تقارير | 10 10 2023
نور الدين الإسماعيل
يدخل اليوم الثاني للتهدئة على مناطق شمالي غربي سوريا، بشكل حذر، في ظل غياب معظم أهالي مدينة دارة عزة عن مدينتهم، نازحين في مناطق أخرى، بعد حملة قصف مكثف تعرضت له المدينة خلال 4 أيام، بعضها كان بالنابالم الحارق المحرم دولياً، وفق ما ذكر الدفاع المدني السوري.
لا يمكن للمتابع لتحذيرات المراصد المحلية إلا أن يعرف حجم القصف الذي طال المدينة الواقعة في ريف حلب الغربي، بالصواريخ والمدفعية الثقيلة، من مواقع تمركز قوات النظام السوري المنتشرة على خطوط التماس.
اقرأ أيضاً: تضليل.. "أدرعي" و"الوطن" ينشران فيديو لقصف أريحا السورية على أنه في غزة
نزوح كبير شهدته المدينة منذ الأيام الأولى لحملة القصف، إضافة إلى انقطاع الطريق الواصل بين مناطق ريف حلب الشمالي الذي تسيطر عليه فصائل "الجيش الوطني" ومناطق إدلب التي تسيطر عليها "هيئة تحرير الشام"، حيث تشكل المدينة عقدة الربط بين المنطقتين.
ما حصل هو تمشيط للمدينة
للوقوف على ما واجهته مدينة دارة عزة من قصف صاروخي ومدفعي خلال أيام الحملة، توجهنا إلى الصحفي السوري إبراهيم الخطيب، والذي بقي في المنطقة لتغطية القصف على المدينة، حيث كان متاحاً لنا التواصل معه من بين عدد قليل جداً من الذين لم يغادروا المنطقة.
قال الخطيب لـ"روزنة" متحدثاً عن بداية الحملة: "استهدف النظام السوري المدينة في اليوم الأول بخمسين قذيفة مدفعية فقط، 6 راجمات فتحت نيرانها على دارة عزة، وفي اليوم الثاني تجدد القصف براجمات الصواريخ والمدفعية".
وكشف الصحفي السوري أن القصف لم يكن بالأسلحة التقليدية فقط، ففي اليوم الثاني استهدفت المدينة "بأحد الصواريخ التي تحوي نوعاً من أنواع النابالم، ما أدى لاحتراق 20 سيارة إضافة إلى حرائق في عدد من المنازل".
وتابع حديثه مبدياً دهشته من كثافة ونوعية القصف، قائلاً: "إنها المرة الأولى التي أشاهد فيها تمشيطاً للمدينة بهذا الشكل، فقد استهدفت كل الأحياء، ولا يوجد حي واحد لم يستهدف بقذيفة مدفعية على الأقل، لمدة 3 أيام متتالية، ما جرى في دارة عزة كان تمشيطاً للمدينة بالصواريخ والقذائف المدفعية".
وخلال عملية التغطية الصحفية للحملة، عاين الخطيب استهدافاً بأسلحة محرمة دولياً: "رصدتُ 12 صاروخاً محملاً بالفوسفور استهدفت المدينة خلال الحملة، 6 منها خلال يوم واحد فقط"، وفق قوله.
حتى المخيم القريب من المدينة لم ينجُ من القصف، بحسب ما أخبرنا، "استهدف القصف مخيم الصناعة ما تسبب بإصابة عدد من المدنيين المقيمين فيه، وهو مخيم أُنشئ على طريق الأشرفية، خلال الحملة العسكرية التي شنها النظام السوري وروسيا والمجموعات التابعة لإيران عام 2020، ويضم 100 أسرة تقريباً، إلا أنه خلال الأيام الماضية أصبح خالياً من الأهالي بشكل تام".
استهداف للمرافق الحيوية
تضررت العديد من المرافق العامة والمؤسسات المدنية في دارة عزة، نتيجة القصف، بعضها كانت أضرارها كبيرة، في حين كانت أضرار أخرى غيرها بسيطة.
تحدث الصحفي إبراهيم الخطيب عن هذه النقطة، فقال: "طال مركز الدفاع المدني بالصواريخ التي تحمل الفوسفور، ومحيط مدرسة تقع بالقرب من السوق الرئيسة في المدينة، ومحيط مستشفى الكنانة، والسوق الرئيسة التي استمر استهدافها طيلة 3 أيام، ما خلّف دماراً جزئياً في المحلات التجارية، إضافة إلى تضرر شبكة الكهرباء".
وأضاف: " توقف المستشفى في المدينة عن العمل، لأنه بات غير آمن على المصابين وغير قادر على استقبال حالات الإصابة بسبب كثافة القصف، كما توقف المركز الصحي، وشركة الكهرباء، ودائرة الأحوال المدنية".
ونوه إلى أن المؤسسات العامة في دارة عزة توقفت بشكل كامل "بدون إعلان رسمي"، باستثناء مخفر الشرطة الذي لم يتوقف عناصره عن العمل.
نزوح تام ومدينة أشباح
اعتبر إبراهيم الخطيب أنه كان لنزوح المدنيين خلال اليوم الأول دور كبير في انخفاض نسبة الإصابات خلال الأيام اللاحقة، وذلك بعد ربط النظام السوري بين حادثة "الكلية الحربية" في حمص وتحميل مسؤوليتها للفصائل العسكرية المتواجدة في المنطقة، والتهديدات التي أطلقها، "أدرك الأهالي أن انتقام النظام منهم سيكون كبيراً".
"لأول مرة خلال أيام قليلة ينزح أهالي المدينة بهذا الشكل، تخيل، مدينة كاملة تفرغ من سكانها خلال يومين! فخلال اليوم الأول لم يبق أحد في المدينة سوى عدد قليل جداً لجؤوا إلى أقبية منازلهم، فالناس كانت متخوفة جداً، وقد توقعوا ردة فعل النظام الإجرامية بحق المدنيين"، قال الخطيب.
وأوضح أن القصف تسبب بنزوح غالبية المدنيين عن المدينة، باستثناء الذين لديهم أقبية يلتجئون إليها، فتحولت إلى مدينة أشباح.
يشرح: "الطرقات خالية تماماً من المارة، حتى أن الطريق الواصل بين معبر الغزاوية (المعبر الذي يصل مناطق إدلب بريف حلب الشمالي) توقفت فيه الحركة التجارية تماماً، لإفساح المجال أمام السيارات المدنية للعبور نحو ريف حلب الشمالي بشكل سلس".
مبدياً ارتياحه لانخفاض أعداد الضحايا قياساً بكثافة القصف، أكد أن الأهالي توجهوا نحو أقاربهم في مناطق أطمة وقاح وعقربات وعفرين وبعض القرى التابعة لدارة عزة، إضافة إلى إقامة بعضهم في الأراضي الزراعية.
قد يهمّك: هدوء نسبي شمالي سوريا.. وإحصائية: 42 قتيلاً و78 ألف نازح منذ التصعيد
وبحسب الخطيب، فقد أقيم مركز إيواء مؤقت لأهالي دارة عزة في قرية البردقلي شمالي إدلب، "يضم 50 عائلة من المدينة، بينما توجه عدد آخر منهم نحو مركز الإيواء المؤقت في كفردريان، وآخرون أقاموا في العراء بسبب عدم وجود مكان يأوون إليه، وعدم قدرتهم على استئجار منازل".
ماذا عن التهدئة؟
دخلت التهدئة "غير المعلنة" يومها الثاني، حيث لم يُرصد أي استهداف متبادل لمواقع مدنية مكتظة منذ ليل الأحد - الإثنين، باستثناء بعض المواقع الواقعة على خطوط التماس في ريف حلب الغربي وإدلب الجنوبي.
تلك التهدئة لم تعطِ ضماناً لأهالي دارة عزة النازحين عن مدينتهم، وفق الخطيب، والذي رجح عدم عودة الحياة إلى طبيعتها في 10 أيام، حتى لو بقي الهدوء مستمراً، بسبب ما وصفه ردة الفعل النفسية التي يعيشها الأهالي، مضيفاً: "تحدثت إلى بعضهم عن إمكانية عودتهم في الوقت الحالي، إلا أنهم أكدوا عدم وثوقهم بالنظام السوري، وليسوا مضطرين لإرسال أطفالهم إلى المدارس في ظل وجود خطر محتمل".
أهمية دارة عزة
عن أسباب تركيز النظام السوري على مدينة دارة عزة، قال الخطيب: "أتوقع أن السبب يعود إلى موقعها بين منطقة عفرين وإدلب، ولتخويف الأهالي وقطع الطريق الرئيسي بين إدلب وعفرين، ففي اليوم الأول تعرضت 3 سيارات على الطريق الرئيس للإصابة المباشرة بالقصف".
تقع دارة عزة غرب مدينة حلب، وتبعد عنها مسافة 30 كم، على طريق قلعة سمعان الأثرية، "كنيسة القديس سمعان العمودي"، والتي تقع على بعد 5 كم من المدينة شمالاً، وتعتبر منطقة حدودية بين محافظتي حلب وإدلب.

اختارها عدد من المهجرين من مدينة حلب للإقامة فيها، وذلك بعد أن سيطرت قوات النظام السوري على حلب عام 2016، إضافة إلى عدد من النازحين من مناطق أخرى.
وكانت قوات النظام السوري قد شنت حملة قصف مكثف على عدة مناطق في شمالي غربي سوريا، بدأت الخميس الماضي، متسببة بمقتل 49 شخصاً وإصابة 279 آخرين، وفق إحصائية لمديرية صحة إدلب، وذلك إثر اتهام النظام السوري فصائل عسكرية بالوقوف وراء حادثة الكلية الحربية في حمص، عبر طائرة مسيرة.