الثقة مع الجمهور.. هل تحقق الاستمرارية للإذاعات السورية؟

الإذاعة.. صوت يصور الذكريات ويجسد الأحداث (روزنة)
الإذاعة.. صوت يصور الذكريات ويجسد الأحداث (روزنة)

مهارات حياة | 13 فبراير 2022 | روزنة

بضغطة زر صغيرة يمكنك الظهور أمام الجمهور بنطاق واسع كأي وسيلة إعلامية أخرى، وعبر الجوال أو الحاسب تستطيع الوصول إلى جميع القنوات والإذاعات، ما يعني منافسة كبيرة، تستوجب النظر بجدية إلى طرق التميز والاستدامة.


لا معنى للإذاعة بلا جمهور، كحال أي وسيلة إعلامية أخرى، وفي اليوم العالمي للراديو، تبدو الثقة مصدراً رئيسياً لكسب ولاء المستمعين، وجذب قاعدة كبيرة بما يكفي للصمود والاستمرارية.

الثورة الرقمية التي غيّرت عالمنا بشكل جذري، وجعلت الراديو والتلفزيون في جيب كل إنسان، ومكنته في الوقت ذاته، من إنشاء إذاعته أو قناته الخاصة، جعلت وسائل الإعلام في تطور مستمر.

في عالم التواصل الاجتماعي، قد يكون البقاء للأشهر، لكنه في وسائل الإعلام للأصدق والأقرب للجمهور، إذ تبقى الثقة العنصر الرئيسي لجذب قاعدة كبيرة بما يكفي من المخلصين لتكوين استدامة، تضمن تفاعلاً ومشاركة حقيقية.

(الاستماع للراديو عبر الجوال-مواقع تواصل)

خلق التطور المتسارع منافسة كبيرة بين الإذاعات أو وسائل الإعلام المختلفة، ولم يمنع ذلك أن تكون الثقة عنصراً أساسياً للاستمرارية وكسب ولاء الجمهور، لكن احترام المعايير الأساسية للصحافة الأخلاقية بقي أمراً صعباً في العصر الرقمي، وهو ما جعل الثقة وتقديم الحقيقة العامل الفصل للمتابعة.

من هنا برزت أهمية شعار "الإذاعة والثقة" الذي أطلقته اليونسكو في اليوم العالمي للراديو نسخة 2022، في ظل التنافس الحاصل بين المحطات الكبيرة، والسهولة التي منحها العالم الرقمي ليمتلك كل مننا إذاعته.

بقي الراديو إحدى أهم الوسائل التواصل لاسيما في دول تشهد نزاعات وحروباً مستمرة، وخصصت اليونسكو تاريخ 13 شباط/فبراير من كل عام يوماً دولياً للإذاعة.

سوريون يفضلون الراديو

الظروف الاستثنائية التي تمر بها بعض الدول مثل سوريا، تضفي أهمية خاصة للإذاعة، ووفق الصحيفة السورية "لينا ديوب"، بمجرد توصيل سماعات جوالك تظهر لك العديد من المحطات الإذاعية، وهو ما يجعل الاستماع إليها مفضلاً لدى الجمهور.

(الصحفية لينا ديوب)


المصداقية من أهم معايير بناء الثقة بين الإذاعة وجمهورها، وفق الإعلامي في راديو فرش "رامي فارس"، ويرى الصحفي السوري في حديثه لروزنة أن ذلك يكون في تجنب أي نوع من تزوير الحقائق، والتواصل الموثوق مع المستمع، من خلال المراسلين الذين ينقلون ما يجري على أرض الواقع بأدق تفاصيله.
 

"يجب أن تستمر الصحافة في الاعتماد على معلومات يمكن التحقق منها ويتم مشاركتها للصالح العام، وتحمل السلطات للمساءلة وتساعد المجتمع على بناء مستقبل أفضل للجميع" (منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة-اليونسكو)

 

تطرق الإذاعات المحلية لقضايا الجماهير اليومية، واستضافتها لشخصيات ذات صلة، إلى جانب المصداقية والاستمرار، يعزز الثقة بينها وبين المستمعين، حسبما ذكرته لينا لروزنة.

كل ذلك تراه الصحفية السورية "لينا" مهماً لإعداد برامج ومواد إعلامية ناجحة، تستهدف شرائح من الجمهور، قد لا تصلها الكهرباء أو شبكات الإنترنت، فتكون الإذاعة بديلاً رئيسياً لها.

تتوافق لينا مع الصحفية السورية شيرين إبراهيم مديرة راديو آرتا المحلي، التي تؤكد لروزنة أهمية ابتعاد المادة الإعلامية عن الرأي الخاص بالصحفي أو الوسيلة التي يعمل فيها، مع أهمية متابعة الأحداث اليومية والتصريح بالمصادر التي تم الاستناد إليها.
 

(شيرين إبراهيم - مديرة راديو آرتا)

إشراك الجمهور

مراعاة تنوع فئة الجمهور المستهدفة، يخلق ثقة بينه وبين الإذاعة، ومن الضروري أيضاً إشراكه بالمواضيع من خلال سؤاله عبر استطلاعات الرأي عن أكثر ما ينال اهتمامه كمستمع، ما يخلق وفق شيرين شراكة بين الناس والوسيلة الإعلامية التي يتابعونها.

(الراديو ووسائل الإعلام-مواقع اتواصل)

رؤية الصحفية السورية في راديو الكل المحلية "هند مقصوص"، لا تختلف كثيراً مع سابقاتها، إذ تؤكد لروزنة على أن الثقة مسألة تراكمية، يساهم ببنائها المحتوى والإخراج الجيد مع مراعاة طبيعة الجمهور، وعدم فرض الأفكار على المتلقي.

تلك الأفكار تبدو أيضاً قريبة من رأي الصحفية السورية المستقلة "توليب مدرس"، التي أوضحت لروزنة، أهمية أن تناول الشؤون الخدمية في الإذاعة بالاستناد إلى مرجع صحيح، وموجود على أرض الواقع.

أشارت توليب إلى فرص باتت متوفرة للإذاعة، من خلال التعاون بينها وبين مؤسسات فاعلة على الأرض، كمنظمات دعم المرأة التي تتوجه إلى دعم النساء وتمكنيهنّ في المجتمع، عبر مشاريع تشارك وسائل الإعلام في تغطيتها. 

المشاريع الإعلامية تكسب نجاحها من خلال الثقة التي تحصل عليها من جمهورها، عبر تناول مواضيع مهمة، تترك مساحة للاستماع والمشاركة، وفق الصحفية السورية في راديو نسائم السوري الذي يبث من تركيا "لانا نجم".

(لانا نجم - صحفية في راديو نسائم)


الابتكار بالطرح وعدم التكرار، التواصل مع الجمهور، التواصل اللطيف غير المبالغ فيه، ترك مساحة للتعبير، الاهتمام بجميع الرسائل وعدم تجاهلها، واحترام التنوع واختلاف القناعات، يضفي ذلك حسب هند مزيداً من الثقة بين الإذاعة ومستمعيها.  

"البث الإذاعي يمكن أن يوفر منبراً للحوار والنقاش الديمقراطي حول قضايا مثل الهجرة أو العنف ضد المرأة أن يساعد على رفع مستوى الوعي بين المستمعين ويلهم الفهم لوجهات نظر جديدة ويمهد الطريق لعمل إيجابي" - (منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة-اليونسكو)


بحسب اليونسكو توفر منصات الإذاعة الرقمية أسساً للابتكار في إمكانية الوصول الكبير إلى المحتوى، كاستخدام لغات الإشارة أو الترجمة الآلية للجمهور ضعاف السمع عند البث، أو الإعلان عن المحتوى للمستمعين المكفوفين.

التمويل والاستدامة

بقاء الإذاعة على قيد الحياة والصمود عندما تضرب الأزمة المالية سوق الإعلام، يرتبط وفق البعض بقدرة الراديو على جذب قاعدة كبيرة بما يكفي من المستمعين المخلصين والاحتفاظ بهم لتكون مستدامة أو لتضمين تفاعل المستمع في نماذج أعمالهم.

بناء الثقة بين الراديو وجمهورها، وفق الصحفية لينا ديوب، يحقق للوسيلة الإعلامية استدامتها، ويجعلها تتجنب إلى حد ما العوائق المادية، من خلال الربح عبر مواقع التواصل والإعلانات، التي تؤمن دخلاً مستمراً للإذاعة. 


بالمقابل لا يتوقع رامي فارس في راديو فرش، الذي يبث (شمالي وشمال غربي سوريا)، أن يتحول الجمهور المخلص إلى مصدر دعم مادي للإذاعة، ويرجع ذلك إلى الوضع الاقتصادي المتردي.

(رامي الفارس - صحفي في راديو فرش)


ما يمكن أن يعطيه الجمهور للراديو حسب فارس هو الثقة فقط من خلال استمرار الاستماعات وزيادة متابعة محطته الإذاعية، لكن ذلك لا يقدم أي مردود مادي في الوقت الحالي ولا "نتأمل ذلك في المستقبل".

دلشاد عبدو المديري التنفيذي في إذاعة رام إف إم المحلية، يعتقد أن إخلاص الجمهور أمر إيجابي لكنه في سوريا لا يعني بالضرورة أن يساعد على الاستمرارية، والصمود أمام التحديات المالية.

(دلشاد عبدو - إذاعة رام اف ام)


وإن حصل وساعدت الثقة بين الجمهور والمحطة التي يتابعها على صمودها مادياً فسيكون ذلك لفترة قصيرة جداً وفق دلشاد، إلا إذا كان هناك رابطة مستمعين أو متابعين للوسيلة وأغلبهم كانوا خارج سوريا، ولديهم إمكانيات مادية تساعد على استمرار عمل الوسيلة الإعلامية وبثها.

"انتشار ثقافة بث الإعلانات خاصة من قبل التجار والشركات والمؤسسات في وسائل الإعلام مقابل مبالغ مالية تساعد الإذاعة، لكن هذا لا يتوفر في منطقتنا بالشكل الذي يحقق الاكتفاء" وفق دلشاد.

رغم انتشار المئات من المحطات الإذاعية في العالم الرقمي، أثبتت الراديو قدرتها في الأزمنة الصعبة، ودوناً عن غيرها استطاعت أن تجعلنا خلاقين في بناء عوالم ما نسمع، دون أن تفقدنا الصورة متعة الاستماع و تخيل الأشياء.


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق