الديموغرافيا الكردية.. معادلة غير مستحيلة الحل

الديموغرافيا الكردية.. معادلة غير مستحيلة الحل
القصص | 16 سبتمبر 2013

تلمستُ غضب أحد ضباط البيشمركا في إقليم كردستان العراق من لاجئ كردي هرب من سوريا، سائلاً بلهجة حزينة: "لماذا تهربون من مناطقكم الكردية؟ فنحن عندما هربنا من كردستان، هربنا من القصف الكيماوي. وأنتم تهربون من ماذا؟"

هذا السؤال أحالني اليوم إلى الحديث عن التغيير الديموغرافي في سوريا "لم أستخدم كلمة التغير، لأن في التغيير ثمة قصد ونية مسبقة وتدبر ونتائج محسوبة، كما هو في اللغة العربية" من البديهيات التي تسير خلف أي حرب أو ثورة أو أزمة معيشية أو حتى في الحالات العادية التي مرت بها سوريا قبل انطلاقة الثورة في آذار / مارس 2011، كون البلد عانى أساساً من هجرات داخلية ونزيف في الأعمال المتوفرة لأبناء المنطقة الشمالية الشرقية من البلاد، في وقت تشير فيه دراسات إلى أن ثلاثة أخماس سكان سوريا يتركزون في محافظات حلب وحمص وحماه وريف دمشق ودمشق، والبقية في المحافظات الأخرى.
أما في المناطق الكردية، فيشكل الإحصاء الذي ضربها في الحسكة والقامشلي عام 1962م أولى حالة للتغيير الديموغرافي في منطقة حيوية، بعد أن أسكنت الحكومة السورية الأخوة العرب عنوةً في المناطق الكردية، وغيّرت أسماء القرى من اللغة الكردية إلى العربية، وجرّدت أكثر من ثلاثمائة ألف كردي من جنسيته السورية، ثم أصدرت مشروع "الحزام العربي"... فكل هذه الإرهاصات والاستفزازات أسست لمرحلة قادمة "خطيرة" نشهدها الآن.
تشهد القامشلي هجرات داخلية متعاقبة من كافة مناطق سيطرة النظام وحتى المعارضة عليها، كون المناطق الكردية تعيش حالة من الأمان مقارنةً بالمناطق الأخرى، فهي تتمتع نوعاً ما بإدارة ذاتية لأماكن تواجد الكرد، الأمر الذي جعلتها من مكتفية ذاتياً إلى فترة ليست بعيدة؛ فنظراً للأوضاع المعيشية والخدمية السيئة فيها، يهرب آلاف الناس من موجة الغلاء الفاحش والانقطاع المستمر للماء والكهرباء والغاز والاتصالات إلى أقرب دولتين، هما العراق "كردستان العراق" وتركيا، ويبدو أن هذه الحقيقة لا يعلمها الكثيرون، لأن الجماعات الإسلامية التي من المفترض أن تكون سبب هذه الهجرات، إلا أن الأمور الخدمية يبدو أنها الأهم، فقوات حماية الشعب "ي ب غ" تسيطر على معظم المناطق باستثناء اشتباكات متفرقة.
وليس هذا فقط، بل يستاء الناشطون الكرد من سوء التغيير الديموغرافي، منادين الأهالي بالبقاء في منازلهم، على أن يسافر واحد أو أكثر يعيل أسرته، فلا داعي لهجرة الأسرة بكاملها، وينوهون إلى خطورة بيع منازل الكرد لغيرهم، بعد أن شهدت القامشلي لجوء الكثيرين إليها من حمص وحلب والرقة ودير الزور. فكيف يؤثر هذا على التغيير السكاني؟
تتعقد الحكاية أكثر، حين نعلم أن عدد اللاجئين إلى إقليم كردستان العراق تجاوز المائة ألف لاجئ، وبلغ عدد المخيمات ثلاث بدلاً من واحد "دوميز"، فالكثيرون لا يفكرون بمستقبل منطقتهم على المدى المنظور وخطورة ما يحدث في الشمال الشرقي من سوريا، كون الرقة كمثال تحكمها جبهة النصرة، التي أعلنت عن إقامة الدولة الإسلامية في العراق والشام، بينما لا تزال دير الزور تعيس تحت وابل قصف النظام، وتعيش جارتها الحسكة نوعاً من الهدوء.
إذاً، لا تتعلق الحكاية باتساع رقعة التغيير بقدر ما تتخذ لنفسها مسارات مستقبلية، لن تقف عند التنوع السكاني والثقافي الجميل الذي نأمله ونفخر به، وإنما بنظرة الكثيرين إلى الآخرين بكل أنانية وإلغائية وإقصائية، لأن من الممكن الاستفادة من هذا التغيير في الديموغرافيا من خلال تشكيل صورة فسيفسائية بديعة لا تتوقف عند حد، كما هي تجربة الدول الأوروبية أو حتى الهند، كون المناطق الشمالية الشرقية من وطننا تزخر بخيراتها، وعلينا دعمها دون أن يحتدم الصراع عليها ويتحول هذا التغيير الديموغرافي المقصود إلى مجرد رقم في معادلة سورية مستحيلة الحل.
--------------------------------

مقالات الرأي لا تعبر بالضرورة عن رأي روزنة


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق