هرباً من الفقر.. سوريات يعملن كربّات منازل وبرعاية المسنين في العراق

لاجئات سوريات في العراق
لاجئات سوريات في العراق

اقتصادي | 03 أكتوبر 2022 | علياء أحمد

دفعت الأوضاع المعيشية السيئة وندرة فرص العمل وتدني الرواتب والأجور في سوريا، الشابة لمى التي لم تتجاوز الـ 28 من عمرها، للسفر والعمل كمدبرة منزل في أربيل براتب لا يتجاوز الـ 400 دولار أمريكي.


لمى، وهي خريجة معهد الفنون النسوية التي تنحدر من محافظة اللاذقية على الساحل السوري، قالت إن 6 أشهر مضت على سفرها، والعمل في مهنة لم تخطر ببالها يوماً، دون أن تخفي شعورها بالشفقة على نفسها، وتضيف: "حتى أهلي لا يعلمون أني أعمل كمدبرة منزل، قلت لهم إني أعمل في أحد مطاعم أربيل، وفي الحقيقة أن صديقتي هنا تعمل بالطريقة ذاتها، واتفقنا على إخفاء الأمر حفاظاً على شعور عائلتينا في سوريا".

ترى الشابة العشرينية أن مبلغ 350 دولار والذي يعادل اليوم نحو مليون و600 ألف ليرة سورية ليس بالقليل، خصوصاً أنها تحصل على ملابسها وطعامها وسكنها من العائلة التي تعمل لديها على مدار الساعة يومياً.

دلتنا لمى على صديقتها علا و التي تبلغ من العمر 36 عاماً، تعمل كجليسة لسيدة مسنة في أربيل أيضاً، وبراتب شهري 350 دولار أمريكي أيضاً، تحدثت عن صعوبة عملها الذي تضطر خلاله لتغيير الحفاض للسيدة المسنة، وإعطائها دوائها في الوقت المحدد، كذلك الطعام، وإلى جانب عملها هذا تقوم بأعمال المنزل والطهي حيث تقيم لوحدها مع السيدة العراقية، بينما يأتي أبناؤها لمرة واحدة أسبوعياً، وفي زيارة خاطفة.

تؤكد علا، أنه وحين الاتفاق على العمل كان العقد يقول بأنها مسؤولة فقط عن رعاية السيدة، ولم تكن أعمال المنزل موجودة، وحين احتجت على الأمر أخبرها أبناء السيدة المسنة أنها تستطيع ترك العمل إن لم يعجبها ويحضرون "سورية" أخرى، فهناك الكثير من الباحثات عن العمل ويرضينّ بالقليل.

ويعلم أرباب العمل في الدول العربية بمعاناة السوريين وأوضاعهم المعيشية الصعبة ورغبتهم بالسفر هرباً من واقعهم وضيق عيشهم، لذا فإن استغلالهم يتم بطرق متعددة مثل تدني قيمة الراتب قياساً بالعمل الموكل إليهم. تصف علا وهي حاصلة على شهادة ثانوية وضع السوريين بأنهم باتوا مثل العمالة البنغالية أو الهندية، التي يعرف بأنها من أرخص العمالة في العالم.

خيار السفر  لا يميز بين المهن

وتنتشر في سوريا حالياً على نطاق واسع ظاهرة سفر النساء، عوضاً عن الرجال، للعديد من الأسباب أولها أن الرجال المحكومون بخدمة العسكرية والهاربين منها لا يستطيعون السفر، وهذا ما فتح الباب للنساء للسفر والعمل استغلالاً للموقف.

وجهات العمل ليست متنوعة جداً وأبرزها العراق وأربيل وليبيا، وبدرجة أقل الصومال وليبيا خصوصاً للأطباء، كذلك اليمن.

طبيبة سورية فضلت عدم الكشف عن اسمها قررت السفر إلى العراق، وتركت خلفها طفلها وزوجها الذي لم يستطع اللحاق بها لأسباب تتعلق بوظيفته الحكومية داخل البلاد، إلا أنه شجعها على السفر لتأمين حياة طفلهما.

تقول الطبيبة البالغة من العمر 42 عاماً، إن راتبها لا يتجاوز 800 دولار (الدولار يساوي 4400 ليرة سورية)، ورغم قلته لكنه لا أنه لا يقارن براتبها داخل سوريا، والذي لم يكن يتجاوز 200 ألف ليرة، أي أقل من 50 دولار أميركي.

الصورة تعبيرية - مصدر الصورة  أطباء بلا حدود

لا تنسى رغد (34 عاماً) وهي ممرضة سافرت إلى ليبيا، آخر يوم لها في سوريا العام الفائت، حين احتضنت طفليها الصغيرين 7 و9 سنوات، واستفاقت فجر اليوم التالي لتنطلق في رحلة البحث عن طموح لا يتجاوز القدرة على كفاية عائلتها وإيفاء ديون العائلة المتراكمة، نتيجة عدم كفاية راتبها وعدم مقدرة زوجها على العمل وهو المتخلف عن الخدمة العسكرية، والذي يلتزم منزله خوفاً من سوقه في أي لحظة.

رغد التي وصلت إلى ليبيا قبل أقل من عام، اكتشفت بعد وصولها باختلاف الكثير من تفاصيل عقد العمل الذي سافرت بموجبه، فبعد أن دفعت نحو 1600 دولار كلفة السفر، تفاجأت أن الراتب ليس 700 دولار كما أخبروها، بل تحول إلى 550 دولار، كما أن الحصول عليه لا يتم إلا كل شهرين مرة، فإما تقبض عن شهرين أو عن شهر واحد، وتؤكد أن لها في ذمة المستشفى حيث تعمل راتب ثلاثة أشهر، ولا تملك أي حق للمطالبة بها، لأنهم ببساطة يقولون لها اتركي العمل، كما أخبرتنا.

لم يمانع زوج رغد سفرها، على العكس شجعها وتعهد القيام بكل مسؤوليات طفليهما، وهو اليوم ينتظر أن يتخلص من هم التخلف عن الخدمة العسكرية ليلتحق بها ويأخذ أطفاله إلى ليبيا، لتكون محطتهما ما قبل الأخيرة، فالعائلة تفكر بجمع المال اللازم للوصول إلى أوروبا.

طبيبات ومهندسات وخريجات جامعيات، العديد من النساء السوريات سافرنّ بقصد العمل، وتركن خلفهنّ أزواجاً وأطفالاً، وغالبيتهنّ حظين بتشجيع أزواجهنّ وعوائلهنّ طمعاً بالتخلص من الظروف المعيشية الضاغطة، في الحد الأدنى.

لا مفر من التحرش 

طورت ليال (25 عاماً) من عملها في الحلاقة النسائية، وتعلمت تركيب جل الأظافر، ثم سافرت من خلال مكتب سفريات إلى العراق، وهناك عملت في صالون حلاقة براتب شهري بدأ بـ 400 دولار ووصل اليوم بعد عامين إلى 600 دولار.

 تضيف ليال: "الصعوبة الوحيدة التي أواجهها هي في التحرش، فصاحب الصالون لطالما حاول التحرش بي كثيراً، لكنه ملّ في النهاية، المحيط ومكان السكن لا يقل خطورة، فهناك قسمين من الرجال هنا، إما متحرشين أو باحثين عن زوجة ثانية، ولا أعتقد أني قد أطيل البقاء أكثر من ذلك نظراً لهذه الظروف".

لا يوجد إحصائية عن عدد العمال والعاملات السوريات في العراق أو أربيل، لكن تشير مواقع صحافية عراقية إلى أن عدد السوريين الذين وصلوا إلى أربيل خلال عام 2021، وصل إلى أكثر من 150 ألف سوري وسورية، معظمهم جاؤوا بغرض العمل.

السوريون في العراق يعيشون بسلاسة أكبر من السوريين في أربيل، حيث يواجهون عنصرية بالغة هناك من بعض سكان المنطقة.

اقرا ايضاً: لاجئات سوريات هاربات من الحرب يواجهن الاستغلال والتحرّش في العراق

الحجاب فرض ولا حياة للنساء في البصرة

تخلت فداء (24 عاماً) عن إكمال دراستها الجامعية، فرع هندسة المعلوماتية في جامعة البعث بمدينة حمص، واختارت العمل كعاملة استقبال في أحد مستشفيات مدينة البصرة العراقية براتب 350 دولار شهرياً، ووصلت إليها مع نهاية العام 2021، تضيف: "لا حياة للنساء هنا، مضطرة للخروج بجلباب أسود فضفاض وخمار كامل، حين ينتهي دوامي أعود إلى الغرفة التي أعيش فيها وأتسلى على الموبايل، لا أستطيع الخروج كثيراً فظروف الحياة هنا مستحيلة بالنسبة للنساء".

يمكن القول إن الظروف المعيشية الضاغطة التي يعيشها السوريون وتبدل الحياة، أدت لمنح النساء المزيد من حقوقهنّ، والمشكلة أن السبب لا يكمن في تغيير عقلية المجتمع الشرقي بل في ظروف الحياة نفسها، وهنا يأتي دور النساء للاستفادة من هذا الواقع والتمسك بحق تقرير المصير وإبداء الرأي في حياتها ومستقبلها، دون العودة إلى "ظل الرجل".

يذكر أن كلفة السفر إلى ليبيا والعراق تتراوح بين 1600 إلى 4500 دولار أميركي، حيث يلجأ المسافرون والمسافرات إلى الاستدانة أو بيع ذهب يمتلكنه، أو أي شيء آخر صالح للبيع، بهدف تأمين مصاريف السفر، وهو ما يعتبر مغامرة كبيرة خصوصاً في حال كان المكتب الذي أمّن السفر وفرصة العمل قد احتال عليهنً، وهي ظاهرة تتكرر كثيراً. 

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق