عاملو توصيل وبناء.. لا تقاعد لكبار السن في سوريا!

سيدتان تبيعان الخضار - shutterstock
سيدتان تبيعان الخضار - shutterstock

التقارير | 20 يوليو 2022 | علياء أحمد

يطرق باب المنزل، ها قد وصل عامل التوصيل أخيراً، تفتح أمل 36 عاماً تعمل كربة منزل، الباب لاستقبال الطلبية التي كانت قد أوصت عليها من السوبرماركت القريب في مشروع دمر بالعاصمة دمشق، لتتفاجأ أن عامل التوصيل بالكاد يتنفس بعد أن صعد 6 طوابق ليصل منزلها.


رجل في نهاية العقد السادس من العمر، نحيل الجسد ضعيف البنية، تصف أمل عامل التوصيل، الذي قررت منحه إكرامية مضاعفة، دون أن تخفي شعورها بالألم، "على الحال الذي وصلنا إليه في سوريا".

منذ تقاعد العمل، أبو محمود من وظيفته الحكومية، نهاية عام 2012، كان راتب التقاعد حينها عدة آلاف بسيطة، لا يذكر مقدارها بالضبط، إلا أنها كانت تكفيه وزوجته، لعيش حياة متوسطة نوعا ما، يصفها بـ"المستورة".

بدأت الظروف المعيشية تشتد شيئا فشيئاً، ولم يعد الراتب يكفي الرجل الستيني حتى ثمن أدوية له ولزوجته، ليقرر خوض تجربة العمل مجدداً.

اقرأ أيضاً: الرز بالكاسة والسمنة بالملعقة.. أسلوب شرائي جديد في سوريا



يقول أبو محمود: "جربت العمل كمعقب للمعاملات، لكن الجو مشحون جدا والمنافسة ربما تؤدي إلى مشكلات أكبر، جربت العمل في أحد القهاوي، لكن رائحة التدخين والأراكيل ضرتني كثيراً، أخيرا وجدت هذا السوبرماركت وعملت كعامل توصيل".

يجني العم الستيني، حوالي 500 ألف ليرة شهرياً من عمله الحالي، وهو مبلغ قابل للزيادة او النقصان بحسب حجم الإكراميات التي يحصل عليها، والتي غالباً ما تكون كبيرة رأفة بحاله، بينما لا يتجاوز راتبه التقاعدي 95 ألف ليرة، لا تكفي حتى لشراء أدوية الضغط والقلب الخاصة بزوجته، والمكملات الغذائية التي وصفها الطبيب له، حيث يبلغ ثمن علبة الفيتامينات التي وصفها له الدكتور 45 ألف ليرة، أي نحو نصف راتبه التقاعدي، وهو يحتاج لعلبة شهرياً.

الظروف المعيشية واستمرار تدهور الاقتصاد الذي تقف الحكومة أمامه عاجزة، حرمت المتقاعدين من فرص الراحة، وألزمتهم بالبحث عن فرص عمل أخرى وللأسف فإن سوق العمل في سوريا عموما، ليس مناسبا للمتقاعدين والمتقاعدات، ويتطلب شباناً وشابات صغار في السن، يمتلكون مرونة أكبر بالحركة.

أعمال التنظيف

بينما يعمل زوجها المتقاعد كسائق على سيارة أجرة في دمشق، اختارت السيدة المتقاعدة نجوى 62 عاماً، العمل في أحد مطابخ الوجبات السريعة في العاصمة، حيث تمضي نحو 8 ساعات يوميا في غسل الصحون وتنظيفها، وبالمقابل تحصل على راتب شهري 300 ألف ليرة ووجبة واحدة كل يوم، كما أنها قد تحصل على بعض البقايا تأخذها لزوجها في المنزل.

"لست وحدي، كل زميلاتي السابقات في الوظيفة، يعملن اليوم بمهن مختلفة"، تقول السيدة الستينية، وتضيف أن عملها في وظيفتها الحكومية كان عملاً مكتبياً، وبعد التقاعد حاولت كثيرا العمل في الشركات، لكن للأسف غالبية أصحاب العمل يطلبون شبابا وشابات وليس كبار السن، الذين لا يتبقى لهم سوى مثل هذه الأعمال مجهدة.

سائق سيارة

سليم 62 عاماً يعيش في مدينة جبلة بمحافظة اللاذقية، ونظراً لكون مدينته صغيرة ولا تحوي الكثير من الفرص، قام بتحويل سيارته الخاصة إلى سيارة أجرة عمومي، وبدأ العمل بها، ليتمكن من إعالة نفسه وأسرته، فهو والد لفتاتين تخرجتا من الجامعة باختصاص علم نفس وأدب عربي، ولا تعملان، كذلك زوجة تعمل كربة منزل، وابن متزوج وبالكاد يكفي عائلته.

يقول سليم لروزنة ساخراً: "وهي الحكومة أراحتنا من ملل التقاعد"، ويضيف الرجل الستيني المتقاعد، أنه يحصل من عمله على مبلغ شهري يكفي طعام ودواء العائلة، فقط لا غير، دون توفير أي احتياجات أخرى مثل اللباس.

وخلال فترة إعداد روزنة لهذه المادة، سألت العديد من المتقاعدين عن الأعمال التي زاولوها بعد التقاعد، في عدة محافظات سورية، وغالباً فإن طبيعة العمل تعتمد على طبيعة المحافظة وما توفره من فرص عمل.

في اللاذقية وطرطوس، يعمل غالبية المتقاعدين في أعمال الزراعة، والصيد في البحر، وأعمال العتالة والبناء في أحيان قليلة، بينما في دمشق غالباً يكون العمل في توصيل الطلبات سواء للمطاعم أو السوبرماركت، كذلك باعة في المحال التجارية أو باعة على البسطات، كذلك الحال في ريف دمشق، إلى جانب أعمال الزراعة كذلك.



أعمال البناء الشاقة

بالكاد يستطيع العم سليمان 69 عاماً، جرّ العربة المحملة بالرمل بوزن يقارب الـ40 كغ والتي كان قد عبئها قبل القليل، يحتاج أن يجرها حتى 30 متراً تقريباً، ربما ليست بالمسافة الطويلة، لكن بالنسبة لرجل في مثل عمره، تبدو مهنة قاسية جداً.

وبعد دردشة سريعة مع العم سليمان، أخبرني أنه أمضى سنوات شبابه كعامل في أحد المعامل الإنتاجية، بالعاصمة دمشق، كان يحلم بيوم التقاعد، وبخلاف الكثيرين الذين كانوا يخشون ملله، كان قد وعد نفسه بأنه سينام كثيراً ويرتاح كثيراً تعويضا له عن كل التعب والجهد الذي قدمه لأكثر من 28 عاماً.

ويضيف: "من تحت الدلف لتحت المزراب، هذه الحياة ليست عادلة يا ابنتي من يتعلم الدرس يريح رأسه".

رفض العمل سليمان كشف الرقم الذي يحصل عليه من عمله في البناء، وقال: "يوم نعمل نأكل ويوم لا نعمل نجوع، وراتب الحكومة أود لو تأخذه وتشتري به علكاً لأولاد مسؤوليها".

لا يتجاوز راتب المتقاعدين في سوريا مبلغ الـ100 ألف ليرة في أحسن الأحوال، (25 دولار تقريباً)، وهو مبلغ لا يكفي حتى أبسط متطلبات حياتهم من طعام ودواء، بينما لا يغطي التأمين الصحي أكثر من 10 آلاف ليرة شهرياً، وهو مبلغ لا يكفي ثمن علبة دواء واحدة لالتهاب المفاصل حتى، فماذا عن أدوية الضغط والسكري والقلب وباق الأمراض المزمنة.

المقاهي غاب عنها روادها من المتقاعدين 

في جولة سريعة على أشهر الأمكنة حيث اعتاد المتقاعدون الجلوس فيها، بعد التقاعد من الوظيفة، ستجدون أنها خلّت منهم تقريباً، فالجميع مشغول بالبحث عن لقمته ومن حظي بفرصة الراحة بعد التقاعد، فهو إما مسؤول سابق، أو أن أحد أولاده مغترب.

اقرأ أيضاً: عمل النساء في الرقة .. لقمة مغمسة بـ "التحرش"

ففي اللاذقية مثلا هناك العصافيري وشناتا، وبينما بقي مقهى العصافيري شبه فارغ، قررت إدارة مقهى شناتا إغلاقه، وتحويله إلى مطعم، وذلك قبل أقل من عام، نتيجة اختفاء رواده من المتقاعدين الذين كانوا يمضون وقتاً طويلاً فيه، يلعبون الورق أو الطاولة.

وفي دمشق هناك العديد من المقاهي التي اعتاد المتقاعدون ارتيادها مع أصدقائهم، وأشهرها النوفرة والروضة والمتحف وهي تقريباً للعموم، لكن المكان الأفضل بالنسبة للمتقاعدين هو قهوة الكمال بالقرب من مديرية الكهرباء في دمشق، والتي لم ينقطع المتقاعدون عنها بالمعنى الكامل، لكنهم لم يعودوا يزورونها كل يوم كما العادة.

يقول مدير أحد تلك المقاهي، لروزنة، إن البعض بات يقصر زيارته للمقهى ليوم واحد في الأسبوع، وبعضهم لمرة واحدة في الشهر، بينما تغيب بعضهم لأشهر طويلة، وباتت زيارتهم مقتصرةً على عدة مرات محددة في العام، رغم أن وجوههم كانت تتكرر بشكل شبه يومي.

 وبالنسبة لرواد المقهى اليوم، يقول مديره، إنه يقتصر على بعض الشخصيات المتقاعدة من العمل الصحفي، سواء في التلفزيون أو في بعض الصحف الحكومية، كذلك بعض المتقاعدين من المدراء سواء العامين أو الفرعيين، كذلك من يمتلكون أقارب لهم في المغترب.



ويضيف: "أحيانا نتبادل معا هموم الحياة، يخبرونني كيف أنهم لا يستطيعون دفع الفاتورة كما في السابق حين كانت لا تتجاوز الـ1000 ليرة خلال عام 2019 مثلاً، بينما اليوم يضطرون لدفع 4000 ليرة وهذا مبلغ ضخم قياساً براتبهم الذي لا يزيد غالبا عن 90 ألف ليرة".

في مقهى الكمال، يبلغ ثمن فنجان القهوة 2500 ليرة كذلك الشاي، وعبوة المياه اختيارية بسعر 1500 ليرة، وفي الروضة 3000 ليرة للقهوة أو الشاي والمي 1500 إجبارية ويضاف للفاتورة 500 ليرة محارم، كذلك الحال في النوفرة إلا أن ثمن فنجان القهوة يبلغ 2500 ليرة فيها.

 يخبرنا مدير المقهى الذي طالب عدم الكشف عن اسمه، أنه بات يلاحظ ظاهرة جديدة منذ عدة أشهر، وهي أن المتقاعدين الذين يزورونه يتقاسمون ثمن الفاتورة فيما بينهم، بخلاف السابق حين كانت الأصوات تتعالى وقت الدفع وكل واحد فيهم يحاول أن يسبق الجميع ليدفع.

ويعتمد الكثير من المتقاعدين في أمورهم المعيشية، على أقاربهم أو حتى أصدقائهم في الخارج، الذين يرسلون حوالات دورية في حال كانوا أقارب، أو حوالات خلال مواسم الأعياد وفي الحالات المرضية الاضطرارية في حال كانوا أصدقاء، وهي ظاهرة منتشرة بكثافة في المجتمع السوري، يتم الحديث عنها على نطاق واسع لدى الغالبية.

ويحصل الموظف الذي أتم الـ60 من العمر على راتب تقاعدي، إذا أكمل سنوات خدمة تبلغ من 15 سنة فأكثر، كذلك الموظف الذي ينتهي عمله لأسباب صحية، فيما كان قد خدم 10 سنوات في وظيفته.

لا يوجد إحصاءات دورية لعدد المتقاعدين في سوريا، لكن ووفق ما قاله مدير المؤسسة العامة للتامينات الاجتماعية، يحيى أحمد، شهر شباط الفائت، فإن عدد المتقاعدين الذين يحصلون على خدمات المؤسسة، تجاوز الـ680 ألف متقاعد من مختلف المحافظات السورية، حتى بداية العام 2022 الجاري.

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق