تقارير | 2 02 2022
إيمان حمراوي
صدمة كبيرة اعتلت وجوه مئات السوريين صباح أمس الثلاثاء حين ذهابهم لشراء الخبز، ليكتشفوا أنه غير متاح لهم إلا بالسعر الحر بـ 1300 ليرة للربطة الواحدة بدلاً عن 200 ليرة، ما يعني استبعادهم عن الدعم الحكومي عبر البطاقة الذكية، في ظل عجز بالموازنة المالية للدولة لعام 2022 تقدر بمليارات الليرات السورية.
الخبز ومواد أخرى أصبح نحو 600 ألف سوري مضطراً لشرائها من السوق الحرة بأسعار تصل لثلاثة أضعاف السعر المدعوم، ما يزيد من تردي الوضع المعيشي المنهار أساساً، وسط تقارير أممية تؤكد أن 90 بالمئة من السوريين يقبعون تحت خطر الفقر.
زاهر، 35 عاماً، مقيم في دمشق، تفاجأ صباح أمس الثلاثاء بإيقاف الدعم عنه، بسبب امتلاكه لسيارة موديل 2009، يقول لـ"روزنة": "أعمل في شركة ألبسة، وأتقاضى راتباً يصل لـ 600 ألف ليرة، لكن ذلك لا يعني أني أتقاضى مبلغاً زائداً عن حاجاتي المعيشية وأنا أب لثلاثة أطفال".
ويضيف: "الآن أصبح تكلفة المحروقات لسيارتي التي لا أستخدمها في الأصل إلا للذهاب إلى العمل 250 ألف ليرة شهرياً، بعد أن كانت 100 ألف، فبدل شراء ليتر البنزين بـ 1100 ليرة أصبح يكلفني اليوم 2500 ليرة".
كل بطاقة ذكية تستبعد من الدعم تصبح أسعار مخصصاتها في السوق الحرة كالتالي: سعر ربطة الخبز 1300 ليرة بدل 200 ليرة، وسعر ليتر المازوت 1700 بدل 500 ليرة، فيما ليتر البنزين 2500 بدل 1100 ليرة، أما أسطوانة الغاز يصبح سعرها نحو 29 ألف و682 ليرة بدل 9700 ليرة.

ويعاني السوريون من تدهور الوضع المعيشي جراء انهيار الاقتصاد السوري الذي انعكس على واقعهم الحياتي، حيث قدّرت الأمم المتحدة أن السوريين الذين يعيشون تحت خطر الفقر أكثر من 90 بالمئة من إجمالي عدد السكان، وفق تقريرها الصادر في تشرين الأول العام الفائت.
ريم، مقيمة في منزل مُستأجر بمدينة دمشق، ليس لديها وعائلتها أي أملاك تقول لـ"روزنة": "ذهبت لشراء الخبز صباحاً فتفاجأت برفع الدعم عني".
وتضيف: "حينما وصل صهريج المازوت طالبني الموزّع بالدفع بالسعر الحر لليتر والذي يبلغ 1700 ليرة، ذهب الصهريج بمازوته ولم أتمكن من تعبئة حاجتي منه بسبب عدم قدرتي على تحمل تكاليف سعر السوق الحر… في الأصل استدنت ثمن المازوت بالسعر المدعوم".
الفئات المستبعدة من الدعم
596 ألف شخص استبعدته حكومة النظام من الدعم، بناء على "نتائج دراسة بيانات تتضمن المغادرين والمتوفين"، بحسب ما صرّحت فاديا سليمان، معاون وزير الاتصالات والتقانة فاديا سليمان، لصحيفة "الوطن" المحلية أمس الثلاثاء.
وبحسب الدراسة، 85 بالمئة من العائلات السورية ستبقى مدعومة، و15 بالمئة من الأسر التي سيتم استبعادها 47 بالمئة منها تمتلك سيارات.

وسيحل مقابل الأشخاص الذين تم استبعادهم من الدعم الحكومي عبر البطاقة الذكية شرائح أخرى تتم إضافتها عند جاهزية البيانات لاحقاً.
تحديد الشريحة المستبعدة من الدعم استند إلى "معايير الثروة والملكية ومستوى الدخل" بحسب فاديا.
الفئات المستبعدة، هم "مالكو السيارات موديل 2008 وما فوق، البالغ عددها 450 ألف و228 سيارة، والمغادرين سوريا منذ أكثر من عام، والمتوفين المستفيدين من البطاقة، وميسوري الدخل، والمستوردون والمصدرون، ومؤسسو المصارف الخاصة وشركات الصرافة،وأصحاب الجامعات والمدارس الخاصة، وأصحاب السجلات التجارية من الفئة الأولى والممتازة، ومحطات الوقود، والأفران الخاصة، وأصحاب المقالع، ومدارس تعليم قيادة المركبات، ووكلاء النقل البحري، ومراكز الفحص الفني وغيرهم ممن لديهم نشاطات اقتصادية تدر عليهم دخلاً مستقراً يعبر عن قدرتهم على إعالة أسرهم دون دعم حكومي".
كذلك غير الموظف الذي يعمل بأعمال حرة يعتبر من أصحاب الدخل "الجيد جداً وبالتالي سيتم استبعاده من الدعم"، وفق فاديا.
وخلال السنوات العشر الأخيرة تدهورت قيمة الليرة السورية، وزاد التضخم بنسب كبيرة، حيث وصلت الليرة السورية في وقت ليس ببعيد إلى 4 آلاف ليرة للدولار في السوق الحرة مقابل أقل من 50 ليرة قبل عام 2011.
الأجر الشهري كان يتراوح بين 300 و 600 دولار قبل الحرب، فيما أصبح بين 20 و50 دولاراً في الوقت الحالي.
اقرأ أيضاً: سوريا.. الدفع الإلكتروني خدمة حقيقية أم تدوير مال داخل البنوك؟
ماذا تغير بعد الاستبعاد؟
المستبعدون من الدعم لن يتغير عليهم شيئاً في آلية استلام المواد مثل الخبز والغاز، حيث سيحصلون على كامل المخصصات لكن بالسعر غير المدعوم والذي يصل إلى 3 أضعاف السعر المدعوم، وفق فاديا.
وأشارت إلى أنّ "عملية إعادة توزيع الدعم سيكون موجهاً نحو الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع، التي ليس لديها إمكانيات كبيرة ووضعها الاقتصادي لا يسمح لها بالاعتماد على نفسها من أجل أن تساعدها الحكومة وتصبح قادرة على إعالة نفسها"
سمية، 40 عاماً، من ريف دمشق، لم تستوعب وعائلتها ما حدث، إذ تلقوا صدمة صباحية بعد معرفتهم بإيقاف الدعم عنهم.
"يعمل زوجي في توزيع اللحوم على المطاعم عبر سيارة خاصة موديل 2013، هي وسيلة رزقنا الوحيدة، لماذا تعتبرها الدولة رفاهية لا أعلم، الآن علينا تقديم اعتراض ومراجعات قد تدوم لأشهر" تقول بغضب لـ"روزنة".

القرارات الجيدة شُطبت من قاموس السوريين، بعد أن اعتادوا على جملة قرارات سلبية بين الحين والآخر تقيّد حياتهم وتحد من حصولهم على حقوقهم الأساسية "كنا ننتظر إصلاحات تريحنا قليلاً لتنقذنا من الضغوط الاقتصادية التي حولتنا إلى آلات، لكن يبدو أن الوضع ينحدر إلى الهاوية ويزداد سوءاً" تقول سمية.
وبلغ معدّل التخضّم 84.28 بالمئة خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2020 مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2019 التي بلغ معدل التضخم خلالها 9.15 بالمئة مرتفعاً بمقدار 75 .14 نقطة مئوية، بحسب تقرير لـ"مصرف سوريا المركزي" .
ووصل معدل التضخم السنوي في شهر آب عام 2020 إلى 139.46 بالمئة مرتفعاً بمقدار 126.36 نقطة مئوية مقارنة مع شهر آب من عام 2019.
وخصّصت وزارة الاتصالات والتقانة موقعاً إلكترونياً يمكن من خلاله للمستبعدين من الدعم تقديم اعتراضاتهم إلكترونياً، ليتم دراسة أسباب الاستبعاد وإعادة النظر بها عبر الموقع الإلكتروني ( www.cs.sy).
أخطاء فادحة
البعض ممن استهدفهم القرار نشروا شكواهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وادّعوا عدم أحقية الحكومة في حرمانهم من الدعم، مثل خريجي كلية الاقتصاد المنتسبين لنقابة المهن المالية والمحاسبة، الذين تفاجؤوا بقرار استبعادهم، رغم أنّ معظمهم موظفون ومن ذوي الدخل المحدود.
نقيب المهن المالية، ضاحي الكراد، صرّح أنّ رفع الدعم عن أعضاء النقابة هو خطأ قيد المعالجة وسيحل خلال ساعات، وفق موقع "b2b".

العديد اشتكوا حرمانهم من الدعم بسبب وجودهم خارج القطر، بينما هم داخله، وبحسب صفحة "المحروسة" على فيسبوك" إن أحد عناصر جيش النظام، متطوع منذ عشرين عاماً ولا يزال على رأس عمله، وصلته رسالة بحرمانه من الدعم بسبب "رب الأسرة أو حامل البطاقة مغادر القطر منذ أكثر من عام".
ومن الأسباب التي حرمت الكثيرين من الدعم: "أن الزوج مغادر للبلاد وهو متوفٍ منذ سنوات، أو أن أحد أفراد الأسرة يملك سيارة وهو أصلاً لا يملك دراجة أطفال في منزله، أو أن أحدهم يملك سجلاً تجارياً في المحافظة وهو لا يملك ثمن إيجار طريق"، وفق صفحة "حضر الآن".

وطالبت وزارة الداخلية المواطنين الذين توقف الدعم عنهم بسبب "مغادرتهم القطر لأكثر من عام" وهم داخل القطر مراجعة إدارة الهجرة والجوازات وفروعها في المحافظات لتثبيت وجودهم، بحسب صحيفة "الوطن".
وسألت الصحيفة على صفحتها في فيسبوك إن عاد الدعم لبعض من استُبعدوا منه أم لا، ليجيب البعض أنه بعد الاعتراض عاد الدعم كما كان سابقاً.
اعتراف بالأخطاء
وزير التجارة الداخلية وحماية المستهلك، لدى حكومة النظام، عمرو سالم، أوضح عبر صفحته في فيسبوك، أن "الوزارات والنقابات المختلفة أرسلت البيانات إلى وزارة الاتصالات والتقانة، التي قامت باستبعاد شرائح من الدعم، وكما في كل جمع للبيانات تحصل أخطاء نتيجة قدم بعض البيانات وعدم تجديدها".
وأكد سالم أنه سيتم إعادة الدعم للبطاقة التي استبعدت بناء على معلومات خاطئة، و"لن يبق مستحق للدعم خارج الدعم".
كما أشار إلى أن كل موظف في الدولة أو متقاعد وليس لديه نشاط تجاري أوموظفاً بشركة خاصة وتم استبعاده بسبب السيارة، يعاد إلى الدعم بمجرد الاعتراض على الموقع.
قد يهمك: سوريا.. طريقتان لإعادة تفعيل البطاقات المستبعدة من الدعم
الموازنات في السنوات الـ 4 الأخيرة
الموازنة المالية للعام 2022 تحدّدت بمبلغ قدره 13 ألفاً و325 مليار ليرة سورية، توزعت بين 11 ألفاً و325 مليار ليرة نفقات جارية، وألفي مليار نفقات استثمارية، وفق تصريحات لوزير المالية في حكومة النظام، كنان ياغي، شهر تشرين الأول عام 2021.
وسيتم تغطية العجز المقدّر في الموازنة لعام 2022، والذي يصل إلى نحو 4 آلاف و118 مليار ليرة، عن طريق اقتراض 600 مليار ليرة من سندات خزينة الدولة، و500 مليون ليرة من "موارد خارجية"، بينما سيُغطى باقي العجز عن طريق "مصرف سوريا المركزي" كاعتمادات مأخوذة من الاحتياطي لدى المصرف، وفق ياغي.
أكثر من 10 سنوات على الحرب في سوريا أنهكت الاقتصاد السوري، فتراجع الناتج المحلي للاقتصاد إلى أقل من 20 مليار دولار بحلول عام 2019 بعدما زاد على 60 مليار دولار عام 2010.
ومن خلال مراقبة الموازنات العامة المالية يظهر التذبذب واضحاً في قيمتها، حيث تحددت الموازنة العامة للدولة لعام 2021 بمبلغ قدره 8500 مليار ليرة سورية، أي أكثر من ضعف الموازنة للعام السابق.
وشهد العام الفائت هجرة أعداد كبيرة من السوريين خارج البلاد بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية إلى دول الجوار مثل لبنان وتركيا وأوروبا.
وفي العام2020 تحدّدت الموازنة بمبلغ قدره 4 آلاف مليار ليرة سورية، ولم ينته عام 2020 إلا بعد انعدام خدمات كثيرة في مناطق النظام السوري حيث شهد السوريون طوابير طويلة للحصول على أبسط مستلزمات الحياة من الخبز والمواد الغذائية والمحروقات.
وفي عام 2019 تحددت بقيمة 3882 مليار ليرة سورية، وفي عام 2018 تحددت الموازنة العامة للدولة بمبلغ قدره 3187 مليار ليرة سورية، بزيادة 527 مليار ليرة عن موازنة عام 2017 وبنسبة 19.81 بالمئة، في الوقت الذي كان فيه سعر صرف الدولار نحو 420 ليرة سورية.

ووفق موقع المصرف المركزي السوري، في عام 2012 بلغ عجز الموازنة 400 مليار ليرة سورية ما يعادل نحو 60 بالمئة من حجم الموازنة في ذات العام، ويعرف العجز بأنه الفارق بين إيرادات الدولة والنفقات.
معدل التضخم لعام 2020 - مصرف سورية المركزيوكان الاقتصاد السوري قبيل الحرب من أكثر اقتصادات الدول النامية تنوعاً، إذ كان ينتج بين 75 إلى 85 بالمئة من أغذيته وأدويته وألبسته وأحذيته ويصدر الفائض منها إلى أكثر من 60 دولة وفق معطيات "الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي" و"المكتب المركزي السوري للإحصاء".
وتؤكد بيانات الأمم المتحدة الصادرة نهاية عام 2021 أنّ أكثر من 14 مليون مواطن سوري يحتاج إلى المساعدة بطرق عدة، بزيادة قدرها 27 بالمئة عن العدد ذاته في عام 2020، بينهم 12 مليون بحاجة ماسة إلى المساعدة، ويعانون من انعدام الأمن الغذائي.
فيما تقدر منظمة "يونيسيف أنّ أكثر من 6.1 مليون طفل سوري في الداخل ودول النزوح بحاجة لمساعدات عاجلة.