الأنشطة الصيفية للأطفال.. سوريون عاجزون عن تأمينها

أنشطة صيفية - فليكر
أنشطة صيفية - فليكر

التقارير | 03 أغسطس 2022 | علياء أحمد

الأنشطة الترفيهية الصيفية للأطفال خرجت من حسابات غالبية العائلات السورية، مع استمرار تدهور الوضع المعيشي والاقتصادي في سوريا، ما عدا طبقة الأثرياء.


في الصيف الفائت كان آخر نشاط صيفي لطفلي نهى (35 عاماً) حيث سجلتهما في دورة السباحة.

فوجئت السيدة المقيمة في دمشق هذا العام بأجور دورات السباحة التي تجاوزت الـ 200 ألف ليرة سورية.

وتضيف: "مسبح تشرين هو الأرخص، كلفة الدورة فيه 30 ألف ليرة لكل طفل، من دون مواصلات، وفي حال قررت إلحاقهما بالدورة، سأدفع 60 ألف ليرة وهي أكثر من نصف راتب زوجي الشهري، وأما بعض المسابح في المناطق الراقية علمت من جاراتي أن أجورها تجاوزت الـ 200 ألف ليرة شهرياً، مع وجود مواصلات".

جارتها لبنى ( 29)عاماً موظفة حكومية، قادرة على دفع 30 ألف ليرة شهرياً لطفلها الوحيد، إلا أنها عزفت عن الأمر، نتيجة ما ستتكبده من معاناة مع أزمة النقل، وفضلت نسيان الحكاية وترحيلها لعام قادم عساه يكون أفضل حالاً.

ولا تتجاوز رواتب السوريين العاملين لدى المؤسسات الحكومية في مناطق النظام السوري الـ 200 ألف ليرة سورية في أحسن أحوالها، ووسطياً لا تتجاوز الـ 120 ألف ليرة.

وفي أيلول عام 2021 صدرت آخر زيادة على الرواتب بمرسوم تشريعي من رئيس النظام السوري بشار الأسد، زاد بموجبها رواتب وتعويضات العاملين المدنيين والعسكريين بنسبة وصلت إلى 30 في المئة.

في اللاذقية وطرطوس

تتراوح أجور دورات السباحة الشهرية لمدة 3 أيام في الأسبوع بمعدل ساعة ونصف للجلسة بين 80 وحتى 125 ألف ليرة سورية، متضمّنة أجور المواصلات، والتي غالباً ما تكون بين 15 إلى 30 ألف ليرة، بحسب تواجد المسبح في المدينة.

أبو الزين 48 عاماً، يعمل سائق تكسي في طرطوس، اضطر وتحت إلحاح ابنه البالغ من العمر 9 سنوات إلى تسجيله في أحد المسابح الخاصة خارج المدينة، بكلفة 100 ألف ليرة شهرياً بدون مواصلات.

يقول: "أعطيت أحد المشرفين 25 ألف ليرة لينتبه عليه، خصوصاً مع كثرة الأحاديث المتداولة عن وجود حالات غرق خلال تلك الدورات".

أحمد، (23 ) عاماً، أحد المشرفين على دورة سباحة في أحد مسابح طرطوس، برأيه أن الخطر خلال دورات السباحة قائم، لقلة وجود المشرفين.

وأوضح أنّ: "أجور الدورات تبدو مرتفعة قياساً بالدخل، لكن بالمقابل يحتاج المشرفون إلى رواتب شهرية لائقة للعمل".

ارتفاع أجور النشاطات دفعني للغياب عن العمل!

في مدينة اللاذقية، قررت منى 32 عاماً عقد اتفاقية مع مراقب الدوام حيث تعمل، يأخذ 25 في المئة من راتبها البالغ 116 ألف ليرة سورية (27 دولاراً)، مقابل التستر على غيابها 4 أيام في الأسبوع، لأنها فشلت في الحصول على مكان تضع طفليها فيه خلال دوامها الرسمي.

توضح منى: "تفتح رياض الأطفال في الصيف بأنشطة ترفيهية مختلفة، وتستقبل الأطفال من كافة الأعمار، وهي موجهة للأمهات العاملات، اللواتي يبحثن عن مكان لترك أطفالهن فيه خلال الدوام الرسمي".

وتتابع: "هذا العام بحثت طويلاً، لم أجد أي روضة بقسط أقل من 60 ألف ليرة شهرياً، ومن دون مواصلات، وهو مبلغ من المستحيل تأمينه لطفلين، لذلك قررت البقاء معهما والتنازل عن ربع راتبي".

اقرأ أيضاً: في سوريا.. "بيجي الضيف وبجيب خبزاته معه"



ما بين الأحياء الشعبية والحديثة الأسعار متباينة

ترتفع أجور رياض الأطفال في اللاذقية تبعاً لاسم الروضة ومكان تواجدها، ففي الأحياء الشعبية مثل بسنادا والضاحية تبلغ الأقساط نحو 60 ألف ليرة للطفل الواحد بدون مواصلات و80 ألف مع مواصلات، وتصل إلى 150 ألف ليرة بدون مواصلات و180 ألف مع مواصلات في أحياء أخرى مثل الزراعة، بينما في المدارس الخاصة تصل إلى 225 ألف ليرة شهرياً مع مواصلات.

الأرقام السابقة لدى مقارنتها بالدولار تبدو بسيطة جداً، حيث تجاوز سعر صرف الدولار الـ 4 آلاف ليرة، لكن حين مقارنتها مع راتب الموظف الحكومي الذي يبلغ وسطياً 150 ألف ليرة، تبدو مستحيلة المنال، وهو ما جعل طبقة الموظفين الحكوميين يبحثون عن أنشطة أخرى أقل كلفة.

في أحد الأحياء الشعبية في المدينة، يقيم علي 45 عاماً، سجّل طفليه في دورة موسيقا بكلفة 20 ألف ليرة شهرياً لكل منهما، وبمعدل نصف ساعة للدرس مرتين أسبوعياً، تلك الدورة ذاتها ترتفع إلى 40 ألف ليرة في معاهد موسيقا أكثر شهرة في الأحياء المنظمة.

ينطبق الحال على دورات الرسم والزومبا والكاراتيه والباليه، فالأجور متفاوتة تبعا لمكان وجود المعهد التدريبي وسمعته، إلا أنها لا تقل عن 20 ألف ليرة شهرياً ولا تزيد عن 50 ألف ليرة.

"أجواء الأنشطة في المعاهد قليلة الأجور غير مناسبة للأطفال" كما تقول لميس (31) عاماً، وهي التي رافقت طفلتها 6 أعوام إلى دورة الرسم، وشاهدت كيف تتم معاملة الأطفال بطريقة لا مبالية، على حد وصفها، فضلاً عن عدم نظافة المكان وامتلائه بالحشرات، فقرّرت نسيان الفكرة وتسجيلها في معهد آخر أفضل، إلا أن أجره الشهري كان 40 ألف ليرة من دون مواصلات "بالتأكيد لو كان لديّ طفلين لما استطعت تسجيلهما معاً".

قد يهمك: الرز بالكاسة والسمنة بالملعقة.. أسلوب شرائي جديد في سوريا



المواصلات أزمة مستمرة

يعتبر المركز الثقافي الخيار الأنسب لغالبية المواطنين قليلي الدخل، حيث لا تزيد رسومه عن 10 آلاف ليرة شهرياً عموماً في جميع المناطق السورية، إلا أن الوصول إليها بات أمراً معقدا جراء أزمة النقل.

هيام ( 29) عاماً، خرجت مع طفلها الصغير مصطحبة إياه إلى المركز الثقافي في اللاذقية، قادمة من سقوبين في ضواحي المدينة، لحضور نشاط الرسم، إلا أنها لم تصل إلا بعد أن خاضت معارك طاحنة للحصول على مقعد شاغر في باصات النقل العام، حتى أنها وصلت بعد مضي أكثر من نصف الوقت على بدء النشاط، فقررت عدم إعادة التجربة مرة أخرى.

وتضيف: "في حال استخدمت سيارة أجرة يترتّب علي دفع 30 ألف ليرة كل يوم من أيام النشاط، البالغ مرتين أسبوعياً، وهو مبلغ لا أستطيع دفعه، وفي حال استخدمت الباص سأرتّب أعباءً نفسية على طفلي أكثر مما سأفيده، لذا قررت التخلي عن الفكرة والجلوس معه في المنزل والاستعانة باليوتيوب للحصول على بعض الأفكار، والأنشطة الترفيهية والسباحة تركناها لولاد أثرياء الحرب والمسؤولين".

تواصلت روزنة مع 30 أماً ووالداً يعملون في القطاعين العام والخاص، من محافظات دمشق اللاذقية وطرطوس، عما إن كانوا قد وضعوا أطفالهم بأنشطة ترفيهية خلال هذا الصيف، اثنان فقط قالوا إنهم وضعوا أطفالهم، و25 أكدوا استحالة قدرتهم المادية على تحمل تلك الأعباء، فيما حسم 3 منهم الأمر بعدم وضع الأطفال خوفاً عليهم، سواء من الغرق أو حوادث الاختطاف والعنف الذي بات منتشراً بكثافة في مختلف المناطق.

ويعيش أكثر من 90 في المئة من السوريين تحت خط الفقر، وفق الأمم المتحدة، يعجزون عن تأمين المستلزمات الرئيسية المعيشية مثل الطعام والشراب، جراء تدهور سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار الأميركي، حيث أصبح يعادل الدولار الواحد أكثر من 4200 ليرة سورية.

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق