إدلب: لباس المرأة والسلطة الذكورية ..  صراع داخلي غير معلن

لباس المرأة السورية - shutterstock
لباس المرأة السورية - shutterstock

نساء | 21 أكتوبر 2021 | روزنة

لباس المرأة و"حشمتها" و"عفّتها"، هي مواضيع تسعى"هيئة تحرير الشام" للتركيز عليها بين الفينة والأخرى ضمن مناطق سيطرتها شمالي سوريا، فتطالب السيدات عبر وسائل مختلفة بالحفاظ على ما تسميه "اللباس الشرعي" وعدم التبرّج، وهو ما يراه البعض تكريساً للسلطة الذكورية من خلال التضييق على المرأة والحد من حريتها.


"أخي عرضك أمانة، لباس المرأة يحكي تربية أبيها وغيرة أخيها ورجولة زوجها"، "أختاه أنت صانعة الأبطال ومربية الأجيال فاتقِ الله فأنت على ثغر عظيم"، هي رسائل نشرتها مديرية أوقاف مدينة سلقين التابعة لـ"حكومة الإنقاذ" الذراع السياسي لـ"هيئة تحرير الشام" عبر لافتات في شوارع منطقة حارم شمالي إدلب، في الـ 21 من أيلول الفائت،  ضمن حملة "حراسة الفضيلة".

تلك اللافتات لقيَت إعجاب واستحسان عدد كبير من الرجال على وسائل التواصل الاجتماعي، فيما غابت آراء السيدات والفتيات حول الموضوع، فخلال السنوات السابقة تم اعتقال سيدات وطالبات جامعيات بسبب اللباس، بحجة مخالفتهن لشروط اللباس الذي تفرضَه "الهيئة" في مناطقها.

لباس المرأة كما تطالب به "تحرير الشام" يجب أن يكون فضفاضاً وساتراً لكل البدن ولا يصف ولا يشف وألّا يكون مزركشاَ.
 
اقرأ أيضاً: إدلب.. لباس النساء وقوانين "تحرير الشام" الخانقة!



متى يُضبط الشباب؟

تخشى الشابات والسيدات إبداء رأيهنّ في قضية اللباس بالمناطق الخاضعة لسيطرة "تحرير الشام"، فأي قرار أو تعميم حول اللباس واقع مفروض عليهنّ لا يستطعن مواجهته، بغض النظر عن تأييدهن للتعليمات أو رفضها.

ريما من إدلب، 23 عاماً، طالبة جامعية، وعاملة في الدعم النفسي للأطفال والنساء، تقول لـ"روزنة": إن "السلطات تهدف عبر هذه التعليمات الضغط على النساء والتحكّم بهنّ، رغم أنّ معظمهن يرتدين لباساً طويلاً ومحتشماً لا تبرز فيه معالم جسم الأنثى".

وتضيف ريما التي تلبس عباءة "لا أحب أن يحكمني أحد فيما ألبس، لكنه واقع مفروض علينا، فماذا عسانا نفعل".

وتتساءل "لماذا لا نرى لافتات تدعو الشباب إلى غض البصر واحترام السيدات؟!".

وتتابع: "تتعرّض السيدات والفتيات للكثير من المضايقات من قبل الشباب كإسماعهن عبارات الغزل (التلطيش) عند مرورهنّ  في الشوارع والأسواق أو ملاحقتهنّ، نتمنى أن يتم التدقيق على ما هو مفيد أكثر من ذلك".
 
وترى أنّ "تشديد الهيئة على شكل اللباس عاد مجدداً مع ازدياد نسبة النساء العاملات في المنطقة، المترافق مع ارتفاع الوعي بامتلاك النساء لحريتهنّ".

كذلك تعتبِر ليلى، 27 عاماً، مقيمة في مخيمات الشمال السوري، أنّ "اللباس حرية شخصية، لكن البيئة والعادات والتقاليد تفرض وجودها، وهذا ما دعا السلطات للتذكير بأمر اللباس كون محافظة إدلب منطقة ملتزمة دينياً في الأصل".

وبحسب تقرير للأمم المتحدة في أيلول الفائت، فإن عدد قتلى الحرب في سوريا منذ 10 سنوات بلغ أكثر من 350 ألفاً، بين كل 13 قتيلاً امرأة بواقع (26 ألفاً و727 امرأة).

إغراء ولفت نظر

يرى عدد لا بأس به من الشباب أو الرجال أن التذكير بأمر اللباس أمرٌ جيد في ظل ازدياد تنوع لباس المرأة في إدلب.

أمين، 24 عاماً من إدلب، أشار إلى أن التذكير بالحفاظ على الحجاب عبر اللافتات أو حملات التوعية "خطوة جيدة جداً لبث الوعي الديني"، وأضاف لـ"روزنة": "أهم شيء عدم ترهيب الناس في الدعوة للدين".

وحول لباس السيدات والفتيات يقول سمير، 28 عاماً، مقيم في حارم شمالي إدلب، لـ"روزنة": "هناك قسم ملتزم بلبس العباءات والخمار، وهناك قسم يلبسن جاكيتاً يصل إلى الركبة وهو قليل نوعاً ما، يكون بألوان مختلفة ملفتة للنظر".

"اللباس الطويل يلفت النظر أحياناً حينما يكون ضيقاًَ ويرسم جسم الفتاة، وبخاصة عندما يكون ملوّناً، مع مكياج خفيف وعطر، إذا مر شب من حدها للبنت رح يتطلع عليها" يضيف سمير.

وقبل شهر  ونصف أنهت هيئة تحرير "جهاز الفلاح" الذي يتخذ من "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" شعاراً له، وهو بمنزلة "الشرطة الدينية" ويُعنى موظفوه من الرجال والنساء بمراقبة الأسواق ومنع الاختلاط وغير ذلك.

زهير، 30 عاماً، مقيم داخل مخيمات الشمال السوري، يعتقد أن مطالبة الهيئة بالحفاظ على لباس المرأة "مقرون بالتجربة الأفغانية وحكومة طالبان التي فرضت رأيها على المجتمع الدولي من خلال التحكم بمفاصل الحياة ولا سيما حركة المرأة ولباسها، وهو ما أثّر على تحرير الشام، ودفعها لتلك التصرفات".

وكانت "هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، أصدرت شهر أيار عام 2018 قانوناً يحدّد لباس النساء بأن يكون "ساتراً للبدن كلّه، وأن يكون فضفاضاً، وثخيناً لا يصف ولا يشف، وألا يكون زينة في نفسه بأن يكون مزركشاً"، واعتبرت أن اللباس الذي حددته للنساء، يندرج تحت ما يسمى "قانون الآداب العامة".

اقرأ أيضاً: صرخات نساء سوريات: العمل من حقنا



لباس المرأة شرف المجتمع!

هبة عز الدين، من منظمة "عدل وتمكين" الإنسانية، ترى أنّه يتم "استخدام النساء وأجسادهنّ لتعزيز السلطة الذكورية التي تعتقد أنّ لباس المرأة جزء من الشرف العائلي وشرف المجتمعات".

وتضيف لـ"روزنة": "تطرح تحرير الشام مواضيع مقبولة مجتمعياً ومرتبطة بقضايا الشرف، لإثارة النزعة الذكورية، والترويج لنفسها من أجل تقبّلها في المجتمع، فتلك القضايا المرتبطة بالنساء والشرف تحقّق إجماعاً كبيراً….الهدف منها تطويع النساء اللواتي خرجن من تحت عباءة السلطة الذكورية".

ولم تكتفِ وزارة الأوقاف التابعة لـ"حكومة الإنقاذ" بنشر اللافتات وإنما أتبعتها بأربع مسابقات إلكترونية تضمنت أسئلة دينية في إطار الحملة، شارك في المسابقة الرابعة  28 ألف متسابق، بحسب وكالة "أنباء الشام" المعنية بنقل أخبار "تحرير الشام".

خلخلة السلطة الذكورية

تستغل تحرير الشام ميل المجتمعات إلى تقدّيس الشرف المتمثّل في المرأة فتحاول الحديث عن لباس النساء وضرورة تغطية أجسادهنّ، برأي هبة.

وترى أنّ التضييق على النساء من خلال اللباس هو نتيجة خوف "تحرير الشام" من تخلخل سلطتها الذكورية، وما هو إلا "محاولة لإعادة النساء المتمردات إلى بيت الطاعة، ولاسيما بعدما رفضت بعضهنّ النقاب والعباءة والقوانين الخانقة الصادرة عنها".

وباعتقادها أن تصرفات "تحرير الشام" ودعوتها للحفاظ على حجاب المرأة، تأتي ضمن حملة العداء للنسوية، التي اتُهمت مؤخراً بأنها تدعو لخلع الحجاب والتعرّي.

تقول: "استغلت الهيئة نفور المجتمعات من النسوية والخوف من تعري النساء، إذ أصبح المجتمع محفزاً ومؤهلاً لأي شيء يدعو لحشمة النساء، وأي قرار يفرض على النساء مزيداً من القيود في اللباس يلقى قبولاً أكثر".

وكان محمد أيمن الجمال عضو في "الائتلاف السوري المعارض" ودكتور في الدراسات الإسلامية، اتهّم مؤخراً "النسوية" بالوقوف خلف بعض الجرائم المرتكبة بحق النساء من قبل عائلاتهن في سوريا، ويرى أن النسوية قاتلة للمجتمع ومفسدة للرجل والمرأة وسبب في هدم الأسرة وزيادة حالات الطلاق، ويجب محاربتها.

لباس المرأة رمزية ذكورية 

الباحث الاجتماعي صفوان قسام يقول لـ"روزنة": إنّ "التدخّل بكل ما يتعلّق بحياة المرأة موجود عند كل الجماعات الذكورية التي تعتمد شرعيتها من الدين والعرف والعادات، مثل لباس المرأة أو علاقتها بشريكها ودورها في الحياة".

ويشكل لباس المرأة رمزية ذكورية يتم التحكم من خلالها بالمرأة، وحينما تكسر المرأة تلك الرمزية وتحاول حماية نفسها والاستقلال بذاتها، تتغير موازين القوى ويحدث خلل في التركيز على تلك الرمزية التي تستمد الجماعات الذكورية قوتها من خلالها للسيطرة على المرأة، بحسب قسام.

وشهر تشرين الأول عام 2015 أصدر "جيش الفتح" (تحالف فصائل إسلامية نواته حركة أحرار الشام وهيئة تحرير الشام) الذي سيطر على معظم محافظة إدلب في ذلك العام ، قراراً ألزم بموجبه النساء بارتداء اللباس الشرعي ومنع التبرج، كما ألزم محال الألبسة النسائية بوجود امرأة تبيع الزبائن.

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق