تقارير | 2 11 2022
إعداد: محاسن سبع العرب - تحرير: نور الدين الإسماعيل
بساقٍ واحدةٍ، بعد أن التهم مرض السكري الأخرى، ومثقلاً بكثيرٍ من الذكريات والألم، يعيش العم أبو علي (73 عاماً)، مع زوجته في خيمتهما بمخيم ريف المهندسين بالقرب من بلدة التوّامة غربي حلب، إضافة إلى أمراض متعددة ترافقه، كهبوط ضغط الدم الحاد. ما يجعل حياته صعبة للغاية.
مسنّون آخرون يواجهون أمراضاً أخرى، وأوضاعاً صحية متردية في ظل نقص الدواء، وعدم إمكانية العلاج بسبب عدم توفر المال اللازم، أو استحالة الشفاء، ليتأقلموا لاحقاً مع أوضاعهم الصحية المترديّة، مرغمين.
أمراض مزمنة ومعاناة العلاج
جميع المخيمات في شمالي غربي سوريا تضم عدداً كبيراً من المسنين، ومن أبرز المشاكل التي تؤرق حياتهم معاناتهم من أمراض مزمنة، وحاجتهم الدائمة للعلاج أو الدواء، لكن ضعف إمكانياتهم المادية وعدم وفرّة الدواء المجاني بشكل مستمر يزيد من حدّة معاناتهم.
اقرأ أيضاً: مخيمات النازحين أمام مأساة شتاء جديدة
يصف العم أبو علي حاله بالقول: "أعيش في هذه الخيمة مع زوجتي بعد سفر أولادي إلى تركيا من أجل العمل، وأحتاج للدواء بشكل مستمر، لكن غلاء أسعار الأدوية في الصيدليات، وضعف قدرتي المادية تجعلني عاجزاً عن شراء الدواء، وبالأخص حقن الأنسولين التي يجب أن آخذها بشكل مستمر".
تنتشر المخيمات العشوائية على امتداد الشمال السوري، وفي غالبيتها هي مخيمات بدون أية خدمات، وتفتقر إلى أدنى مقومات الحياة الكريمة، ما يجعل المعاناة مضاعفة عند أصحاب الأمراض وذوي الاحتياجات الخاصة.
صبحية حاج مصطفى (52 عاماً)، نازحة وتقيم في مخيم حرش الزيدية بالقرب من مدينة عفرين شمالي حلب، تواجه كلّ صعوبات الحياة في المخيم، مصابة بمرض في الكلى إضافة إلى السكري والضغط، يؤلمها أنها بحاجة إلى عملية لتفتيت الحصيات الكلوية التي تكلفتها 700 دولار، وهي لا تملك منها دولاراً واحداً. تتحدث بحرقةٍ عن واقعها: "أنا بحاجة إلى كرسي متحرك يساعدني على التنقل،ولم نتلقَ أية مساعدات طبية أو زيارات من قبل عيادات نقالة منذ بداية إقامتنا بهذا المخيم".
بينما يقول عبد الملك عبد الرحيم، مدير مخيم حرش الزيدية لـ "روزنة" عن الوضع الصحي للمسنين في مخيمه: "لدينا في المخيم 25 مسناً ومسنة، جميعهم يعانون من صعوبة في التنقل والحركة، نتيجة أمراض في الأرجل، بالإضافة لمعاناتهم من أمراض السرطان والضغط والسكري".
وعبّر عن أسفه من أنهم حين يأخذون أولئك المسنين إلى المراكز الصحية والمستشفيات للحصول على الأدوية المجانية، فإنهم يحصلون على أدوية مسكنة، "ماذا ستفعل الأدوية المسكنة لمريض بحاجة للأنسولين مثلاً؟ عدا عن حاجة قسم كبير من المسنين لسماعات أذن بسبب ضعف السمع لديهم".
وناشد عبد الرحيم المنظمات الإنسانية ومديرية الصحة لمساعدة مسني المخيم في توفير الأدوية، والكراسي المتحركة، والأسرّة لمرضى العظام والمفاصل.
طريق الحمام طويل وشاق
لا تتوقف معاناة المسنين في المخيمات عند تأمين العلاج والدواء، بل تستمر في أبسط الأمور وأكثرها حاجة، فضمن بعض المخيمات توجد حمامات جماعية تكون بعيدة عن الخيم لمسافات تتراوح من 10 إلى 50 متراً، ومشكلة البعد هذه تزيد من صعوبات الحياة، وتضيف معاناة جديدة إلى معاناتهم. حيث يتقاسم سكان المخيم الواحد الحمامات، فيوضع (كرفان) أو كتل إسمنتية تضم حماماً واحداً لكل خمس عائلات.
"الطريق في المخيم وعر جداً، والحمامات بعيدة"، قال سمير أسعد (57 عاماً)، وهو نازح في أحد مخيمات بلدة دير حسان شمالي إدلب، ويضيف: "لا تصل إلى الحمام لقضاء الحاجة إلا وتسقط عدّة مرات، وعند الوصول للحمام تجد المياه مقطوعة أو الأوساخ منتشرة في داخله، ناهيك عن سوء شبكات الصرف والفيضانات الدائمة التي تشهدها هذه الحمامات، فتعود لخيمتك وأنت ملطخ بالأوساخ".
أما أبو حسن، أحد سكان مخيم خالد بن الوليد بالقرب من مدينة سرمدا شمالي إدلب، تعرض الشتاء الماضي لكسور خلال ذهابه إلى الحمام ليلاً، بسبب عدم إنارة المخيم، "أخذت معي ضوءاً صغيراً كي أضيء أمامي، عند وصولي لمنتصف الطريق لم أنتبه لوجود حفرة في الطريق، تزحلقت وسقطت على ظهري، ما أدى لإصابتي بكسر في منطقة الحوض". يقول وهو مُستلقٍ على ظهره، غير قادر على الحركة.
فالاستحمام يمثل صعوبة كبيرة لدى هؤلاء المسنين الذين أجبرتهم الظروف على العيش في المخيمات، حيث لا تتوفر أماكن خاصة للاستحمام في بعض المخيمات، ما يضطرهم للاستحمام داخل الخيمة، تقول صبحية:" ليس لدينا القدرة على تسخين الماء على الغاز في فصل الشتاء نتيجة غلائه، فنضطر لتسخينه على مواقد الحطب خارج الخيمة، لا تكاد تدخل المياه إلى الخيمة إلا وتصبح باردة، ونحن لا تقوى أجسادنا على تحمل المياه الباردة، تحديداً في فصل الشتاء".
قد يهمك: المخيمات غير المنظمة شمالي حلب.. معاناة مستمرة على مدار العام
ولعل ذروة المعاناة في موضوع الحمامات تكون مع كبار السن ذوي الإعاقة، التي تتحدث عنها منى خليل، نازحة تقيم في أحد مخيمات بلدة عقربات شمالي إدلب، تعتني بوالدة زوجها التي تعاني من مشكلة في مفصل الركبة، وحمامات المخيم بتصميم عادي، تفتقر إلى الحمامات الإفرنجية التي تناسب المسنين، "عندما نأخذها إلى الحمام نواجه صعوبات كبيرة في التعامل مع هذا النمط من الحمامات، ولا يوجد لدينا مساحة بالقرب من خيمتنا لبناء حمام إفرنجي خاص بها".
صعوبة تأمين الاحتياجات المعيشية
لا يتوفر معيل يقوم برعاية كبار السن في بعض الأحيان، الأمر الذي يفرض عليهم رعاية أنفسهم لوحدهم، وتأمين احتياجات الحياة الأساسية، حيث يضطر المسن للذهاب إلى محالّ في مخيمات أو أسواق في القرى والبلدات المجاورة عند حاجته لشيء ما، مضطراً للسير في طرق جبلية وعرة مرهقة لجسده وسنّه.
فأبو محمود البالغ من العمر (61 عاماً)، يعيش مع زوجته وابنيه المصابين بمرض الضمور الدماغي في أحد مخيمات قرية صلوة شمالي إدلب، يضطر للذهاب بشكل يومي من مخيمه إلى القرية التي تبعد قرابة كيلو متر عن المخيم، مستقلاً دراجته النارية، يتحدث عن معاناته: "أنا في هذا العمر ليس سهلاً عليّ قيادة الدراجة، وخصوصاً أن طريقي كله جبلي، وأجبر كل يوم على شراء الطعام ومستلزمات المنزل، فأجد نفسي دائماً أعاني من آلام الظهر والمفاصل بسبب قيادة الدراجة".
الغلاء المعيشي وارتفاع الأسعار من الأسباب التي تؤثر على توفير احتياجات المسنين في المخيمات، من قبل الأشخاص الذين يقومون برعايتهم.
سامر السوادة، يقيم في مخيم بالقرب من بلدة تلعادة غربي حلب، يرعى والده البالغ من العمر 65 عاماً، تبدل حاله بعد النزوح حتى تجاه والده، فبعد أن كان يؤمّن له كل ما يحتاجه من دواء وغذاء صحي لم يعد قادراً اليوم على فعل ذلك، يقول بحسرة بالغة: "الآن مع انعدام فرص العمل أشعر بالحزن، لأني مجبر أن أقدم له الأدوية التركية التي توزع مجاناً في بعض الأحيان، كما لا أستطيع تغذيته بشكل جيد".
بالرغم من أن النزوح كان قاسياً على الجميع إلا أن أثره الأكبر انعكس على المسنين وذوي الاحتياجات الخاصة، حيث كان عليهم التأقلم مع واقع جديد لا يتناسب مطلقاً مع ظروفهم الصحية واحتياجاتهم، في ظل ظروف اقتصادية لا تساعد على تحسين ذلك الواقع.