تقارير | 26 05 2023
إيمان حمراوي
"حاولتُ الانتحار بالرصاص الحي بعد هروبي من سجون هيئة تحرير الشام في الشمال السوري خوفاً من الاعتقال مجدداً"، كابوس متكرّر يراود ليالي سامر (24 عاماً) المقيم في تركيا، بعد ارتفاع وتيرة تصريحات سياسيين أتراك حول ترحيل السوريين، بعد انقضاء انتخابات الرئاسة.
في فترة ما قبل الانتخابات الرئاسية التركية، وما بعد الجولة الأولى منها في الـ 14 من أيار الجاري، يعيش سامر بشكل شبه يومي كوابيس مؤلمة، لما يسمعه من تصريحات سياسية عن مستقبل السوريين الذين يتجاوز عددهم 3.5 مليون، وينتظر نتائج الانتخابات في الجولة الثانية بقلق وترقّب.
يصف سامر بتوتّر ما يشاهده وكأنه "حقيقة"، حيث يرى نفسه أيضاً وقد عاد إلى مناطق النظام حيث اعتقل على أحد الحواجز، يقول: "أرى نفسي داخل غرفة سوداء بسجن ما، وأنا مكبّل اليدين والقدمين" ويتابع بعد استيقاظه: "صوت فتح باب الحافلة قبل الاعتقال لا زال في رأسي".
خرج سامر من سوريا عام 2016 هرباً من الخدمة العسكرية إلى تركيا "لم أتخيل نفسي أن أقتل أحداً ما وأن أؤدي الخدمة العسكرية"، يؤكد.
يتابع سامر الأخبار التركية حول الانتخابات بشكل "مَرَضي"، يفكّر فيما لو فازت المعارضة المتمثّلة بكليجدار أوغلو، التي تتحدث عن خطة لترحيل السوريين بأسرع وقت ممكن بعد فوزها.
كذلك يفكر فيما لو فاز حزب "العدالة والتنمية" الحاكم، الذي يتحدث أيضاً عن ترحيل السوريين بشكل طوعي وعلى مراحل، يصف سامر بخوف: "في كلا الحالتين هنا ترحيل".
اقرأ أيضاً: من 70 ألف لثلاثة مليون ونصف.. السوريون في تركيا خلال 11 سنة
"بداية جديدة"
"وصلت وعائلتي إلى مدينة حماة، لا منزل لدينا، حين وصولنا فكرنا كيف نستأجر منزلاً، ومن ثم ماذا سنعمل من أجل أن نؤسس حياتنا من جديد مع طفلتين صغيرتين، بعد ثماني سنوات قضيناها في تركيا" تتحدث لمى (35 عاماً) لروزنة عن الكابوس الذي يؤرقها.
تضيف لمى: "استيقظتُ من الحلم وأنا غير مصدقة أني ما زلت في تركيا، عرفت أنه كابوس جديد، يتزامن مع تصريحات المسؤولين الأتراك عن ترحيل السوريين".
منذ أيار عام 2022 ومع بدء الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالحديث عن العودة الطوعية للسوريين، ولمى تشاهد تلك الأحلام، ازدادت وتيرتها مع اقتراب الانتخابات الرئاسية، التي اعتمد المرشحون في برامجهم الانتخابية على قضية ترحيل السوريين وإعادتهم إلى بلادهم.
تقول لمى: "عدنا إلى الصفر، لا منزل ولا مال ولا أي مقتنيات منزلية، حياة جديدة علينا تأسيسها، فضلاً عن تخلّف زوجي عن الخدمة العسكرية، لا أريد أن أعيش هذا الحلم السيء في الحقيقة".
خرجت لمى وزوجها من سوريا عام 2013 ووصلت إلى تركيا أواخر 2015، بعد معاناة من القصف والدمار والخوف من الموت، وأسّسوا حياة جديدة علّهم يجدون الاستقرار لكن اليوم "عاد القلق والخوف من المجهول إلينا بقوة، أصبحنا ورقة ضغط بيد السياسيين، إلى متى؟"، تتساءل.
ليست لمى وسامر فقط من تراودهم تلك الأحلام، رصدت روزنة الكثير من الشهادات، لأشخاص قالوا إن أحلام العودة إلى سوريا تؤرقهم.
أوروبا.. خيار حاضر
أيضاَ محمد (38 عاماً) شاب مقيم في تركيا، ومنشق عن قوات النظام قبل عشر سنوات عادت تلك الكوابيس مجدداً بعد أن اختفت قبل سنوات، يقول: "حلمت مؤخراً أنّي في دمشق وقد اعتقلتني قوات النظام، ويتم تعذيبي بسبب انشقاقي"، استيقظ فزعاً من كابوسه، متمنياً عدم عودته إلى سوريا مادام حياً.
حاول محمد العام الفائت السفر بحراً إلى أوروبا بطريقة غير شرعية، من أجل بدء حياة جديدة خالية من القلق ومن التهديد المستمر بالترحيل، لكن محاولته باءت بالفشل.
عاد للتفكير مجدداً بالأمر، ويختم حديثه معنا: "بعد الانتخابات سأحاول السفر مجدداً علني أستطيع النجاح هذه المرة".
قد يهمك: "لا نعلم ماهو مصيرنا".. سوريون متخوفون من تحالف أوغان وأردوغان
ما تفسير علم النفس؟
حول التفسير العلمي للحالة، يقول الاستشاري في الطب النفسي الدكتور ملهم الحراكي، لروزنة: "في دماغ الإنسان هناك ما يسمى القشرة، وهي المسؤولة عن اتخاذ القرارات والتفكير والتخطيط، أي كل ما يتعلّق بالأمور العقلانية، وهناك أيضاً القسم العاطفي من الدماغ ، أو الجهاز الحوفي، مهمته تنظيم العواطف، ومنها الخوف والتوتر، وتخزين الذكريات".
ويوضح: "في الوضع الطبيعي وشعور الإنسان بالأمان يكون نشاط الدماغ العاطفي قليل جداً، والذي يعمل هو التفكير العقلاني المسؤولة عنه القشرة".
ويضيف الحراكي: "عندما يصبح هناك تهديد ما، مثل (العودة القسرية)، يتفعّل القسم العاطفي من الدماغ عند الإنسان، وتتوقف القشرة المسؤولة عن التفكير عن العمل".
ويفسر الدكتور ملهم أيضاً: "حينها تتحرك الذكريات القديمة لدى الشخص والصدمات المرعبة التي عاشها السوريون في بلدهم خلال السنوات الماضية، أو التي عاشها أقاربهم وأصدقاؤهم وأحبابهم، أي عندما تنعدم الحلول أمامه في ظل التهديد، يتوقّف التفكير العقلاني عن العمل ، ويبدأ التفكير الانفعالي وغير العقلاني".
" وبالتالي عند بدء عمل الجهاز العاطفي يؤثر ذلك على اتخاذ القرارات والقيام بالسلوكيات المتزنة، فضلاً عن تأثيره على تفكير الشخص وإبداعه وعطائه في البلد الذي يتواجد فيه"، يقول الحراكي.
ويشير الاختصاصي النفسي إلى أنّ إشكالية الكوابيس عادة متعلّقة بالصدمات غير المعالجة، ومن الطبيعي في حال وجود تهديد مباشر أن تتحرك الذكريات لكل من شهد الحرب والقمع والتفجيرات والقصف والاعتقالات إن كان عن قرب أو عن بعد.
وبعد انتهاء الانتخابات التركية وعودة الاستقرار، تلك الكوابيس ستصبح أقل، يقول الحراكي، أما الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات ما بعد الصدمة، قد ترافقهم تلك الكوابيس، وهم بحاجة حينئذ إلى علاج نفسي.
اقرأ أيضاً: اضطرابات نفسية أصابت سوريين خلال الحرب.. تعرّف إليها (فيديو)
نصف مليون سوري عادوا "طوعاً"
آخر التصريحات حول العودة الطوعية، الثلاثاء الماضي، إذ نشرت وكالة "الأناضول" تقريراً تحت عنوان "تواصل العودة الطوعية للسوريين من تركيا إلى بلادهم" تحدّثت فيه عن عودة 554 ألف لاجئ سوري من تركيا إلى سوريا.
ويأتي ذلك في نطاق الجهود التي تنفذها رئاسة إدارة الهجرة في إطار مبدأ "العودة الطوعية والآمنة والكريمة" في مكاتب العودة الطوعية التي فتحتها في 12 ولاية يقطنها السوريين بكثافة، وفق الوكالة التركية.
وجاء في التقرير أنّه "تستمر الجهود لإعادة الحياة إلى طبيعتها في المناطق التي تم تطهيرها من الإرهاب والتي وفرت تركيا فيها الأمن في الشمال السوري".
وقبل أيام صرّح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أنّ بلاده تدعم منذ البداية العودة الطوعية والآمنة للاجئين السوريين، مشيراً إلى أنّ العدد سيزداد "كلما تم تطهير المزيد من الأراضي في سوريا من التنظيمات الإرهابية" وفق وكالة "الأناضول".
ولفت أردوغان إلى أنّ تركيا تهدف لتأمين عودة نحو مليون لاجئ وربما أكثر في المرحلة الأولى من خلال مشاريع منازل الطوب الجديدة.
بالمقابل وعد كليجدار أوغلو قبل أيام، خلال تسجيل مصور، بترحيل السوريين حال فوزه بالانتخابات، وزعم أن عدد السوريين في تركيا وصل إلى 10 ملايين، ليرد عليه وزير الداخلية التركي سليمان صويلو، أن عددهم في تركيا لم يرتفع منذ 2017، وأن عددهم اليوم 3 ملايين و381 ألف لاجئ، وفق موقع "SonDakika".
وينتظر السوريون في تركيا يوم الانتخابات الرئاسية في جولتها الثانية بقلق، والتي ستحسم من سيكون رئيساً للبلاد، المتنافسان هما رجب طيب أردوغان وكليجدار أوغلو، فيما سينتظر سامر ومحمد ولمى والكثيرون ماذا سيخبئ لهم المستقبل في تركيا بظل التغيرات السياسية المتسارعة.