سوريا: الشماعة والتنظيف بدائل مهنية لخريجي الجامعات

سوق خضروات في دمشق - فليكر
سوق خضروات في دمشق - فليكر

التقارير | 01 يونيو 2022 | علياء أحمد

اضّطرت رانيا (32 عاماً) وهي خريجة قسم الإرشاد النفسي من جامعة دمشق، للعمل في مهنة فرز الخضروات والفواكه وتوضيبها، أو ما يسمى بعمل "الشماعة"، بمحافظة طرطوس، بسبب عدم وجود فرصة أفضل.


"سبق أن جرّبتُ العمل في أحد رياض الأطفال إلا أنّ الراتب لم يتجاوز الـ 50 ألف ليرة شهرياً، لذلك قرّرت ترك العمل وبخاصة بعد ارتفاع أجور المواصلات المتتالي وندرة وجود المحروقات"، تقول رانيا.

تعمل رانيا بدوام 8 ساعات وبيومية تقدّر بـ 5 آلاف ليرة سورية (أقل من دولار ونصف)، أي ما يعادل 150 ألف ليرة سورية شهرياً (37 دولاراً أميركياً).

ما يميز عمل الشماعة، وفق الخريجة الجامعية، هو أن هناك حافلة خاصة تأخذها وتعيدها دون دفع أي تكاليف إضافية من راتبها كأجور نقل، إضافة إلى وجود راتب إضافي بقيمة ألف ليرة عن كل عمل ساعة إضافة، ما يعني أن يوميتها قد ترتفع إلى 8 آلاف ليرة تقريباً.

ويقوم العمال بالشماعات بأعمال توضيب الفواكه والخضراوات الموسمية، سواء توضيبها للتصدير أو حفظها للعام القادم في البرادات.

عمل موسمي

كما رانيا، يعمل عبد السلام 28 عاماً خريج كلية الهندسة المدنية من جامعة تشرين في اللاذقية، بالراتب ذاته، حيث لم يجد أي فرصة عمل باختصاصه سواءً بالقطاع العام أوالخاص.

"المشكلة بعمل الشماعات أنه ليس عمل مستمر بل عمل موسمي، كما أننا كخريجين جامعيين نعاني من تنمر وسخرية، وغالباً ما نجد المسؤول عن الورشة شخص أمي ينظر إلينا بتعالٍ، ويوجّه لنا المزيد من الأوامر، ثم يقول لنا إن شهادتنا للكب"، يقول عبد السلام.

برأي عبد السلام أنّ العمل بالقطاع العام حلم بعيد المنال، وبما يخص القطاع الخاص تعتبر محافظة طرطوس فقيرة بالفرص عموماً بخلاف الفرص في دمشق، والتي لم يستطع الانتقال إليها بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة، وعدم ملاءمة الراتب الذي قد يحصل عليه هناك مع تكاليف المعيشة.

اقرأ أيضاً: الدروس الخصوصية..  الساعة بأقل من سعر نصف دجاجة!



شركات التنظيف

في محافظة حماة وسط البلاد، قررت نايا 25 عاماً خريجة قسم التاريخ من جامعة البعث في حمص، تجربة العمل مع إحدى شركات التنظيف، بعد أن فشلت بالحصول على أي عمل آخر وتجربة العديد من الأعمال بما فيها الدروس الخصوصية للأطفال بالمرحلة الابتدائية.

تقول نايا: "في أحسن الأحوال قد يصل راتبي إلى نحو 300 ألف ليرة شهرياً (أقل من 100 دولار)"،  ويقوم العمل على تنظيف المنازل أو الشركات والمؤسسات، ولا يرتبط بدوام محدّد بل حين يتم الانتهاء من المهمة، ساعات العمل قد تصل إلى 9 ساعات وأكثر أحياناً، وبخاصة في مواسم التعزيل بين الفصول.

مندوب/ة مبيعات

يُجمع كل من التقت بهم "روزنة" وهم عينة مؤلفة من نحو 15 شاباً وشابة من عدة محافظات سورية، أن أسوأ مهنة عملوا بها هي مهنة "مندوب المبيعات"، والتي تعرضوا خلالها لاستغلال كبير سواء نفسي أو مادي.

عملت ديمة ( 24 عاماً ) لمدة شهرين كمندوبة مبيعات بعد أن شاهدت إعلاناً عبر فيسبوك، ولم تحصل على أي مبالغ مالية من صاحب العمل بحجة أنها لم تكن نشيطة ولم تقم ببيع قطع كثيرة من المواد التجميلية التي تبيعها الشركة، رغم أنها دفعت أكثر من 60 ألف ليرة أجور مواصلات خلال تلك الفترة.

تحتاج ديمة لتقديم مادة واحدة من أجل التخرّج والحصول على شهادة من قسم الفلسفة في جامعة تشرين باللاذقية: "لا أمل لي بالحصول على أي عمل لاحقاً بعد التخرج، وبالكاد ربما أستطيع العمل كمعلمة دروس خصوصية للأطفال الصغار في مرحلة التأسيس".

 ولم تعد تكترث إن تخرجت أو لا: "ما في أمل على شو التخرج!؟".

قد يهمك: "لا أجرؤ على التصريح بمهنتي": معاناة الصحفيين المستقلين في سوريا



استغلال كبير

يدرك غالبية أصحاب قطاع الأعمال، حاجة الشباب والشابات الماسة للعمل، ورغم ارتفاع الأسعار الكبير وحصولهم على ربح مضاعف، إلا أن الرواتب التي يمنحونها لا تكفي حتى 30 في المئة من احتياجات العامل أو العاملة، وأسوأ ما قد يتعرض له الخريج الجامعي خلال العمل هو التنمر عليه والسخرية من شهادته.

عبد الإله (32 عاماً ) خريج كلية السياحة من جامعة البعث في حمص، يعمل حالياً في أحد المعامل الغذائية بعدرا العمالية، براتب لا يتجاوز 250 ألف ليرة (حوالي 60 دولاراً)، رغم العمل الشاق الذي يمارسه والذي يصل الدوام فيه إلى 8 ساعات يومياً.

بينما إسماعيل ( 34 عاماً) خريج قسم الكيمياء من جامعة تشرين في اللاذقية، لم يمتلك ترف اختيار العمل بأحد المعامل أو العمل في المدينة، واختار العمل في ورشات البناء والزراعة في أحد الأرياف، بسبب عدم قدرته على التنقل بسهولة لكونه مطلوباً للاحتياط "الخدمة العسكرية"، إضافة لكون أي راتب من الرواتب المتعارف عليها في محافظته لن يكفيه حتى أجور مواصلات.

يعتمد دخل إسماعيل على توفّر العمل، وفي حال استلم أحد ورش البناء، ربما يحصل على حوالي 500 ألف ليرة أو أكثر بقليل، وفي المواسم الزراعية لا يرفض القيام بأي عمل يتوافر له.

ويختم حديثه قائلاً: "لا أمتلك أي فرصة ولا أستطيع العمل بالدروس الخصوصية فأبناء القرية حيث أعيش معظمهم من الفقراء الذين لا يملكون ثمن تلك الدروس، لذا فإن العمل بالبناء هو كل ما أملك، لأستطيع تناول الطعام، أما أحلام افتتاح منزل وتأسيس عائلة فقد تركناها لأولاد المسؤولين وأثرياء الحرب".

وتبلغ نسبة السوريين الذين يعيشون تحت خط الفقر بأكثر من 90 في المئة من إجمالي السكان، بحسب تقدير وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، مارتن غريفيث،  خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في تشرين الأول عام 2021.

ويبلغ سعر صرف الدولار في السوق السوداء نحو 4 آلاف ليرة سورية، ما رفع الأسعار في الأسواق إلى أضعاف مضاعفة، ولا سيما خلال العامين الأخيرين مع تفشي جائحة كورونا، ومؤخراً الحرب الروسية في أوكرانيا، في الوقت الذي وصل وسطي تكاليف المعيشة لأسرة سورية  مكونة من 5 أفراد  إلى أكثر من مليوني ليرة سورية شهرياً، وفق دراسة نشرها موقع جريدة "قاسيون".

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق