سوريا: ضربة قاضية يوجهها الفقر ضد "خرجية" الأطفال 

مناطق سيطرة النظام - مصدر الصورة من الإنترنت
مناطق سيطرة النظام - مصدر الصورة من الإنترنت

اجتماعي | 17 أكتوبر 2022 | تقرير: علياء أحمد - تحرير: نور الدين الإسماعيل

لم يعرف حسام (8 أعوام) "الخرجية" التي يتحدث عنها أصدقائه، ولكن وبعد دخوله المدرسة، دفعه توقه للحصول على قطعة بسكوت أسوة بباقي الأطفال إلى سؤال والدته: لماذا لا يحصل على "خرجية" مشابهة لتلك التي يحصل عليها بعض أصدقائه في المدرسة؟.


قصة حسام ليست الوحيدة، فهناك أكثر من 90 في المئة من السوريين يعيشون تحت خط الفقر وفق تقارير الأمم المتحدة.


عائلات بلا معيل


والدة حسام وهي في آخر العقد الثالث من العمر، وتقيم بريف دمشق، تقف حائرة أمام هذا السؤال، فهي لا تملك جواباً حاسماً تجيب به طفلها الصغير، وتكتفي بإخباره أنها ستمنحه خرجيته حين تتحسن أوضاع العائلة.

الأم بعد وفاة زوجها هي المعيل الوحيد لأسرة مكونة من 4 أطفال صغار، حيث لا تتوانى، وبدافع الحاجة أن تعمل في مهن مختلفة، كبائعة على بسطة، وفي المنازل بمواسم "التعزيل"، والعناية بنظافة بعض البنايات وغسيل سلالمها.

تضيف السيدة التي طالبت بعدم ذكر اسمها: "همّ الخرجية ضاعف الهموم، فابني الأكبر ترك المدرسة ليساعدني بإعالة الأسرة، وأعمل معه جاهدة على توفير مستلزمات إخوته".

تكتفي والدة حسام بإرسال سندويشات الزيت والزعتر أو الزيت والملح مع أطفالها إلى المدرسة، أو على بعض اللبنة أو الجبنة، التي يمكن أن تحصل عليها من المنازل التي تعمل فيها، لتكون زاداً لأطفالها الصغار في مدارسهم.

وعدّل الكثير من السوريين أسلوب الشراء نتيجة ارتفاع الأسعار والتضخم الذي أصاب العملة في سوريا.

اقرأ أيضاً: الرز بالكاسة والسمنة بالملعقة.. أسلوب شرائي جديد في سوريا


الموظفون ليسوا أفضل حالاً


لا يبدو حال الموظفين والموظفات أفضل، فعلى الرغم من أن بهاء (34 عاماً) موظفة كذلك زوجها، إلا أن منح "خرجية" بشكل يومي لطفليها يعتبر ضرباً من ضروب الخيال، تضيف: "ثمن البسكوتة من النوع الجيد يتراوح بين 800 إلى 1500 ليرة، وإن اكتفينا بالحد الأدنى أحتاج شهرياً إلى 32 ألف ليرة شهرياً، وهو ثلث راتبي تقريباً".

لجأت بهاء إلى حيلة كي لا تحرم طفليها من متعة تذوق الحلويات في المدرسة، حيث تشتري علبة بسكويت سادة مع علبة من الراحة، وترسل مع كل منهما قطعتين أو ثلاث قطع يومياً.

قد يهمك: سوريا: الشماعة والتنظيف بدائل مهنية لخريجي الجامعات


أهم من "الخرجية"


تبدو "الخرجية" التي تعتبر أحد أبسط الحقوق لأي طفل في العالم، شيئاً ثانوياً أمام مشكلة تأمين زوادة المدرسة لدى الأسر السورية، بخاصة مع الارتفاع الكبير في أسعار اللبنة والجبنة والشوكولا السائلة، وحتى الزيت والزعتر.

وصلت سمية (43 عاماً) لحالة من اليأس، وهي تبحث عن مادة ما غير مكلفة، تصنع بها سندويشات أطفالها الثلاثة للمدرسة، أكبرهم في المرحلة الإعدادية، والطفلان الآخران في المرحلة الابتدائية، ورغم أنها في السنوات السابقة كانت ترسل معهم سندويشتين اثنتين، إلا أنها هذا العام باتت تكتفي بواحدة لكل منهم.

تقول سمية التي تعيش في ريف حمص: "سعر علبة الجبنة السائلة محلية الصنع وصل إلى 7500 ليرة، والشوكولا السائلة 8000 ليرة، واللبنة 6000 ليرة، وكل واحدة من تلك العلب تكفي طفلاً واحداً مدة 7 أيام كأقصى حد، أي أنني أحتاج أسبوعياً علبتين ونصف، بينما لا نحصل سوى على 95 ألف ليرة من راتب زوجي، بسبب الأقساط الشهرية".

وعلى بساطتها فإن سندويشات الزيت والزعتر ليست متاحة للكثير من الأطفال، بعد وصول سعر كيلو الزعتر إلى نحو 16 ألف ليرة وسطياً، وليتر زيت الزيتون إلى نحو 25 ألف ليرة تقريباً، بينما يبلغ الحد الأعلى لراتب الموظف الحكومي 200 ألف ليرة (الدولار 5000 ليرة).

المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي في بيان بمناسبة انعقاد المؤتمر السنوي لإعلان تعهدات المانحين في بروكسل، في شهر أيار الماضي، وصف الوضع في سوريا بأنه مقلق، هو أقل مما يحدث في الواقع، مشيراً إلى أن الحقيقة المؤلمة بالنسبة لملايين العائلات السورية، هي أنها لا تعرف من أين ستأتي وجبتها التالية.


الفوارق الطبقية تزيد المعاناة


الحصول على "خرجية" المدرسة ليس أقسى ما قد يواجهه الطفل الصغير، خصوصاً مع ازدياد الفوارق الطبقية بين الطلاب.

فوارق طبقية هائلة بين الطلبة تكشفها محتويات سندويشاتهم تقول ريم (32 عاماً) المعلمة في إحدى مدارس مدينة طرطوس. 

بعضهم يتناول سندويشته التي تمزق خبزها داخل الكيس كونه من نوعية سيئة، وآخرون يتناولون سندويشات الخبز السياحي بحشوات مختلفة مثل الجبنة أو المرتديلا، أو حتى أولئك الذي يحضرون معهم "لانش بوكس" مليئاً بالفواكه والطعام الشهي حسب المعلمة.

تأسف المعلمة لرفض أهالي الطلاب الاستجابة لطلبها بعدم المبالغة في إرسال الطعام مع أطفالهم إلى المدرسة، بخاصة أن غالبية الأطفال الآخرين لا يحضرون معهم أية فواكه أو حلويات أو حتى "خرجية" لشراء البسكوت.

ففي شهر كانون الأول من العام الماضي، كشفت صحيفة (البعث) عن حادثة غريبة في إحدى مدارس دمشق، حيث أحضر طالب 50 ألف ليرة معه إلى المدرسة (نحو 20 دولاراً حينها)، وحين بدأ بصرفها استنفر كادر المدرسة واتصل مع والد الطالب الذي أخبرهم أنه منح ابنه الـ50 ألف ليرة "خرجية"، وانتهت القصة عند حدود الطلب منه بعدم تكرار مثل هذا التصرف مرة أخرى، دون أن تكشف الصحيفة عن هوية الوالد أو ماذا يعمل.

وحسب آخر التقارير الصادرة عن الأمم المتحدة، يواجه حوالي 12 مليون شخص في سوريا - أي أكثر من نصف السكان - انعداماً حاداً في الأمن الغذائي. وأن هناك 1.9 مليون شخص معرضون لخطر الانزلاق إلى براثن الجوع.
 
تُظهر البيانات المرصودة من اللجنة الأممية في عام 2021، أن واحداً من كل ثمانية أطفال في سوريا يعاني من التقزم، وبالتوازي تظهر فحوصات الأمهات الحوامل والمرضعات مستويات قياسية من الهزال الحاد.
 
وتمثل مسألة التغذية اليوم في سوريا مشكلة خطيرة مع تحول الوجبات الأساسية إلى رفاهية بالنسبة للملايين.
 
                                                         

واقع اقتصادي متردٍ، وبطالة وقلة فرص العمل، وفي حال وُجد العمل فهناك انخفاض في قيمة الرواتب الشهرية التي لا تكفي لتوفير أقل الاحتياجات، كل ذلك تعيشه غالبية الأسر السورية التي تواجه الحياة ومتطلباتها خاوية اليدين، في الوقت الذي تعيش فيه أسرٌ أخرى حياة رفاهية، ما يزيد الشرخ الاجتماعي والفوارق الطبقية. 

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق