شبح الكوليرا يخيم على سوريا.. ومدنيون: "لم أسمع بها في حياتي"

صبيان يجمعان الماء في شرقي حلب بسوريا - أرشيف الأمم المتحدة
صبيان يجمعان الماء في شرقي حلب بسوريا - أرشيف الأمم المتحدة

صحة | 15 سبتمبر 2022 | محمد الحاج

يتوالى الإعلان عن حالات الوفاة أو الإصابة بمرض الكوليرا في سوريا. استنفار طبي وتحذيرات من تفشي المرض وتحوله لجائحة في البلاد ودعوات لالتزام الأهالي بإرشادات الوقاية ومطالبة للإدارات المختلفة بضرورة إيجاد حلول فورية تقضي على أسباب انتشار المرض وتمنع خروج الأمور عن السيطرة.


في ظل التخوف والأخبار الواصلة من المستشفيات للأهالي ودق الأمم المتحدة لناقوس الخطر، طرح برنامج صدى الشارع أسئلة في حلقته الأخيرة: هل تثمر الجهود الخدمية لمنع تفشي الكوليرا؟ إلى أي حد سيتلزم الأهالي بسبل الوقاية وتطبيق احترازات شخصية؟ وأيضاً: ما الذي يعرفه السوريون عن الكوليرا؟

إجابات في استطلاع مصور من مدينة الرقة تظهر أن النسبة الأكبر من الشريحة العشوائية لم تسمع "في حياتها" بالكوليرا، وانقسام بين من يطبق إجراءات سلامة في بيته، وآخرون يعتبرون أن الأخبار المتداولة مجرد إشاعة "الله وحده من يقينا من أي وباء".

في هذه المادة نعرض لكم آخر الإحصاءات الرسمية حول حالات الوفاة والإصابة في الأيام القليلة الماضية بالكوليرا في سوريا. ونعرض معلومات عن الكوليرا وحقائق حولها إضافة لجهود مكافحتها حالياً بالبلاد وتاريخ آخر ظهور لها بسوريا وأمثلة لتفشيها في بلدان عانت من النزاعات والحروب.

الكوليرا رسمياً في سوريا.. والأرقام تتصاعد

أعلن النظام السوري والإدارة الذاتية في شمالي شرقي سوريا تسجيل حالات وفاة نتيجة الكوليرا، إضافة لتسجيل إصابات عديدة، كما رصدت الأمم المتحدة أكثر من 900 مصاب بإسهال مائي حاد بمختلف المحافظات.

وزارة الصحة في حكومة النظام السوري أعلنت مساء الثلاثاء الماضي وفاة سبعة مدنيين نتيجة إصاباتهم بالكوليرا إضافة إلى 53 حالة مثبتة، وسجلت غالبية حالات الوفاة والإصابة في محافظة حلب تليها محافظتي الحسكة ودير الزور إضافة لتسجيل حالات مصابة في اللاذقية ودمشق.

وسجلت أرقام الوفاة والإصابة بالكوليرا في مناطق سيطرة النظام ارتفاعاً ملحوظاً خلال 24 ساعة، إذ أشار بيان وزارة الصحة الاثنين إلى حالتي وفاة فقط مع 26 إصابة نافية ما تداولته وسائل إعلام عن وفيات بدمشق.

بدورها كانت "الإدارة الذاتية" في شمالي شرقي سوريا أول الجهات المسيطرة التي أعلنت عن حالات وفاة نتيجة الكوليرا، عددها ثلاث في مدينة الرقة وغربي محافظة دير الزور بالمناطق الواقعة تحت سيطرة "قوات سوريا الديمقراطية".

ولم تعلن حتى لحظة إعداد المادة كل من حكومتي "السورية المؤقتة" و"الإنقاذ" عن حالات بالكوليرا في مناطق سيطرتها شمال غربي البلاد.

وقالت الأمم المتحدة إن بيانات المراقبة في سوريا بين 25 آب و10 أيلول الحالي تظهر الإبلاغ عن 963 حالة إسهال مائي حاد، وما لا يقل عن ثماني حالات وفاة، وتوزعت الحالات كالتالي: 676 في حلب و201 حالة في دير الزور و38 بالحسكة و17 في الرقة و2 في كل من حماة واللاذقية.

"لم أسمع بها بحياتي".. ما هي الكوليرا التي يجهلها سوريون؟

مراسل روزنة بالرقة عبدالله الخلف، يكرر سؤاله على عدد من المستطلعة آراؤهم في "صدى الشارع"، إن كانوا لا يعرفوا أي معلومة عن الكوليرا، لتأتي إجابات عديدة: "أول مرة أسمع به بحياتي. ولا أعرف عنه أبداً وسمعت باسمه منك الآن أو مؤخراً".

كذلك علق سوريون عبر مواقع التواصل الاجتماعي أنهم يجهلون المرض أو أي معلومات عنه.

تعرف منظمة الصحة العالمية المرض أنه عدوى حادة تسبب الإسهال وتنجم عن تناول الأطعمة أو شرب المياه الملوثة بضمات بكتيريا الكوليرا، حيث يمكن أن يتسبب بإسهال مائي حاد ويستغرق فترة بين 12 ساعة إلى 5 أيام لتظهر أعراضه على الشخص سواءً أكان طفلاً أم بالغاً فهو يصيبهما على حد سواء.

وتقول المنظمة إن معظم من يصاب بعدوى المرض يبدي أعراضاً خفيفة أو معتدلة، وأقلية فقط تصاب بإسهال مائي حاد مصحوب بجفاف شديد ما يؤدي إلى الموت خلال ساعات إن ترك دون علاج.

ويمكن علاج معظم المصابين بعدوى الكوليرا بنجاح عبر محلول الإمهاء الفموي، ويلزم للحالات الوخيمة حقن وريدي ومضادات حيوية وتشير لوجوب إعطاء اللقاحات الفموية المضادة للمرض.

وتصف منظمة "أطباء بلا حدود" علاج الكوليرا بالبسيط وتضيف أسبابا لانتقال البكتيريا "ملامسة البراز أو القيء المتأتي من الأشخاص المصابين بالمرض، قد يفقد المريض ما يصل إلى 25 لتراً من السوائل يومياً".

وتذكر أيضاً عبر موقعها: "لا ينبغي موت أي شخص بسبب الكوليرا في ظل توفر العلاج. لكنه يحصد حياة أكثر من مئة ألف سنوياً".

وتشير تقديرات الباحثين حسب منظمة الصحة العالمية إلى وفاة 21 ألف إلى 143 ألف شخص سنوياً حول العالم، إضافة لبين 1.3 إلى 4 مليون إصابة،  في ظل إطلاق استراتيجية عالمية في 2017 تهدف لتخفيض أعداد الوفيات الناجمة عن المرض بنسبة 90 بالمئة حتى عام 2030.

الأمم المتحدة ومسؤولون يحددون المصدر الأولي للعدوى

تقول الأمم المتحدة أن مصدر العدوى بالكوليرا في سوريا مؤخراً مرتبط بشرب الأشخاص مياه غير آمنة من نهر الفرات واستخدام المياه الملوثة لري المحاصيل التي تؤدي لتلوث الغذاء، ذلك حسب تقييم سريع "أجرته السلطات المحلية والشركاء".

وأشار مدير الصحة في حلب زياد حاج طه في مداخلة تلفزيونية مع قناة "السورية" إلى أن غالب الإصابات سجلت في حي السكري (تعرض لدمار واسع سابقاً جراء قصف النظام) نتيجة شرب المياه من مصدر غير معروف، اتضح بعد المعاينة أنه بئر عشوائي حفرته عائلة خلال السنوات الماضية.

من جانبه، لفت أحمد نور الناصر مدير مؤسسة المياه بحلب إلى أن مدنيين أصيبوا بالكوليرا بعد شراء ألواح ثلج من محال تستخدم مياه مجهولة المصدر، مؤكداً أن المياه تصل لجميع أحياء المدينة وهي نقية وتمر بمراحل تعقيم معاييرها صارمة، كما قال إنهم أتلفوا مساحات مزروعة على سرير نهر قويق تروى من مياه الصرف الصحي.

وفي تسجيل مصور، ذكر رئيس هيئة الصحة بـ"الإدارة الذاتية" جوان مصطفى أن الإصابة بالكوليرا تتركز في ريف دير الزور الغربي، ووصل معظم المرضى إلى مستشفى الكسرة أفاد عدد منهم أنهم شعروا بالأعراض بعد شرب مياه ملوثة.

العلاج متوفر.. هل تثمر جهود منع تفشي المرض؟

55 في المئة من المصوتين على سؤال صدى الشارع في صفحة روزنة بـ فيسبوك يرون أن جهود مكافحة تفشي الكوليرا على نطاق واسع والالتزام المجتمعي بسبل الوقاية ستثمر في سوريا، فيما رأى البقية أنها ستفشل وهو ما توافق معه عدد من المتصلين والمعلقين.

وبينت وزارة الصحة التابعة للنظام أنها تعمل على مدار الساعة بالترصد الوبائي للمرض واتخاذ الإجراءات المناسبة لتطويقه، مؤكدةً أن العلاج متوفر بكافة أشكاله وزودت به المشافي بمخزون إضافي تحسباً لأي زيادة محتملة بالإصابات المحدودة حتى الآن.

كذلك طالبت وزارة التربية مديرياتها بالاقتصار على بيع الأطعمة المغلفة والمشروبات المعبأة آلياً في المدارس، والامتناع عن تجهيز أي من الوجبات الغذائية داخل "الندوات ومقاصف البيع"، إضافة لصيانة وتبديل التمديدات الصحية والتأكد من نظافة دورات المياه في المدارس.

السيطرة على الوضع وطمأنة الأهالي أعلنت عنها أيضاً مديرية الصحة في "الإدارة الذاتية"، في حين طلبت وزارة الصحة بـ"الحكومة المؤقتة" الاستعداد للاستجابة بالمنشآت التابعة لها، إضافة لنشر الجهات الثلاث إرشادات وقائية ومعلومات عن المرض وطرق العلاج وكيفية التصرف في حال ظهور الأعراض.

ودعت الأمم المتحدة الدول المانحة لتمويل إضافي عاجل لاحتواء تفشي المرض ومنع انتشاره في سوريا "يمثل تهديداً خطيراً للناس"، حيث باشرت وكالاتها مع المنظمات غير الحكومية التنسيق مع السلطات الصحية لضمان الاستجابة الفاعلة بالوقت المناسب وسط الحاجة لاتخاذ إجراءات سريعة وعاجلة.

نقص حاد بالمياه واعتماد على مصادر غير مأمونة

هذه الفاشية تظهر مؤشراً على النقص الحاد بالمياه في جميع أنحاء سوريا، حسب الأمم المتحدة، التي دقت ناقوس الخطر بشأن المسألة لبعض الوقت مع استمرار انخفاض مستويات نهر الفرات والظروف الشبيهة بالجفاف ومدى تدمير البنية التحتية الوطنية للمياه.

ويعتمد الكثير من السوريين "الضعفاء" على مصادر المياه غير المأمونة التي قد تؤدي إلى انتشار الأمراض الخطيرة خاصة بين الأطفال، كما يجبر نقص المياه العائلات على اللجوء إلى آليات تكيف سلبية مثل تغيير ممارسات النظافة، أو زيادة ديون الأسرة لتحمل تكاليف المياه.

وسبق أن قال المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك في نهاية العام الفائت إن 5 مليون سوري يتضررون من أزمة المياه المستمرة ويعاني سكان الأجزاء الشمالية من الوصول لمياه آمنة وكافية، ما يؤدي إلى زيادة انتشار الأمراض المنقولة بالمياه، ويقلل من خط الدفاع الأول الحاسم لوقف جائحة كوفيد-19.

ومن أصل 251 مليون دولار أمريكي حددتها الأمم المتحدة لضرورة وجود استجابة متعددة القطاعات استلمت 51 مليون فقط، كما أصدرت مع شركائها خطة موحدة لستة أشهر تستهدف 3.4 مليون شخص من الأكثر تضررا شمالاً، حسب "دوجاريك".

الكوليرا اختفت بسوريا منذ سنوات وتتفشى في بيئات الحروب

صرح مدير الأمراض السارية في وزارة صحة النظام زهير السهوي في حزيران الماضي لموقع "الخبر" أن آخر تاريخ سجلت فيه سوريا حالات إصابة بالكوليرا قبل 12 إلى 13 سنة حيث حدثت فاشية في محافظتي دير الزور والرقة "2010 يعتبر تاريخ القضاء على الكوليرا بالبلاد".

ومع أنباء انتشار الكوليرا في الأيام الماضية بسوريا، أكدت الأردن خلو البلاد من حالات إصابة، كما يذكر أن حالات الاشتباه في سوريا سنة 2015 نفيت بشكل رسمي.

في ظل انهيار البنية التحتية وتضررها والحرمان من المياه الآمنة مع سوء صيانة أنظمة إدارة النفايات، تنتشر الكوليرا في البلدان التي تشهد نزاعات وحروب.

وعانى اليمن من تفشي الوباء عام 2017، بعد انحساره في 2016 وخروجه عن السيطرة لاحقاً، حيث تشير تقديرات لإصابة نحو مليوني شخص بأعراض مشتبه بها و3 آلاف وخمسمئة وفاة ناجمة عنها، وخطر تعرض نحو خمسة ملايين طفل لأمراض يمكن الوقاية منها كالكوليرا والإسهال المائي الحاد.

كذلك يعلن العراق بشكل مستمر منذ سنوات عن إصابات بالكوليرا على نطاق واسع في البلاد، كما أعلنت المتحدثة باسم منظمة الصحة العالمية مارغريت هاريس، في حزيران الماضي أن خطر تفشي الكوليرا بمدينة ماريوبول الأوكرانية مرتفع لحصول الناس على مياه شرب مأمونة بدرجة أقل بسبب الأنابيب التالفة.

حلقة برنامج صدى الشارع كاملة:
 

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق