هاجس الأمومة المستمر.. واجب أم غريزة؟

الأمومة - روزنة
الأمومة - روزنة

نساء | 30 مارس 2022 | إيمان حمراوي

استيقظتُ منتصف الليل بعد الولادة، شعور غريب راودني عندما وقع نظري على ابنتي الصغيرة النائمة في السرير، يدان صغيرتان جداً وجسم نحيل نائم، تأمّلتها وفي عقلي مئات الأسئلة عن كيفية التعامل معها وحملها.


بهذه الكلمات تصف أسماء، 32 عاماً، اللحظات الأولى ما بعد الولادة.

كنت مشتّتة ومرهقة ما بين جسدي المنهك بعد الولادة وآلامي، وبين وجود طفلة صغيرة خُلقت للتو، لم تتملّكني مشاعر الفرح بقدر ما طغت الغرابة والجدة على حياتي وبعد أسابيع بدأت بالاعتياد عليها وعلى طريقة التعامل معها، شعرت أنّ خروجها من رحمي هو حياة جديدة لكلتينا، فاليوم هي مؤنستي وصديقتي.

كثيراً ما راودتني مخاوف الحرمان من إنجاب الأطفال بسبب التغريبة السورية وما يرافقها من معاناة، بعد زواجي مباشرة عندما كنت في مطلع العشرينيات.



مع مرور السنوات في بلد الاغتراب زاد هاجسي أن أكون أماً، وبشكل خاص في العام الرابع من زواجي حيث أصبح هاجس الأمومة لا يفارقني في كل لحظاتي، وزادت مخاوفي عندما علمت من صديقتي المقرّبة أنها لا تستطيع الإنجاب، وهي التي تزوّجت قبل 5 سنوات، وطرقت أبواب الأطباء رغبة منها في العلاج.

دائماً ما ترسم المجتمعات صورة مثالية للفتاة التي تتزوّج حديثاً وتنجب مباشرة طفلها الأول، وربما قبل إتمام عامها الأول من الزواج، وكأنّ على جميع المتزوّجات حديثاً إنجاب الأطفال ليتم قبولهنّ في المجتمع.

 خلال 4 سنوات كل من حولي كان يتعجّب من فكرة تأجيل الإنجاب، وكنت أُحاط بالسؤال المشهور: "لسا ما حبلتِ؟"، من أعماقي تمنّيت لو أن الظروف ساعدتني خلال تلك الفترة ليكون الجواب "نعم".

غريزة الأمومة موجودة في الجينات (الوحدات الأساسية للوراثة في الكائنات الحية) وفي فيسيولوجية أجسامنا، وهي السبب الذي يجعلنا نحافظ على نسلنا كبشر، وأيضاً ينطبق ذلك على الحيوانات، بهذه الكلمات أكّد لنا الدكتور مهند ملك، باحث مساعد في جامعة كامبريدج في مجال علم الإشارة والدسم الخلوية في بريطانيا، وجود علاقة أساسية بين الأمومة والمرأة.

بعد الولادة تُفرز هرمونات معيّنة في المخ تدفع الأم لتغيير سلوكها، تجعلها تتعلق أكثر بأولادها، وهذا ما يجعل الحيوانات تحافظ على استمراريتها من خلال حماية أولادها بعد الولادة، وإلا تترك الوليد فيموت.

وفق التجارب في حال ضرب أو إيذاء المنطقة المسؤولة عن إفراز تلك الهرمونات المتعلقة بغريزة الأمومة عند الفأرة الحامل، يتغيّر سلوكها وتصبح غير مسؤولة عنهم، وبالتالي لا تهتم لهم، وفي تجارب أخرى تم إجراء مسح للمخ على مجموعة من الفئران قبل وبعد الولادة، وتبيّن أنّ هناك اختلافات معينة في بروتينات المخ بذات المنطقة التي تُفرز فيها هرمونات الأمومة.

تمسّكتُ بقراري في تحقيق شعور الأمومة رغم إدراكي لما تحمله من تحدّيات ضاعفتها الغربة في ظل غياب عائلتي، ورفض زوجي الذي اقتنع لاحقاً، ورغبة مني ببدء مستقبل جديد مع مولود أتعلّم معه حب الحياة، لكن رغبتي لا تعني أنّ الأمومة هي خيار كل النساء، تقول أسماء.

مررتُ بتغيّرات جسدية وتجارب عاطفية واختبرت الغربة مع مولودتي الأولى، تعلمت معها كيف أبتسم.

اقرأ أيضاً: أنا الأم "المكرّمة".. لا مكان لي في سوق العمل


 
لم أرغب في إرضاع طفلي

ضياء، 30 عاماً، عانت بعد ولادتها بابنها وابنتها (4 - 6 سنوات حالياً) من الاكتئاب أثناء فترة الحمل وما بعد الولادة.

في أوّل يوم بعد الولادة لم تستطيع حمل طفلها وفي تعبير أدق لم ترغب بذلك، كونها متعبة أولاً، وثانياً لعدم تصديقها أنّ الذي أمامها هو حقاً مولودها.

يوم أنجبتُ ابني ورد لم أرغب في إرضاعه مباشرة، أتذكر حينها إجبار والدتي على ذلك في اليوم الثاني من الولادة، وبعد أسبوع بدأت بالاعتياد عليه، ولاحقاً كم أنّبت نفسي  بسبب معاملتي إياه بتلك الطريقة الجافة.



تُصنّف الأمومة كغريزة أساسية في الحياة إلى جانب الطعام والشراب والجنس، تعيش في سبيلها الأنثى وتحلم أن يكون لها كيان حي كجزء منها، لكن على عكس السائد يظهر فكر آخر يرى أن الأمومة ماهي إلا حاجة اجتماعية تم تأويلها على نحو تشبه فيه الغريزة وأنها ليست كذلك، وبين الفكرَيْن للعلم رأيه، فهل الأمومة غريزة أم حاجة اجتماعية مُكتسبة؟

بداية نتعرّف على مفهوم الغريزة بحسب ما تقدمه العلوم بأنّها الطريقة، التي يتفاعل بها الناس أو الحيوانات أو يتصرفون بشكل طبيعي دون الحاجة إلى التفكير أو التعلّم عنها، مثل الطيور التي تخبرها غريزتها متى عليها الهجرة، وفق موقع "قاموس كامبريدج".

ما هي غريزة الأمومة؟

كثيرات يحلمن بالأمومة منذ نعومة أظافرهنّ، سوزان إحداهنّ، من مواليد القنيطرة عام 1986، وهي الأخت الكبرى لتوأمين يصغرانها بـ 8 سنوات.

منذ طفولتي وأنا أحلم أن أكون أماً، تمنيّت لو كنت أماً لشقيقتي التوأمين بدل والدتي، وفي كثير من الأحيان شعرت بالغيرة منها ومن مهمتها "الأمومة" تقول سوزان.

غريزة الأمومة تعني أنّ هناك معرفة فطرية ومجموعة من سلوكيات تقديم الرعاية التي تشكّل جزءاً تلقائياً من أن تصبح الأنثى أماً، تشرح عالمة النفس وأستاذة علم النفس الطبي في أقسام الطب النفسي والتوليد وأمراض النساء في كولومبيا، كاثرين مونك، وتوضح أنّ كلمة غريزة تشير إلى شيء فطري أو طبيعي يتضمّن استجابة سلوكية ثابتة في سياق محفّزات معينة، بحسب موقع "Health line".

في عمر السنتين بدأ معاناة سوزان مع العمليات الجراحية، وُلدت مع خلع ولادة وشلل أطفال في الطرف الأيسر ما اضطر عائلتها لعلاجها عبر 14 عملية حتى الآن (36 عاماً).

بعد القيام بالعديد من العمليات، وتحديداً في سن المراهقة، رافقها الذعر من فكرة عدم الإنجاب، بسبب أحاديث سمعتها من أقاربها تخوّفوا خلالها من تأثير العمليات الجراحية على الإنجاب لاحقاً.



هم سوزان الأول بعد زواجها بعمر الـ 25 عاماً، هو أن تحمل طفلاً بين أحشائها، لكن الأقدار لم تشأ لها الحمل إلا بعد عام كامل عاشت خلاله على أعصابها بسبب مشكلة صحية تمكّنت من علاجها فيما بعد، وهي "الرحم المقلوب".

عندما ظهرت النتيجة على جهاز اختبار الحمل بـ"الإيجاب" آنذاك، لم تسعني الدنيا من الفرحة، وددت إخبار كل من أعرفه بالخبر السار، وهنا بدأت رحلة الحمل والاشتياق لحضن المولود الأول.

علماء في جامعة ولاية لويزيانا الأميركية،  نشروا دراسة شهر تموز عام 2019، قالوا فيها إنهم ربما اكتشفوا دليلاً مادياً على أنّ الإناث يملكن بالفعل "غريزة الأمومة"، حيث وجدت الدراسة أنّ مجموعة من خلايا الدماغ لدى الفئران الإناث أصبحت نشطة عندما تعرّضت لهرمون الحب "الأوكسيتوسين".

الأمر نفسه لم يحدث لدى الفئران الذكور، حيث يعتقد أنّ الخلايا هذه توجد في منطقة الدماغ التي يعتقد أنّها تنظم سلوك الأمومة. ويطلق هرمون الأوكسيتوسين أثناء الولادة والرضاعة الطبيعية لدى الأم، وثبت أنه يلعب دوراً في الترابط بين الأم والطفل.

هل الأمومة مكتسبة؟

إيفان، 23 عاماً، حاول الانتحار قبل سنوات بسبب رفض عائلته لمعتقداته وتخليهم عنه، لكن وجود منى السيدة الأربعينية قربه في تلك اللحظات أنقذ حياته "كانت لي بمثابة الأم الحنونة".

بعد حصولي على شهادة البكالوريا، وصلتُ وحيداً إلى تركيا عام 2016، عانيت أوّل فترة من الاكتئاب والانهيار النفسي، كنت وحيداً بدون عائلة أو أصدقاء أو مهنة أو تعليم.

 بعد فترة تعلّمت مهنة الخياطة وعملت في مشغل، لكنّ ذلك لم يساعدني لاجتياز تلك الفجوة التي خلّفها غياب العائلة، إلا أنّ منى كانت الدواء الشافي لي، تطوّرت العلاقة بيننا  لتصبح مثل "علاقة الأم بابنها"، فمنى سيدة لا عائلة لديها أيضاً.



عالمة الأنثروبولوجيا الأميركية، سارة هردي، خلال 30 عاماً درست السلوك الأنثوي للبشر وغيرهم من الثدييات، وألّفت كتاب "الطبيعة الأم: غريزة الأمومة وكيف تشكل الأنواع البشرية"، قالت فيه إنه لا يوجد ما يسمى "غريزة الأمومة"، إذ تعتمد على عدد من المتغيرات البيئية والاجتماعية، أي أنّ الأمومة سلوك تتعلّمه الأنثى بمرور الزمن وليست غريزة فطرية تتميّز بها النساء كما كان يعتقد من قبل، وفق صحيفة "الغارديان".

عاملتني وكأني ابنها، كانت لطيفة جداً معي، اعتنت بي في مرضي، وجهتني نصحتني، ومع مرور الوقت تمنّيت لو أنها كانت أمي، كانت علاقة أمومة بشكل كامل

انتشلتني وأنقذتني قبيل محاولتي الانتحار عام 2016 بعدما شعرتُ أنّ الأبواب أُغلقت في وجهي ولا أحد أستطيع اللجوء إليه "هي يلي عم تعطيني قيمة الحياة، إذا فقدتها رح أفقد حياتي، بتمنى لو كانت هي أمي الحقيقية، ما بناديها غير أمي".

كاثرين، أستاذة علم الطب النفسي في كولومبيا، تعتقد أنّ فكرة غريزة الأمومة خرافة إلى حد كبير، فالشخص بغض النظر عن جنسه أو ميوله الجنسية يمكن أن يكتسب في وقت مبكر شعوراً قوياً بطفله ويحافظ عليه طوال فترة نموه، لكن هذه القدرة لا تزال مختلفة عن غريزة الأمومة.

ومعرفة ما يحتاجه الطفل تأتي من التقارب الشديد والحب العميق، وقضاء ساعات مع الطفل والتفكير فيه، أي تنشأ الحاسة السادسة لدى الأم اتجاه طفلها بسبب العلاقة الشديدة به، وليس بسبب الفهم الغريزي للأمومة، ولا يقتصر الأمر على الأمهات.

قد يهمك: نهفات الأم السورية وعبارات حفرت بذاكرتنا



الإنسانية مقابل الأمومة

على الطرف المقابل الكثيرات ممن تخلّين عن فكرة الإنجاب لأسباب مختلفة، منها إنسانية.

في العاصمة السورية دمشق، تعيش إيناس، 33 عاماً، مع عائلتها المكونة من أب وأم تجاوزت أعمارهما الستين عاماً، مؤخراً احتفلت بفرح زواج شقيقتها الصغرى، وبقيت هي مع خيارات ليست مألوفة في مجتمعنا تسمى اصطلاحاً بـ"اللاإنجابية".

إنجاب أطفال في ظروف سوريا الحالية هو أشبه بالحكم على إنسان بالعذاب، وليس لدي القدرة على تحمّل عذاب شخص فما بالك لو كان طفلاً.

قبل عشرة أعوام اتخذتُ قراراً بأن أكون "لا إنجابية"، ودفعت في سبيله تعباً هائلاً نتيجة ضغط عائلتي والمجتمع حولي بهدف إقناعي بالزواج والإنجاب، فتصريحي لعدد من الشباب برغبتي في عدم الإنجاب، كان سبباً كافياً لرفض الزواج بي.

ليس غريباً على المجتمع السوري رفض إنجاب الأطفال على الأقل في السنوات الأخيرة. 

 تصاميم: دليار علي

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق