الانتقام المدمر.. الأسد يهدم أحياء المعارضة ليبني "سوريا الجديدة"

القابون - 2010
القابون - 2010

سياسي | 26 مارس 2022 | ميس قات

يكشف هذا التحقيق عن عمليات هدم على نطاق واسع، يرتكبها النظام السوري مستهدفاً مناطق كانت خاضعة لسيطرة المعارضة أثناء الحرب السورية، وذلك تحت ستار إزالة الألغام وإعادة الإعمار وبناء "سوريا الجديدة"، مصادراً حقوق اللاجئين السوريين بأملاكهم أو بأية تعويضات عنها. 


أجرى فريق صحفيين من روزنة، ولايت هاوس ريبورتس، وصحيفة الغارديان، ووحدة التحقيقات الاستقصائية سراج، بحثاً لتحليل الهدم شبه الكامل لمنطقة القابون.

والقابون هو واحد من الأحياء التي تم هدمها، بعد خروجها عن سيطرة المعارضة السورية، ونزوح سكانها عنها.

تواصلت روزنة مع عشرات الأشخاص من حي القابون، بالتحديد منطقة "الجامع الكبير" لمسح الوضع الحقيقي للسكان السابقين وأماكن تواجدهم في مختلف بقاع الأرض، ومعرفة مدى حصولهم على أية تعويضات أو تبيلغات من قبل الجهات الحكومية السورية حول أملاكهم المهدومة في حي القابون. 

قبة الجامع الكبير "أبو بكر الصديق"  المتضررة، وكانت نقطة تجمع خلال الثورة السورية، وهي واحدة من المباني القليلة التي لا تزال قائمة حتى الآن في القابون. تصوير: عدي عودة


"حملت أحجار بيتي بيديّ هاتين.. أنا وزوجي بنينا بيتنا في القابون بأنفسنا.. لن يكون بإمكاننا العودة  إلى الأبد"، تقول مازنة السعدي.

تبدو السيدة القابونية قوية وحزينة في ذات الوقت. تتحدث  بعيونها الغارقة في الدموع طوال الوقت: "إنه نوع من الانتقام من سكان القابون والتأكد من عدم وجود شيء يمكن العودة إليه".

تعيش مازنة في الدنمارك مع عائلتها بعد رحلة هروب طويلة من سوريا، مهددةً بإنهاء إقامتها في الدنمارك نهاية العام الحالي، حيث بدأت الحكومة بإلغاء تصاريح إقامة اللاجئين السوريين، بحجة أن مدينة دمشق آمنة لعودة الناس.
مازنة السعدي - الدنمارك
 
تعرض أحد أبناء مازنة للتعذيب في سجون النظام السوري بسبب مشاركته في المظاهرات بداية الثورة السورية في القابون.

تصاعد العنف في المنطقة، وقررت عائلة مازنة الخروج من البلاد، وسقطت القابون في يد النظام أيار 2017 بعد سنوات من المد والجزر.

كان منزل مازنة قائماً حتى لحظة خروج المدنيين من الحي، حيث قام أحد أقرباء مازنة بتصوير المنزل وإرسال صورة لها في حينه. (الصورة ). 

استطاع فريق التحقيق رصد صور  مأخوذة بالأقمار الصناعية للمنزل مهدماً في أيلول عام 2017، ما يثبت أن المنزل تم هدمه بعد خروج قوات المعارضة وسكان الحي من المدنيين بالكامل، وهذا الأمر لم يستهدف منزل مازنة فحسب.  إذ تُظهر صور الأقمار الصناعية التي رصدناها أن حوالي نصف المباني التي كانت موجودة في القابون قبل الحرب دُمّرت بالكامل،

وتُظهر الصور كذلك، أنّ العديد من المباني الأخرى تضررت بشدة، فضلاً عن ذلك ظلّت المباني الباقية خاليةً من السكان نظراً لأن المنطقة مغلقة لأسباب أمنية.
 
يقع حي القابون على أطراف مدينة دمشق، المنطقة كانت خليطاً من أهالي المنطقة الأصليين، وسكّأن من مناطق سورية أخرى.

وقارب عدد سكان القابون التسعين ألف نسمة قبل الحرب، ولكن السكان اضطروا للمغادرة على دفعات وبالتدريج جراء تصاعد العنف، وقمع النظام السوري للمظاهرات.

وفي عام 2017 تم ترحيل القلة القليلة الباقية من المدنيين عندما سيطر جيش النظام السوري مرة أخرى على القابون، ومنذ ذلك الحين لم يسمح النظام لأي شخص بالعودة إلى المنطقة. 

                                                                                                                                                                 
تمت عمليات الهدم في القابون ومناطق اخرى مشابهة، بحجة إزالة الأنفاق والأسلحة غير المنفجرة التي خلفتها المعارضة، ويُظهر تحليل صور الأقمار الصناعية وصور مفتوحة المصدر دماراً واسع النطاق تم بطريقة لم تفرق بين الأبنية المتضررة أو السليمة. 

فيديو يصور عمليات الهدم في القابون 

تقول الباحثة السورية في هيومان رايتس ووتش سارة كيالي: "نعتبر أن هدم ممتلكات الناس جريمة حرب، لأن البلاد لا تزال في حالة نزاع، ولا يوجد غرض عسكري مشروع واضح يبرر الهدف، لا سيما أن الحكومة استعادت السيطرة على هذه المناطق". 

خريطة توضح أماكن تواجد منازل مازنة وخالد ولينا في القابون، بالتحديد حي الجامع الكبير (أبو بكر الصديق)

قضى  خالد سنوات طفولته وشبابه في القابون.. التقينا به في مكتب أحد الأصدقاء في مدينة أوتريخت بهولندا، وصل الشاب من دمشق وحصل على حق اللجوء في هولندا منذ ستة أشهر.

أمام الطاولة البيضاء، جلس خالد محدقاً  بشاشة الكومبيوتر يحاول إيجاد منزله القديم في منطقة القابون عبر برنامج خرائط غوغل، "بنايتنا سقفها أحمر، ومفترض أن أجدها بسهولة". (الصورة)

قضى أياماً جميلة على السطح الأحمر كما يقول، "جميع الأبنية المحيطة كانت مكونة من طابقين أو ثلاثة، إلا بناؤنا كان مكوناً من أربعة طوابق.. الإطلالة كانت جميلة، كنت أسهر مع أصدقائي وأدخن الأركيلة في الليالي الصيفية القابونية"، يقول خالد. 
 
زار خالد منزله للمرة الأخيرة في عام 2014، كان المنزل سليماً "فقط بيت الدرج تعرض لبعض الأضرار في البناء، كان صالحاً للسكن مرة جديدة بعد إجراء إصلاحات داخلية عليه".

وبحسب صور الأقمار الصناعية التي حصلنا عليها خلال بحثنا، منزل خالد لم يتعرض للأذى حتى بعد استعادة جيش النظام السوري للمنطقة، ومع ذلك تم هدم البناء بالكامل لاحقاً خلال الأسابيع الستة الأخيرة من عام 2018. 

وفقاً للقانون الذي يسمح بإعادة إعمار المنطقة، لا تلتزم الحكومة بتوفير مساكن بديلة للسكان، ولكن من المفترض أن يحصل أصحاب المنازل والعقارات على حصص في المشاريع الجديدة. 

خالد وعشرات من الأشخاص، الذين التقينا بهم لم يحصلوا على أية تعويضات لقاء هدم منازلهم، ولا أية وعود رسمية بتوفير مساكن أو حصص في المشاريع الجديدة. 

يقول العديد من سكان القابون السابقين أن رجال أعمال مرتبطين بالنظام السوري يستغلون الفوضى الحاصلة لشراء الأراضي من المالكين الأصليين بأسعار رخيصة عبر وسطاء وسماسرة. 
 
وقالت كيالي، إن هدم المنازل له تأثير كبير على إمكانية عودة الناس إلى مناطقهم.

وتابعت "إذا هدمت منازل المواطنين دون تعويض أو مساعدة في إعادة البناء،  فمن غير المرجح أن يعودوا، حتى لو لم يكن لديك أي مشكلات مع النظام السوري، فلا يمكنك العودة إذا لم يكن لديك منزل تعود إليه".
 
"المانحون الدوليون ينسون ذلك أحياناً، في وقت تضغط دول مثل لبنان والأردن والدنمارك من أجل عودة اللاجئين السوريين.. لكن إذا كنت تريد عودة السوريين، فعليك ضمان حقوقهم"  تقول كيالي.

وتضيف: "نتحدث عن الحق في عدم التعرض للتعذيب أو الاعتقال، والحق في السكن ضروري أيضاً".

الحكم على حجم الأضرار الهيكلية من صور المباني في ريف دمشق مستحيل، هناك أيضاً إمكانية لوجود قنابل أو ألغام غير متفجرة مخفية عن الأنظار داخل الأبنية.
 

ولم يتعامل النظام السوري مع الممتلكات بشكل فردي إنما قام بهدم المباني بشكل جماعي، ولم تطلب الحكومة السورية من الأمم المتحدة أو من أية منظمة دولية مختصصة المساعدة في إزالة الألغام أو القنابل غير المنفجرة.


وكان بإمكان النظام السوري إدارة عمليات إزالة المباني الآيلة للسقوط، والذخائر غير المنفجرة التي خلفها القتال من دون إزالة المباني السليمة.   
                                                                                                     
علِم  خالد من والده في عام 2019 أن بناءهم تم هدمه. يقول الشاب: "لم يعد مسموحا لنا دخول الحي، لكن جارنا السابق ضابط متقاعد، استطاع زيارة المنطقة لإلقاء نظرة، وأخبرنا أن المنطقة تم هدمها وتكويم الأنقاض فوق بعضها، عرف الجار منزلنا بسبب لون السقف الأحمر البارز بين الأنقاض". 

 لا يوجد أي طريقة رسمية تمكِّن السكان من الحصول على تعويضات عن تدمير ممتلكات

يقول خالد: "سمع والدي شائعات بأن البلدية قد تعوضنا عن منزلنا الم هدم.. والدي يمتلك وثيقة ملكية طابو أخضر، بالتالي من السهل إثبات ملكية المنزل". ولكن حتى الآن لم يحصل أي شيء. 
 
تركزت عمليات الهدم والتدمير بعد انتهاء العمليات العسكرية على المناطق ذات الموقع الاستراتيجي حول العاصمة السورية دمشق، مثل القابون وداريا، وتم هدف جزء كبير من المنازل بالفعل، وشهدت هاتان المنطقتان بالذات احتجاجات كبيرة ضد النظام السوري، في وقت مبكر من عام 2011. 
 
هدم هذه المنازل يُفسح المجال أمام مخططات إعادة الإعمار الجديدة، التي وضعتها حكومة النظام السوري في تلك المناطق، ومن المخطط إنشاء ضاحية خضراء في القابون، تحتوي على مراكز تسوق وأبراج سكنية عالية.

سكان القابون السابقون الذين التقيناهم كانوا ينظرون إلى المخطط مستغربين.. يبدو أنه لا مكان للسكان القدامى في الضاحية. 

 الصورة من القابون - تصوير عدي عودة

التقينا لينا في ألمانيا، سيدة لطيفة في أواخر الثلاثينات من العمر، تزوجت وعاشت في القابون في بناء واحد مع زوجها وعائلته وأطفالها الأربعة.

"سميت بنتي سلام لأنني كنت أتمنى ان يحل السلام والعدل في البلاد، ولكن ذلك لم يحصل للأسف". 

غادرت لينا مع ابنتها سلام وبقية العائلة عام 2013 في رحلة لجوء طويلة عبر ليبيا، ثم ايطاليا مروراً ببلدان مختلفة حتى انتهى بهم المطاف في ألمانيا.   
 
تخبرنا لينا أن الشقة، التي كانت تسكن فيها لم تتعرض لضرر كبير حتى خروج اهالي القابون عام 2017، شقيقة لينا بقيت في القابون وكان معها مفتاح الشقة.

تقول لينا إن بعض العائلات النازحة كانت تسكن في الشقة أحياناً، ولكن وفي عام 2015 علمت أن بيتها تمت سرقته بالكامل من قبل قوات النظام، وأن كل شيء اختفى من المنزل حتى حنفيات الحمام والتمديدات الصحية، بعد ذلك في عام 2018 علمت أن المنزل تم هدمه بالكامل بالجرافات، وبإشراف جيش النظام السوري. 

تُظهر مخططات إعادة الإعمار التي ينشرها النظام السوري رؤية مختلفة تماماً للقابون عن شكل الحي البسيط الذي كان موجوداً قبل الحرب، والذي لم يحصل سكانه على حق العودة لبيوتهم أو أية تعويضات عنها حتى اليوم.

اتهم سكان وخبراء في وقت سابق النظام السوري بإعادة هندسة المنطقة اجتماعياً بعد أن أصبحت معقلاً للمعارضة خلال الحرب. 

انظر الصورة : أحدث مخطط تنظيمي سكني للقابون – الصورة خاصة لفريق التحقيق تم الحصول عليها من مصادر داخل مؤسسات النظام السوري. 

اللون الأحمر الفاتح: مراكز وأماكن التسوق.
اللون البني: عقارات للاستثمار كأبراج سكنية ومساحات المخصصة للمكاتب والشركات. 
اللون الزهري: مركز ثقافي.


وقال المدير التنفيذي للمركز السوري للعدالة والمساءلة، محمد العبد الله في حديثه معنا: "عند تدمير منزل أو حي كان يسكنه لاجؤون، ينبغي علينا اعتبار أن دولهم غير مناسبة لعودتهم".

"هذا هو الحال بالنسبة للعديد من السوريين في دمشق على وجه الخصوص، ما لم يتم وضع إطار لاستعادة الممتلكات أو الحصول على  تعويض مناسب عن التدمير فلا يمكن إعادة اللاجئين إلى البلاد"، بحسب العبد الله.

خلال الحرب، أصدرت احكومة النظام السوري قوانين وتشريعات سمحت للنظام بمصادرة الأراضي والبناء عليها بموجب استثمارات أجنبية، وتم تجريد السكان من أراضيهم بموجب الشروط التعجيزية المفروضة عليها لإثبات ملكياتهم.

اللاجؤون السوريون لا يستطيعون العودة إلى سوريا والتواجد الشخصي لإثبات ملكية العقارات، وبموجب هذه القوانين تم هدم منطقة القابون ومناطق أخرى في ريف دمشق. 

يقول الباحث جوزيف ضاهر إن النظام السوري استخدم الحرب لتنفيذ خططه بإعادة هيكلة دمشق، وجلب رؤوس الأموال من المستثمرين ومكافأة شبكة علاقاته الخاصة.


يقول ضاهر في حديثه لشركائنا في التحقيق: "تُستخدم الحرب لتعميق السياسات النيوليبرالية وإجراءات التقشف، وكذلك لتحقيق مخططات من الصعب تنفيذها خارج فترات الحروب والأزمات"، "إنهم يستخدمون الحرب لطرح هذا النوع من المشاريع التي كانت تواجه الكثير من المعارضة قبل عام 2011".

يقول ضاهر، إنه رغم الخطط التي وضعتها الحكومة وعمليات الهدم التي نفذتها بالفعل، فالبناء الفعلي والتطور في المشاريع كان ضعيفاً بسبب نقص الأموال وانعدام الأمن المستمر.

"النظام يكذب تماماً عندما يقول إنه يريد عودة اللاجئين. ليست هذه هي القضية.  النظام لا يريدهم وليس لديه القدرات أو البنية التحتية المالية لرعايتهم"، بحسب ظاهر.


مازنة وخالد ولينا وعشرات السكان السابقين الذين التقينا بهم، وآلاف القابونيين الآخرين فقدوا حيّهم إلى الأبد. 

في الدنمارك. تحلم مازنة  السعدي كل يوم: "أرى في حلمي أنني أجلس في غرفتي الصغيرة ببيتي القديم في حي الجامع الكبير.. افتح الباب وأنظر إلى الخارج فأجد القابون مدمرة بالكامل". 

تم إنجاز هذا التحقيق بالتعاون بين راديو روزنة وLighthouse  reports و وحدة “سراج” للصحافة الاستقصائية . ونشرت نسخة منه على موقع درج و صحيفة  Trouw الهولندية وThe Guardian البريطانية.

شارك في إعداد هذا التحقيق شارلوت ألفريد ، محمد بسيكي وبشار ديب، وفرناندة فان دي تيتس
 



نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق