سوريا تفقد ذهبها الأبيض والفلاحون يخسرون مواسمهم

مزارع القطن - مصدر الصورة من الإنترنت
مزارع القطن - مصدر الصورة من الإنترنت

اقتصادي | 17 أكتوبر 2022 | تقرير: علياء أحمد - تحرير: نور الدين الإسماعيل

لسنوات عديدة كان محصول القطن أحد أهم المحاصيل الاستراتيجية في سوريا، وأسوة بما جرى مع محصول القمح الاستراتيجي خلال العشر سنوات السابقة وارتفاع وتيرة العمليات العسكرية، باتت سوريا تستورد الخيوط القطنية عوضاً عن تصدير القطن السوري الشهير.
 

فالحرب أثرت بشكل كبير على هذه الزراعة التي كانت من أهم الزراعات في عدة مناطق من سوريا، حماة والحسكة والرقة وحلب وإدلب ودير الزور. فخلال سنوات الحرب لم يعد بإمكان المزارعين استثمار أراضيهم الزراعية نتيجة الاشتباكات المتكررة والقصف والمعارك، إضافة إلى النزوح الداخلي للفلاحين، أو الهجرة الخارجية، تاركين حقولهم في مهب الحرب.

اقرأ أيضاً: مهرجان القطن: ذاكرة حلبية أصيلة... هذه ذكرياتهم عنه!


 
واليوم بعد أن توقفت المعارك في غالبية المناطق، ما زال هناك عقبات ومصاعب كثيرة تعترض إنتاج هذا المحصول، ولا تختلف التحديات التي يواجهها مزارعو القطن في سوريا عن التحديات التي يواجهها باقي الفلاحين عموماً، حيث ارتفاع أسعار الأسمدة والمحروقات ناهيك عن أن القطن يحتاج إلى نحو 10 ريات (سقاية بالماء) خلال دورة إنتاجه، والتي تبدأ عادة بزراعته في شهر أبريل/نيسان وتنتهي بقطافه في شهر سبتمبر/أيلول، في بلد بدأ الجفاف وشحّ المياه يظهر فيه بشكل واضح، ما ينذر بكارثة بيئية وإنسانية، خصوصاً بعد أن انخفضت منسوبات بعض الأنهار، وأهمها الفرات، الذي كان الشريان الأساس لري حقول القطن المترامية على طول الشمال والشرق السوري.
 

توقعات متواضعة


لا يتوقع عبد العزيز (36 عاماً) أحد فلاحي سهل الغاب في محافظة حماة، أن ينتج الدنم الواحد أكثر من 150 كيلو من القطن، نتيجة غياب الدعم شبه الكامل عن هذه الزراعة، فهو وغالبية الفلاحين الآخرين لم يحصلوا على كميات كافية من المازوت لتشغيل المضخات وري المحصول، علماً أن الدنم الواحد ينتج بوجود الدعم نحو 400 كغ من القطن.
 
يضيف عبد العزيز: "سعر ليتر المازوت بالسوق السوداء تجاوز 6 آلاف ليرة (أقل من دولار ونصف)، وإن اشتريناه سيكون الموسم خاسراً لأن الحكومة حددت سعر كيلو القطن بـ4000 ليرة وهذا قليل جداً قياساً بتكاليف الإنتاج والجهد الذي بذلناه".

قد يهمّك: "الذهب الأبيض يفقد بريقه".. بدء موسم جني القطن في الرقة 


 
خلال موسم 2009-2010 احتلت سوريا المرتبة الثانية عالمياً بعد الهند في إنتاج القطن، بإنتاج تجاوز 20 ألف طن وفق بورصة الأقمشة العالمية، ومن المؤسف أن يؤدي الإهمال إلى تدهور هذا المحصول الاستراتيجي الذي ظل لسنوات "الذهب الأبيض"، قبل أن يتحول إلى مجرد بقايا تجلب الخسارة لزارعيها.
 
قرر محمد (46 عاماً) استبدال محصول القطن بزراعة البطاطا، كونه لم يعد مجدياً أبداً من الناحية الاقتصادية.

ويقول الفلاح الذي ينحدر من سهل الغاب، إن غالبية الآبار لديهم تعمل على الكهرباء وهي لا تأتي إلا ربع ساعة كل ست ساعات أو نصف ساعة في أحسن الأحوال، ولا يمكن الاعتماد عليها في سقاية المحصول الذي يعرف بحاجته الكبيرة إلى المياه، وفي حال اشتروا المازوت من السوق السوداء فإن الإنتاج لن يعوض الخسائر، لذا قرر ترك هذه الزراعة التي عمل بها لأكثر من 20 عاماً مع عائلته.
 
وحددت حكومة النظام سعر شراء القطن من الفلاحين بـ4 آلاف ليرة للكيلو الواحد، وهو سعر يراه الفلاحون بخساً قياساً بالكلفة والجهد، مثل إسماعيل (52 عاماً) من سهل الغاب والذي لخص القصة بقوله: "سعر ليتر المازوت 6 آلاف وأحياناً 7 آلاف، وسعر كيس السماد بين 180 إلى 190 ألف وسعر كيلو القطن 4000 ليرة، فكيف يعوض الفلاح تعبه ويحصل على مردود لقاء تعبه".

وتغيرت أسعار القطن في سوريا منذ عام 2007 وحتى اليوم بشكل كبير جداً، نتيجة هبوط قيمة الليرة السورية أمام الدولار، حيث حددت حكومة النظام سعر الكيلو الواحد من القطن عام 2007 بـ28،5 ليرة سورية، بينما وصل في عام 2015 سعر الكيلو إلى 140 ليرة، وارتفع في عام 2019 إلى 350 ليرة، إلى أن وصل عام 2021 إلى 1500 ليرة، لينتهي هذا العام عند 4 آلاف ليرة سورية.


محصول مكلف


يعتبر محصول القطن من أكثر المحاصيل الزراعية كلفة، خصوصاً في الوقت الحالي فهو بحاجة إلى حراثة الأرض، ويد عاملة ومحروقات وسماد ومياه كافية للري، وبحسب تجربة الفلاح جُنيد (58 عاماً) فإن كل دنم مزروع بالقطن يكلف بين 500 إلى 600 ألف ليرة، في حال حصل على مستلزماته من مياه وسماد ويد عاملة، وبهذه الحالة فإنه ينتج بين 350 إلى 400 كيلوغراماً قطناً بسعر 4000 ليرة للكيلو أي أن الدونم الواحد ينتج مليون و600 ألف ليرة في الأحوال الطبيعية.
 
وبحسب جُنيد فإن قلة من الفلاحين قد يحصلون على هذا المردود لأنهم لم يتمكنوا من العناية بمحصولهم جراء فقدان المازوت والمياه، وغياب القدرة على تشغيل اليد العاملة وبأحسن الأحوال فإن الدنم الواحد قد يعطي نحو 150 كيلوغراماً بسعر 600 ألف، وهذا يعني أن الفلاح خاسر ومن غامر هذا العام لن يغامر العام القادم.
 

أرباح على حساب الفلاحين


ويرى غالبية الفلاحين أن حكومة النظام تحقق أرباحاً كبيرة على حسابهم وحساب جهدهم وإنتاجهم، ويستدلون على ذلك بسعر الألبسة الداخلية لدى منافذ بيع شركة الشرق العامة للقطنيات والألبسة الداخلية.
 
حيث يبلغ ثمن السروال الداخلي ماركة الشرق للأطفال بين 4050 وحتى 5000 ليرة، وللكبار 5500 ليرة، أي أن ثمن السروال الداخلي الصغير الواحد يوازي أو يزيد عن سعر كيلو القطن الذي حددته حكومة النظام بـ4000 ليرة.
 
وبعد أن توقفت معامل كثيرة تختص بحلج وتصنيع الأقطان في عدة محافظات، نتيجة تعرضها للقصف أو التخريب، أو نقلها إلى دول أخرى كتركيا ومصر، بحثاً عن الأمان، بات غالبية الزبائن يشتكون من رداءة جودة المنتجات المحلية والتي تعتبر منتجات "الشرق" أهمها، وبأنها لم تعد كما كانت في السابق، وفي هذا الخصوص تقول سامية (28 عاماً) من مدينة طرطوس، إنها اشترت لنفسها وطفلها ملابس داخلية من "الشرق" إلا أن اللباس الداخلي اهترأ تماماً بعد أول غسيل له بدرجة حرارة عالية، كما تحتاج الألبسة القطنية عادة.
 
وتبلغ المساحة المزروعة بالقطن في سهل الغاب 387 هكتاراً من أصل 1055 هكتاراً كان من المخطط زراعته، كما قال مدير الثروة النباتية في هيئة إدارة وتطوير الغاب وفيق زروف لصحيفة الفداء المحلية شهر أغسطس/آب الفائت، عازياً سبب التراجع عن زراعة القطن إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج ودورة الإنتاج الطويلة.
 
وتؤكد لغة الأرقام أن الإحجام عن زراعة القطن في عموم سوريا وليس في سهل الغاب وحده، وبحسب تصريحات سابقة نقلتها "سانا" عن مدير مكتب القطن في وزارة الزراعة أحمد الجمعة، فإن المساحات المزروعة بالقطن بلغت 24211 هكتاراً في عموم البلاد من أصل الخطة المقررة لزراعة 57365 هكتاراً، أي أن المزروع أقل من نصف الخطة.
 
رئيس مكتب الشؤون الزراعية في الاتحاد العام للفلاحين محمد الخليف، كان قد ذكر في شهر مايو/أيار الفائت لصحيفة الوطن المحلية، أن الزراعة لم تفِ بوعودها بتأمين أصناف جديدة من بذار القطن، حيث وزعت أصنافاً قديمة ذات مردودية ضعيفة، داعياً إلى دعم المحصول. 

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق