قرية المرأة.. حل لمواجهة العنف الأسري على النساء بريف الحسكة

قرية المرأة - مصدر الصورة من الإنترنت
قرية المرأة - مصدر الصورة من الإنترنت

نساء | 15 نوفمبر 2022 | نور الأحمد / محمود أبو راس - تحرير: نور الدين الإسماعيل

"بعد وفاة زوجي عشت فترةً قاسية، لا أستطيع النوم، وأنا أفكر كيف سأوفر الطعام واللباس لأطفالي"، بهذه الكلمات عبرت أم سليمان من ريف الحسكة، عن حالها، وكيف تحمّلت قسوة العيش، إلى أن وصلت إلى قرية المرأة بمدينة الدرباسية، شمالي الحسكة.


اقرأ أيضاً: نساء تعمل في العتالة وتحميل البضائع



تواجه النساء الأرامل أو المطلقات في شمالي شرقي سوريا العديد من المشكلات في حياتهنّ اليومية، أبرزها عدم قدرتهن على إيجاد مسكن مستقل لهنّ ولأطفالهنّ، بالإضافة إلى العنف الأسري على يد عوائلهنّ أو أقربائهنّ، وفرض السلطة والوصاية عليهنّ، عدا عن النظرة السلبية لهنّ من  المجتمع المحيط.


غياب السكن


يعتبر غياب السكن من أبرز العوائق التي تواجه النساء الأرامل اللواتي يرغبن بالاستقلال المعيشي بعيداً عن عوائلهنّ أو عوائل أزواجهنّ، وذلك نتيجة غلاء أسعار المنازل وارتفاع الإيجار، في الوقت الذي تكون فرص العمل لهؤلاء النساء قليلة.

تقول أم سليمان التي فقدت زوجها بعد إصابته بمرض السرطان، وتركها تكافح صعوبات الحياة وتربية أطفالها: "لدي 5 أطفال، ثلاثة أولاد وبنتين، زوجي أصيب بالسرطان، وبقي ثلاثة أشهر يصارع المرض ومن ثم توفي، نحن فقراء ليس لدينا بيت يؤوينا، نقيم في بيت ليس ملكنا".

 ثم تتابع حديثها بالقول: "بعد ثمانية أشهر من وفاة زوجي وجدت عملاً أعيل به أطفالي، لكن ساعات العمل كانت طويلة، تبدأ في الساعة السابعة صباحاً وحتى السابعة مساءً، لكن رغم ذلك لم أستطع تقديم كل مستلزمات الحياة لأطفالي، وأصبحت عاجزة عن توفير التعليم لهم جميعاً".

 دلال حاج عمر، امرأة من ريف مدينة الحسكة، تركها زوجها تواجه الحياة وحيدةً، بعد فقدانها لوالديها، اضطرت للعيش مع أخيها وزوجته، وعانت من ظروف معيشية صعبة، نتيجة سلطة أخيها عليها، ورفض زوجته تربية أطفالها، ليستقر الحال بها أخيراً في قرية المرأة.

تتحدث دلال عن التجربة القاسية التي عاشتها بعد ترك زوجها، بالقول: "زوجي تركني ولم يتبقَ لدي أحد يساعدني في تربية أطفالي، أو يستقبلني في منزله، لم يكن هناك سوى عم أطفالي الذي رفض استقبالنا أيضاً، وأخذ أطفالي مني، وبعد ثلاثة أشهر تلقيت اتصالاً من "دار المرأة"، وأخبروني بأن العم وضع أولادي لديهم".

بحسرة وأسى كبيرين، تضيف دلال: "عند عودتي إلى منزل أخي أنا وأطفالي، رفضت زوجته استقبالنا، فلم يكن لدي حل سوى التسجيل على السكن في قرية المرأة".


مكان مخصص للنساء


كثرة حالات العنف تجاه النساء وغياب السكن دفع "دار المرأة" التابعة للإدارة الذاتية لإنشاء قرية مخصصة للنساء في مدينة الدرباسية بريف الحسكة الشمالي، قبل خمس سنوات، والتي تعمل على توفير السكن والخدمات للنساء وأطفالهن.

آلاء الإبراهيم، عضو في "دار المرأة" تعتبر أن القرية ملجأ لنساء تعرضن للعنف، أو لنساء أرامل لديهن أطفال، أو لنساء غير قادرات على العيش في بيئتهن، تقول لـ"روزنة": "ليس شرطاً أن تكون المرأة معرضة للعنف لنستقبلها في القرية، فقد وصلنا أيضاً حالات لنساء نازحات ليس لديهن أحد يلجأن إليه بعد وفاة أزواجهن، وليس لديهن أي معيل، فكانت قرية المرأة الحل الأمثل لهن".

وتشجع الإبراهيم فكرة وجود قرية للمرأة في كل مكان، لتساعد النساء اللواتي تعرضن للعنف أو غير القادرات على العيش ضمن بيئاتهن الاجتماعية، لتحصل النساء على مكان آمن، بعيداً عن العنف النفسي والجسدي والابتزاز المختلف، سواءً كان إلكترونياً أم مادياً، كاستغلال الوضع المادي الضعيف للنساء.

قد يهمّك: نساء في مواجهة حرائق المواقد بمخيمات الشمال السوري



عمشة الصالح، نازحة من دير الزور تقيم في القرية وتعمل بوظيفة إدارية فيها، تتحدث عن أقسام القرية: "تحتوي القرية على ثلاثين منزلاً، ويتكون كل منزل من غرفتين أو ثلاث غرف، بالإضافة إلى المطبخ والحمام، بالإضافة إلى مدرسة ومركز صحي وفرن، تمنح القرية للنساء إجازةً مدتها ثلاثة أيام لقضاء الوقت خارجها، ويمكن تمديد هذا الوقت، كما توفر القرية حافلات وسائقين لنقل النساء سواءً ضمن الدرباسية أو الحسكة أو خارجهما".

وبالعودة إلى دلال حاج عمر، تقول واصفةً حياتها في القرية: "يوجد فرق كبير بين الحياة هنا وخارجه، أعيش مرتاحة، وأولادي عادوا إلى المدرسة، ويمارسون حياتهم بشكل جيد، يلعبون مع الأطفال ويمرحون بعد فقدانهم للفرح خلال السنوات الماضية، كما أن جميع متطلباتي متوفرة من العلاج والاحتياجات المنزلية، والأهم من ذلك لا يوجد أي تفرقة أو تمييز، ويتم احترام تقاليد وعادات الجميع".


توعية لمواجهة العنف


إلى جانب توفير السكن والأمان للنساء، تسعى القائمات على "دار المرأة" إلى توعية الرجال الذين يمارسون العنف ضد النساء، وتعريفهم بالقوانين المتواجدة في المنطقة، واتخاذ جميع الإجراءات التي توفر الأمان للنساء.

تتحدث آلاء الإبراهيم عن الدور الذي تقوم به "دار المرأة"، فتقول: "التوعية تكون من قبل مجموعة من النساء مهمتها توعية النساء والرجال بخصوص مواضيع العنف، نعمل بشكل غير مباشر على توعية الشخص الذي يقوم بتعنيف المرأة، ونوضح له وجود قوانين تطبق عليه في حال ارتكابه جرم العنف، فالضرب يعتبر جرماً جزائياً يعاقب عليه القانون، فعملنا يركز على توعية المجتمع بوجود قوانين ناظمة".

وتؤكد الإبراهيم أنه في حال تقديم امرأة لشكوى رسمية بتعرضها للعنف، "نقف عند الموضوع، ونحاول حل المشكلة من خلال التوعية للشخص المعنّف أولاً، وثانياً الإجراء القانوني من خلال كتابة تعهد خطي من قبل الشخص المعنِّف، ويتم توثيق هذا التعهد في النيابة العامة، وعند إخلاله بهذا التعهد وتكراره للتعنيف، أو حرمانها من حقوقها يتعرض لعقوبة جزائية كالسجن أو الغرامة المالية".

قرية المرأة في مدينة الدرباسية كانت حلاً لمساعدة النساء والوقوف معهنّ في جميع مشاكل الحياة، لكن الحل الأمثل يكون عبر نشر التوعية في المجتمع، والتخلي عن الموروث المتبع في غالبية المناطق ضد المرأة، والمبني بشكل خاطئ على العادات والتقاليد، في التعامل مع النساء.
يمكنكم الاستماع إلى حلقة " قرية للنساء فقط" من بودكاست شو الحل، بالضغط هنا.

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق