بعد 11 عاماً.. تحولات غيّرت خارطة السيطرة في سوريا

إحدى مشاهد الحرب في سوريا-democraticac.de
إحدى مشاهد الحرب في سوريا-democraticac.de

سياسي | 16 مارس 2022 | منار عبد الرزاق - محمد أمين ميرة

بعد 11 عاماً من الحراك الشعبي في سوريا، شهدت البلاد تبدلات وتحولات ومعتركات ميدانية وسياسية وإنسانية غيرت من خارطتها، دون وجود أيّ بوادر أمل تلوح في الأفق لحل قريب .


رغم سلمية الحراك الشعبي الذي بدأت به الثورة واستمرارها على هذا الحال لأكثر من ستة أشهر باعتراف مناوئي الثورة قبل مؤيديها، إلا أنّ المواجهات المسلحة مع قوات النظام كانت خياراً لا مفر منه، بحسب ناشطي الحراك.

فقوات النظام وأجهزته الأمنية ردت على الاحتجاجات السلمية بالرصاص الحي، الذي أودى بحياة المئات، كما شنت اعتقالات طال الآلاف، وفق منظمات حقوقية ومدنية محلية ودولية.

المدن الكبرى

بعد عسكرة الثورة، سيطر معارضو الأسد على مساحات واسعة من الأراضي السورية، فيما أحكم النظام  عام 2013 قبضته العسكرية والأمنية في العاصمة دمشق ومراكز المدن الكبرى الأخرى، بمساعدة قوات موالية له من لبنان "حزب الله"، ومن العراق وأفغانستان وباكستان وإيران، وغيرها.

منذ التدخل الروسي في سوريا في عام 2015، سيطر النظام السوري على مناطق واسعة من أيدي المعارضة، حيث أحكم قبضته على محيط العاصمة دمشق التي يسيطر عليها، كما تقدم ميدانياً في مناطق سورية واسعة.

يسيطر النظام السوري بشكل رئيسي على مناطق الساحل اللاذقية وطرطوس غربي سوريا، وأخرى شرقية في دير الزور والحسكة، وحمص وحماة وحلب وأجزاء من ريفها وريف إدلب.
 

خريطة السيطرة في سوريا - مركز جسور للدراسات

(خريطة السيطرة في سوريا - مركز جسور للدراسات) 
 

بين السويداء ودرعا 

ورغم خضوع بعض المناطق السورية لتسويات عقب تقدم النظام السوري إليها بدعم من روسيا، إلا أن مجموعات محلية لا تزال المسيطر الفعلي عليها حتى اليوم، وهو ما حصل في درعا.

بعض تلك المناطق شهدت انفلاتاً وتوترات متكررة مع أفرع النظام الأمنية، فضلاً عن الحراك المعارض الذي بقي مستمراً لدى العديد ممن فضل البقاء، على الانتقال نحو شمالي سوريا.  

وتمثّل السويداء الواقعة في الجنوب السوري؛ حالة فريدة في الإدارة، إذ يتحكم النظام بالمؤسسات الخدمية وله وجود أمني، لكن اتفاقاً أهلياً يسود على منع زج الشبان من أبنائها بالخدمة العسكرية، بالإضافة إلى تأثير واضح للوجهاء المحليين في تقليم أظافر النظام ومنعه من اعتقال مناوئيه في المنطقة.

إدلب والشمال السوري

في إدلب وأجزاء من ريف حلب تحكم "هيئة تحرير الشام" سيطرتها، بعد طردها لفصائل سورية معارضة كانت توسم بـ "المعتدلة" من قبل المجتمع الدولي.

تقوم على إدارة المنطقة التي تسيطر عليها الهيئة مدنيًا حكومة (الإنقاذ) التي توصف بأنها "الذراع الخدمي" لها.

اقرأ أيضاً: لا خوف بعد 2011.. الحراك السلمي السوري يكسر حاجز الصمت

وإلى الشمال الغربي والشمال الشرقي يسيطر "الجيش الوطني" المدعوم من قبل القوات التركية على ريف حلب الشمالي مثل اعزاز وعفرين، وريف المحافظة الشرقي في جرابلس، والباب ورأس العين في الحسكة، وتل أبيض في ريف الرقة.

وتأتي سيطرة الجيش الوطني  على جرابلس والباب بعد طرد تنظيم "داعش" من المنطقة في عملية عسكرية شنتّها القوات التركية في شباط فبراير 2017.

كما جاءت سيطرته على عفرين بعد إطلاق القوات التركية لعملية غصن الزيتون ضد المقاتلين الأكراد في المنطقة وذلك في آذار/ مارس 2018.

واستكملت القوات التركية عملياتها ضد المقاتلين الأكراد في ريفي الحسكة والرقة، وذلك من أجل تأمين الشريط الحدودي من هجمات محتملة من قبل "قسد" التي تتهمها أنقرة بأنها الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني وتضعها على قوائم الإرهاب.

وشنت القوات التركية إلى جانب فصائل المعارضة المسماة بـ الجيش الوطني عملية أسمتها بـ نبع السلام تمكنّت من خلالها في تشرين الأول/ أكتوبر 2019 من السيطرة على مدينتي تل أبيض بريف الرقة ورأس العين في ريف الحسكة.

وتقوم إدارة المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش الوطني المدعوم من أنقرة، وفق نظام المجالس المحلية؛ التي تتحكم بمختلف مناحي الحياة (كهرباء، مياه، تعليم.. إلخ).
 


وسَطت على قرار المعارضة المسلحة الفصائل الإسلامية والجهادية، وتشكلّت تلك التنظيمات في الفضاء الخارج عن سيطرة النظام، وهو ما أعطى فرصة للنظام لوصم مناوئية بـ "الإرهاب" واستدعى التدخل الروسي في منتصف عام 2015 تحت هذه الذريعة.

شمال وشرق سوريا

تسيطر الإدارة الذاتية (الذراع المدني لـ قسد)، المدعومة من قبل واشنطن على مختلف مناحي الحياة في مناطق متفرقة من الجزيرة العربية، وتعتبر مدينة القامشلي بريف الحسكة ومدينة الرقة إضافة إلى مناطق متفرقة من ريف دير الزور.

وتتحكم الإدارة الذاتية بمعظم آبار النفط في المنطقة الشرقية، وعلى رأسها "العمري"؛ ما يجعلها المنبع الرئيس لمدّ مناوئيها وحلفائها بمستلزمات الطاقة؛ سواءً من خلال عمليات تجارية مع مناطق المعارضة أو عبر تهريب النفط بطرق "غير مشروعة" إلى مناطق نفوذ النظام.
 


وفي شمال شرقي سوريا، استغل تنظيم "داعش" الحالة المأزومة في المشهد السوري والصراع المسلح بين فصائل المعارضة العسكرية وقوات النظام، ليعلن عن تشكيل دولته في العراق والشام في حزيران/ يونيو 2014.

استحوذ على مساحات واسعة من الأراضي السورية والعراقية، متخذًا من النهج التكفيري أساساً للتغلب على أعدائه ومناوئيه.

ووجدت المعارضة السورية المسلحة نفسها بين فكي صراع ما بين التنظيم  والنظام، واستطاعت طرده من ريف إدلب، وبعض مناطق حلب دون أي دعم خارجي.

ووجد التنظيم في المناطق الشرقية كـ الرقة، دير الزور وغيرها مكاناً خصباً لبسط نفوذه؛ بسبب اتصالها بالأراضي العراقية وكسر الحدود بين البلدين؛ ليصبح الطريق سالكًا بين ما أطلق عليها بـ "الولايات" من مدينة الباب بريف حلب الشرقي إلى مدينة الموصل في شمال العراق.

سيطرة التنظيم على مناطق واسعة من سوريا استفز الولايات المتحدة، التي أعلنت عن تشكيل التحالف الدولي لمحاربته في أيلول/ يونيو 2014 إلى جانب عدد من الحلفاء الأوروبيين من بينهم ألمانيا وفرنسا.

نهاية داعش

اعتمدت الولايات المتحدة في حربها ضد التنظيم في شرق سوريا على مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ذات الأغلبية الكردية، واستطاعت طرد التنظيم من الرقة أحد أهم معاقله في سوريا في تشرين الأول/ اكتوبر 2017؛ فيما استمرت المعارك مع التنظيم حتّى 23 آذار/ مارس 2019؛ إذ أعلنت واشنطن القضاء عليه في سوريا بعد طرده من آخر معاقله في الباغوز بريف دير الزور الشرقي.

شاهد أيضاً: الثورة السورية في الذكرى الـ 11 لانطلاقتها

ورغم الإعلان عن القضاء على "داعش" إلا أنّ مخالب التنظيم لا تزال موجودة في البادية السورية؛ ويشن شهرياً عشرات الهجمات على مواقع للنظام وأخرى لـ "قسد"، ويرسل المفخخات إلى مناطق نفوذ "هيئة تحرير الشام" في إدلب، و"الجيش الوطني" في ريف حلب؛ لينتقم ممن يصنفهم على قائمة الأعداء ضمن عمليات عسكرية محددة غير مركزية تقوم على خطة "الذئاب المنفردة"، التي تضرب وتهرب.

و تتوالى الأخبار عن تنفيذ واشنطن لعمليات أمنية ضد خلفائه بدءًا من زعيمه الأول "أبو بكر البغدادي" الذي اعلن الرئيس الأمريكي السابق "ترمب" قتله، وليس انتهاء بإعلان "بايدن" عن قتل زعيمه الثاني "أبوإبراهيم الهاشمي القرشي"، ليعلن التنظيم، منذ أيام، عن مبايعة خليفة جديد له، وهو شقيق زعيمه الأول "البغدادي".

انعكاسات الانقسام

وسط حالة الانقسام وتوزع النفوذ بين المناطق السورية المختلفة، وجد بعض السوريين أنفسهم منخرطين في صراعات خارج الحدود، وورقة ابتزاز إقليمية ودولية، ولعل آخرها الأحاديث الجارية عن نقل مقاتلين لزجهم بالعملية العسكرية في ليبيا و أوكرانيا.

وتزداد الأوضاع الاقتصادية سوءًا في عموم البلاد؛ إذ لا يتجاوز دخل المواطن الشهري الـ 30 دولار في مناطق النظام فيما يصل إلى نحو  دولار فقط ونحو 50 في مناطق سيطرة المعارضة وقسد، فيما تقول تقارير أممية إن 90 في المئة من السوريين تحت خط الفقر.

تبدلات وتحولات كثيرة طرأت ميدانياً على مشهد الثورة السورية منذ انطلاقتها في الـ  15 آذار/ مارس 2011 وحتّى الآن، عمّقت من معاناة السوريين وأثخنت في جراحهم، في ظل انسداد الأفق أمام أيّ حل يعيد البلاد موحدة.
 


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق