الدروس الخصوصية..  الساعة بأقل من سعر نصف دجاجة!

طالبات ثانوية في سوريا - الترا صوت
طالبات ثانوية في سوريا - الترا صوت

اقتصادي | 12 مايو 2022 | علياء أحمد

ملايين الليرات السورية دفعتها ملك (47 عاماً) مقابل توفير الدروس الخصوصية لابنتها ليا المقبلة على خوض امتحانات الشهادة الثانوية في سوريا أواخر شهر أيار الحالي.


ومؤخراً اضطرت ملك، مهندسة عاملة في القطاع الحكومي بدمشق، لبيع "خاتم زواجها" وهو آخر قطعة ذهب كانت تمتلكها من أجل تأمين استمرارية الدروس الخصوصية لابنتها.

"منذ مطلع الصيف الفائت وحتى اليوم دفعتُ أكثر من 3 ملايين ليرة سورية، من أجل ضمان حصول ليا على علامات تؤهلها لدخول أحد الفروع العلمية ذات المستقبل المضمون"، تقول ملك.

أسبوعياً تحتاج ليا إلى 169 ألف ليرة سورية مقابل (حصة رياضيات، وحصة فيزياء، وحصة كيمياء، وحصة لغة إنكليزية) في ظل ارتفاع متسارع لسعر الحصة الدراسية الواحدة.

توضح ملك: "مع مع بداية العام الدراسي، كان أجرة ساعة الفيزياء والكيمياء 10 آلاف ليرة، والإنجليزي 9 آلاف ليرة، والرياضيات 12 ألف ليرة، وبعد شهرين تماماً ازدادت بنسبة 30 في المئة بحجة تكاليف النقل، واليوم وصلت إلى 30 ألف ليرة لكل المواد العلمية باستثناء الرياضيات 42 ألف ليرة، و25 ألف ليرة للإنكليزي".

وتشهد بورصة الدروس الخصوصية في العاصمة دمشق، ارتفاعاً هائلاً يكاد يتغلب على ارتفاع سعر صرف الدولار أمام الليرة السورية، وهو أمر يعزوه معلمون التقتهم روزنة، إلى ارتفاع الأسعار الجنوني مؤخراً، خصوصاً في تكاليف النقل، ما أدى لارتفاع تكلفة الدروس الخصوصية.

اقرأ أيضاً: سوريون يتأففون من مناهج التربية لدى النظام.. ومطالبات بتغييرها



الدروس كدخل إضافي

رواتب الموظفين ولا سيما المعلمين لا تكاد تكفيهم أياماً معدودة من الشهر، ما يضطرهم للجوء إلى الدروس الخصوصية مقابل تأمين لقمة العيش، في الوقت الذي وصل وسطي تكاليف المعيشة لأسرة سورية مكونة من 5 أفراد إلى أكثر من مليوني ليرة سورية شهرياً، وفق دراسة نشرها موقع جريدة "قاسيون".

يقول معلم رياضيات في دمشق، فضّل عدم ذكر اسمه، إن راتبه الحكومي البالغ نحو 160 ألف ليرة، لا يكفي حتى 10 في المئة من احتياجات أسرته، لذا فإن اللجوء إلى الدروس الخصوصية ليس خياراً، بل أمر مفروض عليه لا سيما أنه لا يعلم ممارسة أي عمل آخر في الحياة سوى التدريس.

ويضيف: "من المستحيل على الطالب، استيعاب الدرس في المدارس الحكومية، نظراً لاكتظاظ الشعب الصفية، والتي تتجاوز الـ60 طالباً وطالبة، وفي أحسن الأحوال يوجد بها 30 طالباً، لذا فإن الدروس الخصوصية لم تعد خياراً لدى الأهل أيضاً".

رغم سوء الوضع المادي ..الدروس ضرورة

تشارك هدى 52 عاماً موظفة حكومية من اللاذقية، المعلم في رأيه وتقول إن ابنها الذي يدرس بكالوريا علمي، لا يستطيع استيعاب المنهاج الضخم لذا فإنه يلجأ للدروس الخصوصية منذ بداية العام، لبعض المواد الأساسية مثل الرياضيات والفيزياء والكيمياء بمعدل حصتين لكل مادة أسبوعياً، بسبب الوضع المادي السيء.

مليون و800 ألف ليرة، هو مجموع ما دفعته هدى منذ بداية العام الدراسي مقابل الدروس الخصوصية لابنها.

"في الحي الشعبي الذي أقيم فيه كانت حصة الرياضيات بقيمة 5 آلاف ليرة، أما اليوم أصبحت بـ 13 ألف، وحصة الفيزياء والكيمياء كانت بـ 4 آلاف، لتصبح اليوم بـ 8 آلاف ليرة"، تقول هدى.

في مدينة اللاذقية بلغ الحد الأعلى لأجور ساعة الدروس الخصوصية، وفق استطلاع أجرته روزنة داخل الأحياء الغنية، 18 ألف ليرة لمادة الرياضيات، و15 ألف ليرة لمادة اللغة العربية، و15 ألف ليرة لكل من العلوم والفيزياء والكيمياء، و20 ألف ليرة للغات (إنكليزي وفرنسي وروسي).

بينما الحد الأدنى داخل الأحياء الشعبية بلغ 8 آلاف للرياضيات، و7 آلاف للغة العربية، ومثلها للعلوم والفيزياء والكيمياء، واللغات.

أما في الريف، فلا يبدو الوضع بأفضل حالاً ففي إحدى الأرياف التي تبعد نحو 25 كيلو متراً عن مدينة اللاذقية، بلغت أجور ساعة الرياضيات 14 ألف ليرة، والعلوم 9 آلاف ليرة، والكيمياء والفيزياء 13 ألف ليرة.

قد يهمك: فشل التعليم عن بعد في سوريا يعيد الطلاب إلى فخ كورونا



حيل للتغلب على غلاء الدروس

يتحايل بعض الأهالي للتخفيف من تكاليف الدروس الخصوصية، حيث يتفق طالبان أو أكثر على حضور الحصة وتقاسم تكلفتها، يقول مجد 49 عاماً.

"اتفقتُ مع معلم على أن يتشارك ابني مع طالب آخر في الحصة الدراسية، وبذلك أدفع 9 آلاف ليرة بدلاً عن 18 ألف، وكذلك أفعل في باقي المواد" يضيف مجد الذي لجأ إلى تلك الحيلة باقتراح من المعلم نفسه لتخفيف التكاليف.

تقول معلمة لغة عربية، إنها من المستحيل أن تتقاضى أجراً أقل من 8 آلاف ليرة في الساعة الواحدة، وهو مبلغ تراه مجحفاً، فليس من المعقول بحسب وجهة نظرها، أن تحرم عائلتها وجودها في هذه الساعة، لتتقاضى مبلغاً أقل من ذلك، علماً أن هذا المبلغ على حد تعبيرها لا يشتري لها نصف دجاجة.

في طرطوس للغني وللفقير أسعار خاصة

تبدو أجور الدروس الخصوصية في طرطوس متشابهة نوعاً ما في أجورها مع محافظة اللاذقية القريبة، وبحسب رصد أجرته روزنة، فإن العديد من المعلمين فتحوا منازلهم لما يشبه المعاهد الخاصة، هرباً من أعين الرقابة.

وتحوي الحصة الواحدة غالباً على أكثر من 4 طلاب، يدفع كل واحد منهم 7 آلاف ليرة، كما لدى أحد معلمي مادة الفيزياء، يضيف مفضلاً عدم الكشف عن اسمه، أن الحصة هنا لا تعني ساعة واحدة كما درجت العادة، بل تبلغ مدتها ساعة ونصف، يتقاسم كلفتها الطلاب فيما بينهم.

تتفاوت أجور الدروس الخصوصية بشكل كبير في طرطوس، والتي يحدد تسعيرتها اسم وسمعة المعلم، كذلك مكان سكن الطالب هل في حي شعبي أم مرموق، وحتى ماذا تعمل عائلته، وهل هو ثري أم لا، وغالباً فإنها تتراوح بين 3 آلاف و25 ألف ليرة للحصة الواحدة.

تقول معلمة فضلت عدم الكشف عن اسمها، إنها لا تجد أي حرج في طلب مبلغ كبير من أحد الطلاب قد يصل إلى 20 ألف ليرة لحصة الرياضيات الواحدة، في حال علمت أنه ثري، بينما تخفضها إلى 7 آلاف ليرة في حال علمت أن الطالب لا ينحدر من عائلة ثرية، وترى أنها توازن الأمور "بطريقة إنسانية".

وتوضح أن عدد الحصص الأسبوعية، أمر يعود إلى مدى استيعاب الطالب أو الطالبة وتجاوبهما مع الشرح المقدّم لهما، فالبعض يكتفي بحصة واحدة والبعض الآخر قد يضطر لثلاث أو أربع حصص أسبوعياً.

تحفيظ المواد: 300 ألف

تتميز محافظة طرطوس عن اللاذقية ودمشق، بانتشار ما يعرف بتحفيظ المواد، وهو أمر يدرج كثيراً في الفرع الأدبي، حيث تقوم المعلمة أو المعلم، بالإشراف على تحفيظ الطالب كل دروسه يوماً بيوم وحتى قبل الامتحان، مقابل مبلغ مالي شهري يتراوح بين 100 إلى 300 ألف ليرة، بحسب اسم المعلم أو المعلمة كذلك قدرة الطالب أو الطالبة على الدفع.

تقول معلمة إنها اختارت أن تتقاضى 175 ألف ليرة عن كل طالب، تستلمه منذ بداية العام وتقوم بتحفيظه المواد كلمة كلمة بشكل يومي "نعوض الرواتب القليلة بالدروس الخصوصية".

فئة كبيرة من الطلاب لم تستطع هذا العام، مواكبة الدروس الخصوصية بسبب تدني الوضع المادي لغالبية السوريين، الذين بالكاد يستطيعون تأمين لقمة عيشهم، وللأسف فإن ضخامة المنهاج وسوء الأوضاع في الشعب الصفية المكتظة، قد يحرمهم أحلامهم لمجرد أنهم لا يمتلكون المالي الكافي للاستعانة بمعلم أو معلمة وشرح ما لم يستطيعوا فهمه خلال العام الدراسي.

وقدّر وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، مارتن غريفيث، أعداد السوريين الذين يعيشون تحت خط الفقر بأكثر من 90 في المئة من إجمالي السكان، خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في تشرين الأول عام 2021.

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق