كل يوم، وتأمل "الاجتماع بعائلتها قريباً لتشعر بمعنى كلمة أم في يوم عيدها"، وتضيف: "الأيام القادمة كفيلة بأن تجمعني بولدي.. البعد لا يبرد مشاعر الولد لأمه التي حملته تسعة أشهر وتحملت لأجله الكثير من الوجع فالعلاقة بينهما وثيقة ولا يلغيها الوقت".

أما أم إياد، التي فقدت زوجها وابنها على يد قناصة النظام أثناء توجههم إلى العمل، ذهبت إلى السويد بطريقة غير شرعية، وبدأت معاملة لم الشمل لابنها الذي كان في سورية، لكن تأخر الموافقة إلى تجاوز ابنها لعامه الـ18، الأمر الذي "أسقط عنه لم شمل".

قام إياد بمحاولة السفر بطريقة غير شرعية إلى السويد ليلتقي بها، فوصل إليها بلغاريا، لكن قرار الترحيل كان أسرع من رؤية والدته، فتمت إعادته إلى بلغاريا حيث باتت أمه تلتقيه هناك بين الآونة والأخرى.

وتقول أم إياد لـ(روزنة): "حرقة القلب هو ما أعيشه اليوم بسبب بعدي عن ابني، فلا عيد للأم بدون عناق ابني"، معربة عن أملها في رؤيته "متزوجاً ومكوناً عائلة لكي تعود الفرحة إلى قلبي".

القبر ملاذ الأمهات 

حتى الموت كان له حصة في أوجاع الأمهات، فأم كميل تمضي كل أسبوع يوماً كاملاً عند قبري ابنيها كميل وحسام، توفيا في جرمانا بريف دمشق إثر سقوط قذيفة هاون على المحل الذي يعملان فيه، وتتذكر الحادثة قائلة لـ(روزنة):"حسام كان خارجاً للتو حدثته على هاتفه وأخبرني أنه قادم للمنزل، لماذا بقي في المحل؟ لماذا عمد على حرق قلبي، لو استعجلته كان نجا".

أبو كميل يروي لنا معاناة زوجته: "لا تسمح لأحد بالدخول لغرفتهم ولا تزال تقوم بترتيب ملابسهم بشكل دوري وكأنهما حيان يرزقان"، وأضاف لـ(روزنة): "لا تستطيع زوجتي تقبل واقع خسارتها، ولازلتُ أواسيها وأحاول أنا وابني وابنتي أن نجعلها تخرج من هذه الصدمة، هي أم وخسرت ابنها البكر وابنها الصغير!".
 
 
في مدينة جرمانا أيضًا تعيش الحاجة حسنة، نازحة من منطقة عربين بريف دمشق، التي فقدت ابنيها و زوجها، وتقول لـ(روزنة):"مات ابني الأول ولم استطع رؤيته بعد مضي عام عن فراقي عنه، لم يقوموا باخباري حتى مضى أسبوعين، لكن عندما مات ابني الثاني لم يستطيعوا إخفاء الأمر، لم أستطع توديع أبنائي".

 وتلوم الحاجة نفسها لأنها غادرت عربين قائلة: "لا أحد عليه الخروج من منزله، لم أعرف كيف ماتا، هل تألما وعانيا، أم كان الموت سريعاً مباغتاً، لم أستطع تقبيلهما، والنظر في عينيهما لآخر مرة، لن اسمع كلمة يا ماما كوني بخير بعد ما فقدتهما" .

أما عبير، فما زالت تتأمل بأن يكون خبر موت ابنها سامي في المعتقل "كذب"، حيث تم إخبارها بأنه مات في المعتقل وسُلمت أوراقه دون الجثة، وتقول لـ(روزنة):"كل يوم عندي حرقة في قلبي، لن يختلف عيد الأم بالنسبة لي عن أي يوم آخر من أيام العام".

وتضيف:"أعلم أنه من الحماقة أن أمتلك أملاً بعودة سامي وخصوصاً بعد استلام بيان الوفاة، ولكنني لم أرَ جثمانه ولا أعلم مكان دفنه، وكثيراً ما سمعت قصصاً عن معتقلين ومفقودين عادوا للحياة، لعل سامي أحدهم"، مؤكدة أن ابنها "لطالما أحب الحياة وتمسك بها.. لا أظن أنه من السهولة أن يكون فارقها بين أيدهم".

تبقى الأمهات حاملة ابنائها في قلوبهن و احشائهن حتى بعد الولادة، والألم يحاصرهن على فلذات أكبادهن الغائبين بين السفر و الاعتقال و الموت.  

الكلمات المفتاحية
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق