"لا تتركوا أثراً" تحقيق يكشف النقاب عن مجزرة بحرق معتقلين في درعا

تقارير | 31 10 2022

روزنة

يكشف تحقيق جديد نشره "المركز السوري للعدالة والمساءلة" النقاب عن مجزرة ارتكبتها مخابرات الأجهزة الأمنية العسكرية بالتعاون مع قيادة الفرقة التاسعة في الجيش السوري، بحق عدد من المدنيين والمنشقين عن النظام في محافظة درعا عام 2012، وذلك بإحراق الجثث بعد عمليات الإعدام الميداني بحقهم.


ويؤكد التحقيق قيام المخابرات العسكرية السورية والفرقة التاسعة التابعة للجيش السوري أحرقت جثث المدنيين والمنشقين وأعضاء المعارضة وغيرهم من غير المقاتلين الذين قتلوا في إعدامات ميدانية".


شاهد على المجزرة


شاهد أحد رعاة الأغنام في أواخر العام 2012 مجموعة من الجنود التابعين للحكومة السورية في المنطقة الواقعة بين درعا وضواحي دمشق أثناء توجههم إلى مناطق معزولة في الصحراء، ومن ثم قيامهم بإضرام النار في المنطقة وكأنهم كانوا يحرقون شيئا ما. ودفع الفضول الراعي إلى التوجه إلى مكان إضرام النار، وعثر على رفات بشري محترق تركه عناصر القوة العسكرية خلفهم".

اقرأ أيضاً: أمجد يوسف جزار دمشق: "قَتَلتُ الكثيرين وفخور بما أفعل"

وتواصل الراعي عقب ذلك الاكتشاف مع أحد عناصر جماعات المعارضة المسلحة التي تنشط على مقربة من المنطقة، وأخبره عن موقع حرق تلك الجثث. ونصب عناصر "لواء أمهات المؤمنين" كمينا في الطريق التي سلكتها القوة العسكرية التابعة للحكومة السورية، واستهدف قافلتهم العسكرية، وقتلوا جميع عناصرها وصادروا أسلحتهم، وأجهزة الهواتف النقالة التي وُجدت بحوزتهم، بالإضافة إلى جهاز حاسوب محمول. ونُصب الكمين على طريق الشقرانية بتاريخ 4 كانون الثاني/ يناير 2013.

وصل الحاسوب الذي يحوي مشاهد حرق الرفات إلى ناشط إعلامي بعد تواصل المقاتل الذي استحوذ عليه معه، ليشتري الناشط الحاسوب ويستعيد الملفات التي كانت مخزنة على الذاكرة، وتمكّن بالفعل من استرجاع مقاطع فيديو وصور تعتبر أدلة بصرية واضحة على حرق رفات بشرية ودفنها في مقابر جماعية من طرف عناصر فرع المخابرات العسكرية في المسمية، وعناصر اللواء 34 مدرع التابع للفرقة التاسعة. ليس هذا وحسب، فالملفّات تثبت وتظهر الكثير من الجرائم المرتكبة بحق جثث ضحايا، وتسجيل صوتي للمفاوضات مع خاطفين، وصور فوتوغرافية لمعتقلين وقد بدت عليهم آثار التعرض للتعذيب، وجنود يشاركون في عمليات عسكرية.

محمد العبد الله، المدير التنفيذي للمركز السوري للعدالة والمساءلة قال إن “ضباطاً رفيعي المستوى في المخابرات العسكرية السورية والجيش السوري شاركوا في التدمير غير المشروع للرفات”. وأضاف: “لقد فعلوا ذلك أثناء تصويرهم من قبل ضباط في المخابرات العسكرية، مما يشير إلى أن جميع مستويات الجيش كانت على دراية بإتلاف الأدلة على الجرائم”.

يوثق هذا التقرير حالات أسرت فيها القوات الحكومية السورية مدنيين، غير مقاتلين. ففيما كان ينبغي اعتبار هؤلاء المدنيين أشخاصاً محميين بموجب القانون الإنساني الدولي، يكشف تحقيق المركز السوري للعدالة والمساءلة أنهم تعرضوا لعمليات إعدام ميدانية، وأن جثثهم دمرت، ما قد يعيق التحقيقات الجنائية التي يمكن استخدامها في جهود المساءلة المستقبلية.


تصوير الجرائم


في مكان يقع بين قرية القنية ومدينة الصنمين في محافظة درعا، يُصدِر ضابط رفيع المستوى تعليماته لشخصٍ يحمل غالون البنزين لسكب البنزين على وجه صاحب الجثة ويديه وكامل جسمه، ثم يتم بعد ذلك ركل الجثة كي تسقط في الحفرة.

تتكرر العملية مع كل جثة وبنفس ترتيب الخطوات، ثم يضرمون النار فيها لتشتعل الحفرة بأكملها بينما يتناوب المقاتلون على سكب المزيد من البنزين على النار التي بدأت تخمد، مع حرص على إتلاف الرفات بشكل لا يمكن بعدها التعرف عليها.

حرص عناصر النظام على التقاط صور فوتوغرافية وتصوير مقاطع فيديو للعملية برمتها، بما في ذلك تصوير عملية الحرق. تصوير هذه المقاطع لم يكن مبادرة فردية أو رغبة في التباهي، إنما وبعد تدقيق وبحث “المركز السوري للعدالة والمساءلة” تمكن من تحديد مجموعة من الوثائق الإضافية التي تظهر الأوامر الصادرة عن أجهزة المخابرات بضرورة استخدام العنف، والتي تشتمل على إصدار أوامر مباشرة بتنفيذ الإعدامات عند التعامل مع حالات مشابهة في محيط منطقة ضواحي درعا.

تقرير “لا تتركوا أثراً: إحراق الحكومة السورية لرفات الضحايا والتخلص منها” كشف الطريقة الممنهجة التي وثّقت بها الحكومة السورية تدمير الرفات البشرية.

وما يؤكد أن التصوير كان ضمن أوامر صادرة بهذا الخصوص، ظهور أحد العناصر والذي يناديه رفاقه “أبو طاهر” في إحدى المقاطع وهو يصور بالفيديو جميع الموجودين عند أحد الحواجز العسكرية أو نقاط التفتيش، ويحرص على منع أي أحد آخر سواه من تصوير المقاطع. ويظهر في فيديو آخر عنصر يتأكد مما اذا كان أبو طاهر يصورهم بشكل رسمي. ثم سرعان ما يشرع عناصر آخرون بتبادل النكات والتهكم على أبي طاهر الذي حذرهم قائلاً “بده ينزع المقطع بس شو بدي أعمل. هاد مقطع الفيديو للفرع” وهذا دليل قاطع على أنه كان هناك أوامر صادرة بهذا الشأن بشكل أساسي من جهاز المخابرات العسكرية السوري الذي أراد توثيق تلك العمليات.

قد يهمّك: من أجل العدالة للضحايا.. فرنسا تحقّق بوثائق مجزرة التضامن بدمشق

ليس هذا وحسب إذ أن العناصر كانوا يحتفلون في الفيديو وحيا أحدهم بصوت عالٍ الجيش والأمن والمخابرات الجوية والمخابرات العسكرية. ليخاطب عناصر آخرون المصور قائلين: “نكـ** إماتن يا أبو طاهر، نكـ** إماتن”. وعندما اقتربت الكاميرا من مركبة النقل (البيك أب) أمكن مشاهدة عددٍ من الجثث فيها، لم يتم التعرف على أي جثة منها والمعلومات الوحيدة عنها جاءت على ألسنة الجنود في المقطع وهم يتحدثون مشيرين إلى الجثث “هادا إدلبي وهادا إدلبي وهداك حموي”. 
 

عمليات ممنهجة


بالإضافة إلى كشف جرائم النظام السوري، التقرير يبرز معلومات جديدة تظهر قيام الحكومة السورية بالتخلص بشكل منهجي من الرفات البشرية وإتلافها في محاولة على ما يبدو لطمس هوية الضحايا، الأكيد أنه لا يمكن تجاهل أو انكار جرائم النظام اليوم، ولا يمكن رميها على فرد بعينه أو تسميتها بالأخطاء الفردية، إذ أنه وبحسب التقرير كل هيكلية النظام السوري كانت على علم بهذه الانتهاكات ابتداءً من رأس النظام وصولاً إلى أصغر جندي.

هذا يعني أن المخابرات العسكرية السورية اعتمدت “سياسة دولة” ممنهجة بهدف طمس الأدلة على جرائم الحرب المرتكبة، وإخفاء جثث قتلى الإعدامات الميدانية بما في ذلك قتلى المداهمات العسكرية والعمليات الأمنية الخاصة من قبيل العمليات التي تستهدف قتل المنشقين عنها بحسب التقرير.

لا يتوفر منبر قانوني حالياً لتقصده عائلات الضحايا لتحقيق المساءلة والوصول إلى العدالة والعقاب. ولكن، وبحسب التقرير، إذا ثبت وجود القادة الذين كانوا مسؤولين عن إعطاء الأوامر بالهجوم على المدنيين، أو تشويه الجثث في إحدى الدول التي تطبق الولاية القضائية العالمية، فيمكن أن يتم التحقيق معهم، ومقاضاتهم بتهم ارتكاب جرائم حرب.

المصدر: المركز السوري للعدالة والمساءلة 

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض